تعاني أزمة الكهرباء في لبنان من جذور تاريخية عميقة، وتُعدّ واحدة من أعقد الأزمات في العالم. وهي ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم عقود من سوء الإدارة والفساد والفشل في تنفيذ الإصلاحات، وقد تفاقمت بصورة كارثية مع الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019.
أما الحل الجذري، فيتطلب مقاربة متكاملة لا تقتصر على إصلاح مؤسسة «كهرباء لبنان»، بل تعيد هيكلة القطاع بأكمله، من خلال خريطة طريق إصلاحية تجمع بين رفع كفاءة الدولة، وكسر الاحتكار، والانفتاح على مصادر الطاقة الجديدة.
جذور الأزمة التاريخية
تعود جذور أزمة الكهرباء في لبنان إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. فبدلاً من إعادة بناء قطاع الكهرباء وتحديثه، تركت الحكومات المتعاقبة مؤسسة «كهرباء لبنان» تعاني سوء إدارة مزمنًا، وضعفًا في الحوكمة، وغياب إطار تنظيمي واضح.
في ستينيات القرن الماضي، كان لبنان يتمتع بشبكة كهربائية تغطي المناطق بصورة شبه كاملة، لكن مع نهاية حرب السنتين عام 1976، بدأ الانقطاع غير المنتظم في عدد من المناطق، ما دفع المواطنين إلى الاعتماد على المولدات الكهربائية الخاصة بوصفها حلاً مؤقتًا. غير أن هذا الحل المؤقت تحوّل إلى واقع دائم، في ظل غياب أي خطة جادة لإعادة تأهيل شبكات التوزيع.
أبرز المحطات التاريخية
- 1992 وما بعده: بدأ الحديث عن رفع إنتاج الكهرباء تدريجيًا، لكن الوعود بقيت «عرقوبية» من دون تنفيذ.
- عقد 2010: وُضعت خطة طموحة بكلفة 4.9 مليارات دولار لتأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة بحلول عام 2014، لكنها لم تُنفَّذ بسبب العقبات السياسية.
- 2019: وقع الانهيار الاقتصادي الذي فقدت معه الليرة اللبنانية أكثر من 90 في المئة من قيمتها، ما جعل استيراد الوقود شبه مستحيل.
استمرار الأزمة وتعمّقها
- الفساد والهدر الممنهج: يعاني قطاع الكهرباء فسادًا مستشريًا، إذ تُعدّ مؤسسة كهرباء لبنان واحدة من أسوأ المرافق أداءً وأكثرها تكبّدًا للخسائر في المنطقة، وذلك بسبب الفساد المنتشر فيها. وتصل نسبة الهدر والسرقة والاستمداد غير الشرعي للطاقة إلى نحو 60 في المئة، ما يضاعف الخسائر المالية.
- دين عام ضخم: كبّد قطاع الكهرباء الدولة ديونًا هائلة، إذ استنزف أكثر من 40 مليار دولار من النظام على مرّ السنين. وتتراكم على مؤسسة كهرباء لبنان ديون بلغت حاليًا نحو 340 مليون دولار، فيما لا تتجاوز إيراداتها الشهرية 40 مليون دولار، مقابل كلفة تشغيل تفوق 100 مليون دولار.
- الاعتماد على استيراد الوقود بالدولار: يرتبط لبنان هيكليًا بالوقود الأحفوري المستورد، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وأزمات السيولة. ومع ارتفاع أسعار النفط، ارتفعت كلفة الكهرباء والغاز والديزل بنحو 600 في المئة.
- المحاصصة الطائفية والسياسية: يتداخل الفساد في قطاع الكهرباء مع المحاصصة الطائفية. ففي مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، لا يُسمح لمفتشي المؤسسة بدخول بعض المناطق لأغراض التحصيل. كما تراجعت إيرادات المؤسسة بصورة حادة منذ عام 2022، مع توقف شبه كامل للجباية في مناطق الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية.
- غياب الإرادة الإصلاحية: على الرغم من الخطط المتتالية، بقي قطاع الكهرباء رهينة المصالح السياسية. ويشير محللون إلى أن «خلل قطاع الكهرباء وعدم كفاءته يخفيان تحديات سياسية واقتصادية أعمق، بما في ذلك الاستئثار بريع القطاع، والمؤسسات المأسورة، والدولة المجزأة».
الواقع الفعلي الحالي (2026)
- انهيار شبه كامل للتيار الكهربائي الرسمي: يعاني لبنان اليوم أزمة كهرباء خانقة، إذ دخل في ظلام شبه كامل في كانون الثاني 2026، إثر توقف آخر مجموعات الإنتاج في معملي «دير عمار» و«الزهراني»، بسبب نفاد الوقود. ولا يتجاوز مخزون الغاز أويل ما يكفي لتسعة أيام فقط.
يتلقى معظم المواطنين بالكاد ما بين أربع وست ساعات من الكهرباء الحكومية يوميًا، مع تزايد خطر الوصول إلى تشغيل محدود جدًا للشبكة، وربما إلى انقطاع شامل. وقد قدّرت مؤسسة كهرباء لبنان الأضرار المباشرة التي أصابت القطاع بنحو 67.5 مليون دولار.
- تأثير كارثي في الحياة: لا يقتصر الأمر على الظلام، بل يشمل شلّ المرافق الحيوية، كالمطار والمدارس والمستشفيات ومرافق المياه، وهو ما يُعدّ انتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية في الصحة والتعليم والتمتع بمستوى معيشي لائق.
- الاعتماد على المولدات الخاصة: تتراوح التقديرات الرسمية لعدد المولدات بين 7,000 و11,000 مولد. فإحصاءات «الدولية للمعلومات» تشير إلى وجود نحو 11,000 مولد، بينما تشير إحصاءات وزارة الاقتصاد إلى وجود نحو 7,000 مولد، لا يلتزم ثلثها، أي نحو 2,300 مولد، بالمعايير. كما انتشرت بعض الإحصاءات غير الرسمية التي تقدّر العدد بنحو 33,000 مولد.
- كلفة باهظة على المواطنين: تشير بعض التقديرات إلى أن اللبنانيين يدفعون نحو 1.5 مليار دولار سنويًا لأصحاب المولدات. وتشير تقديرات أخرى إلى أن المستهلكين يدفعون نحو 2.5 مليار دولار سنويًا، وأن 90 في المئة من الأسر تتنازل عن خدمات أساسية لتغطية تكاليف الكهرباء.
منظومة الحماية: من يدير المولدات الخاصة، ومن يحميها؟
- الإطار الرسمي النظري: نظريًا، تدير الدولة القطاع من خلال وزارة الطاقة، التي تتولى تحديد التعرفة، ووزارة الاقتصاد، التي تتولى مراقبة التسعير وتركيب العدادات، والقوى الأمنية، التي تنفّذ حملات التفتيش. وقد صدرت آليات للترخيص عام 2017، وعُدّلت عام 2018، لفرض تركيب العدادات والالتزام بالسعر التوجيهي.
- الحماية الفعلية على أرض الواقع: تحوّل قطاع المولدات، على أرض الواقع، إلى «كارتيل» تحميه أحزاب وتيارات سياسية وجهات نافذة وعائلات في بعض المناطق. وقد أدرك أصحاب المولدات حاجة الناس إليهم، ففرضوا شروطهم من خلال التسعيرات العشوائية والتحكم في ساعات التغذية.
أبرز الجهات الحامية
- حزب الله وحركة أمل (الثنائي الشيعي): يُعدّان الأبرز في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض مناطق البقاع الخاضعة لنفوذهما السياسي. ويكشف تحقيق استقصائي، بالأسماء، المافيات التابعة للثنائي الشيعي التي تدير مولدات جنوب لبنان، متخفية تحت عباءة القطاع الخاص، ولكن مستندة إلى سطوة مسلحة تفرض الخوّات على التابعين وغير التابعين. وتشير التقديرات إلى أن معظم أرباح المولدات تذهب إلى خزائن الحزب.
- شبكات النفوذ الحزبية: يُعدّ أصحاب المولدات في كثير من الأماكن «مافيا» تشكّل جزءًا من نظام المحسوبية السياسية في لبنان وتسهم فيه. وتنقسم معظم الأحياء بين أصحاب المولدات بطريقة تشبه تقسيم مناطق النفوذ، بحيث لا يُسمح لأي مشغّل بالعمل في منطقة مشغّل آخر.
- أطراف أخرى: تشير المعلومات إلى وجود نافذين في مختلف المناطق ينتمون إلى «القوات اللبنانية» و«تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الكتائب اللبنانية» و«التيار الوطني الحر»، إضافة إلى أحزاب وتيارات أخرى، وكذلك بلديات تؤدي دورًا في الحماية.
- العنف والإفلات من العقاب: تجاوزت المنظومة حدود الاستغلال الاقتصادي إلى ممارسة العنف. ففي إحدى أحدث الحوادث، قُتل أحد الأشخاص بالرصاص في أثناء مدّ الكابلات في منطقة يعمل فيها مالك أحد المولدات، بينما أُصيب شقيقه في ساقه برصاص مجموعة تابعة للدائرة المقرّبة من مالك المولد وعضو الحزب. وعلى الرغم من الأدلة، لم يُعتقل الجناة.
تعمل شبكات الاشتراك كجماعات تنشط علنًا وفوق القانون، وقادرة على فرض رسوم حماية، والاعتداء، وأحيانًا قتل المنافسين، وكل ذلك تحت غطاء سياسي وحزبي.
محاولات الإصلاح والعقبات
مبادرات محدودة:
- قرض البنك الدولي، وقيمته 250 مليون دولار، لدعم إصلاحات القطاع، بما في ذلك إنشاء مركز التحكم الوطني.
- إنشاء هيئة تنظيم قطاع الكهرباء في أيلول 2025، وهي الجهة الوحيدة المخوّلة ترخيص الداخلين الجدد إلى القطاع. وقد أُقيل أخيرًا محمد مروان جمال من منصبه، بسبب وجوده خارج لبنان طوال الفترة، وعُيّن زياد سمكية رئيسًا جديدًا.
- خطط وطنية: أقرّ مجلس الوزراء خطة لإصلاح قطاع الكهرباء وإعادة هيكلته في آذار 2022، كما صدرت الخطة الوطنية للنهوض المستدام بقطاع الكهرباء.
عقبات الإصلاح:
- رفض زيادة التعرفة: رفض مجلس الوزراء زيادة التعرفة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
- غياب التمويل: قد يؤدي عدم تنفيذ مقترح تسديد الدولة 50 مليون دولار شهريًا إلى تفاقم الأزمة.
- تعقيدات سياسية: يقترح البعض أن الحل الأمثل يكمن في اعتراف هيئة تنظيم قطاع الكهرباء بالاستثمارات الخاصة القائمة، وتعزيز المنافسة، ورفع المعايير من خلال إدخال السوق الموازية في الإطار القانوني.
بصيص أمل:
المبادرات المحلية: شهد لبنان تحوّلًا من القاعدة إلى القمة، إذ ركّبت الأسر والشركات والبلديات قدرات هائلة من الطاقة الشمسية خلال السنوات الخمس الماضية، ما أدى إلى ظهور نظام لامركزي فعلي. كما نجح نموذج مدينة زحلة في توفير الكهرباء بطريقة تعاونية، ما ألغى نفوذ أصحاب المولدات.
الحل الجذري
إعادة هيكلة جذرية وكسر الاحتكار (فك الارتباط):
- فصل الأنشطة: إنشاء شركات مستقلة للإنتاج والنقل والتوزيع، لتحلّ محل الاحتكار العمودي.
- الخصخصة التدريجية: تحويل مؤسسة «كهرباء لبنان» إلى شركة مساهمة، تمهيدًا لدخول القطاع الخاص وزيادة الكفاءة.
- إعادة هيكلة الهيئة الناظمة وتفعيلها، لتكون هيئة مستقلة تشرف على السوق، وتضمن الشفافية، وتصدر التراخيص.
إصلاح مالي وتعزيز الجباية:
- رفع مستوى التحصيل ومكافحة السرقة: لا يتجاوز التحصيل 60 في المئة، فيما تتسبب السرقة في خسارة 30 في المئة من الطاقة. لذلك، يجب مكننة التحصيل من خلال تركيب عدادات إلكترونية تتيح قطع التيار تلقائيًا عن المستهلك عند التخلف عن الدفع، وتفعيل دور الأجهزة الأمنية في استرداد الحقوق.
- تسوية ديون الدولة: تدين الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان بمبلغ 280 مليون دولار، ومن شأن تسديد هذه الديون توفير السيولة اللازمة لتأمين الوقود.
تأمين مصادر طاقة بديلة ومستدامة:
- الطاقة الشمسية والطاقة البديلة: الاعتماد على الطاقة المتجددة التي باتت تغطي ما بين 65 و90 في المئة من الطلب في بعض المناطق.
- بناء محطات جديدة: يحتاج لبنان إلى محطتين جديدتين تعملان بتقنية الغاز، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما.
- التعاون الإقليمي واستجرار الكهرباء: إجراء دراسة جدية لاستجرار الكهرباء من تركيا، عبر آلية تبادل مع سوريا.
اللامركزية وتفعيل دور البلديات:
- التعاقد المحلي: تفعيل صلاحيات البلديات للتعاقد مع القطاع الخاص لإنتاج الطاقة الشمسية وتوزيعها محليًا.
- تخفيف الضغط: يخفف هذا الحل العبء عن الشبكة العامة، ويوفر خدمة منافسة.
أبرز العقبات
- الإرادة السياسية: يهدد الإصلاح مصالح «كارتيلات» المولدات والأحزاب التي تقاسمت الأرباح على مدى عقود.
- الفساد والهدر: تتجاوز نسبة الهدر 40 في المئة، ويقوّض استمرار تسرّب الأموال أي خطة إصلاحية.
- شحّ التمويل: تحتاج الخطة إلى استثمارات ضخمة، مثل الخطة السابقة التي بلغت كلفتها 4.9 مليارات دولار، وهي أموال غير متوافرة في ظل الانهيار.
الخلاصة
أزمة الكهرباء في لبنان ليست مجرد أزمة بنى تحتية، بل هي أزمة حكم ومحاصصة وفساد ممنهج. وهي نتيجة حتمية لعقود من الفساد وهدر الموارد العامة، وغياب الإرادة السياسية للإصلاح، وتحويل قطاع حيوي إلى مصدر ريع للأحزاب والنافذين، وصولًا إلى الانهيار الاقتصادي الذي جعل استيراد الوقود شبه مستحيل.
تحوّلت المولدات الخاصة من «حل مؤقت» إلى «نظام حكم موازٍ» يديره أمراء حرب وسياسيون، وتحميه «قبضايات» الأحزاب والمخافر، ويدرّ أرباحًا طائلة على حساب معاناة المواطنين الذين يدفعون أغلى الأسعار للحصول على خدمة تُعدّ أساسًا من أساسيات الدولة.
إن الحل الجذري لإنهاء الأزمة لا يقتصر على تركيب عدادات أو بناء محطة، بل يتطلب تفكيك نظام الفساد والمحاصصة المسيطر على القطاع. فالإصلاحات الهيكلية، المتمثلة في كسر الاحتكار وفصل الأنشطة وإنشاء هيئة ناظمة، إلى جانب الحلول المالية، مثل تحصيل الفواتير وتسوية الديون، وتنويع مصادر الطاقة، من خلال الطاقة الشمسية والغاز والاستجرار، كلها عناصر مترابطة. ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية التي غابت على مدى عقود، وإلا فستبقى الحلول مجرد «وهم إصلاح».

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
