ثمة خبر سار. إذ يبدو أن الرئيس دونالد ترامب استوعب أخيرًا، ولو في الوقت الراهن على الأقل، درسين أساسيين: أولهما أن استخدام المزيد من القوة العسكرية لن يؤدي إلى نتائج أفضل عندما يتعلق الأمر بإيران؛ وثانيهما أن الظهور بمظهر المتلهّف للتوصل إلى اتفاق لا يؤدي إلا إلى دفع قادة إيران الجدد إلى رفع سقف مطالبهم.
وهذا، بالمناسبة، هو بالضبط ما فعلوه. فإيران تطالب بكل شيء من دون استثناء: تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمّدة، ودفع تعويضات، وانسحاب القوات العسكرية الأميركية، ورفع الحصار، وإنهاء العمليات العسكرية، وغير ذلك من المطالب التي يمكن تصوّرها.
لذلك، فإن «خفض النبرة»، كما يصفه الرئيس، هو النهج المناسب في الوقت الراهن. وأفضل ما يمكن لترامب فعله هو الإشارة إلى أنه مستعد للتعايش مع ارتفاع أسعار الطاقة لأشهر، حتى لو كان ذلك يعني خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي، وهو أمر يُرجَّح حدوثه في جميع الأحوال، إذا كانت استطلاعات الرأي جديرة بالثقة. ولست متأكدًا من أن خسارة الجمهوريين ستُحدث فرقًا كبيرًا، لأن هذا الرئيس يحكم من خلال الأوامر التنفيذية بدلًا من التشريعات، ومن المرجّح أن يصدّ أو يعرقل أي تحقيقات قد يطلقها الديمقراطيون.
تقديري هو أن المسألة تتعلق بموعد توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، لا باحتمال توصلهما إليه من عدمه. ففي مرحلة ما، ستخفّض إيران سقف مطالبها، لأن اقتصادها يعيش حالة من الفوضى. وقد نتحدث هنا عن أسابيع، بل ربما عن أشهر، لكننا سنصل في نهاية المطاف إلى ذلك الاتفاق. وسيُرفع الحصار الأميركي ما دامت إيران تسمح بالعبور. وستُعتمد آلية ما لفرض رسوم على استخدام المضيق، إلى جانب قدر من تخفيف العقوبات. وستبدأ المحادثات النووية، لكنها ستتحرك بسرعة السلحفاة، في حين سيكون وقف إطلاق النار متقطعًا وغير مكتمل. ويبدو أن هذا سيكون «الوضع الطبيعي الجديد» في جزء من العالم لا يمتّ إلى الحالة الطبيعية بصلة.
يتمثل أحد الأسباب التي تردّدت بشأن قرار إدارة ترامب التراجع عن استئناف الأعمال القتالية في حقيقة استنزاف مخزونات الذخائر. فقد أثبتت الحرب مع إيران أنها مكلفة وفقًا لكل معيار تقريبًا، لكن إحدى نتائج استهلاك هذا العدد الكبير من الذخائر الحيوية هي أن المخزونات الأميركية باتت الآن عند مستويات متدنية على نحو خطير. وهذا أمر يثير القلق بالنسبة إلى أوكرانيا وأوروبا وتايوان على حد سواء.
ولا يكمن «الخطأ» هنا في الحرب مع إيران بحد ذاتها بقدر ما يكمن في فشل الجيش الأميركي في التكيّف على نحو ملائم مع التقنيات الجديدة وأساليب الحرب المستحدثة، وفي عجز قاعدة الصناعات الدفاعية الأميركية، أو عدم رغبتها، في التعامل مع هذا الوضع بوصفه أزمة تستدعي زيادة هائلة في الإنتاج. وهذا فشل تراكم على مدى فترة طويلة، وتتقاسم مسؤوليته إدارات أميركية متعددة، والكونغرس، وفروع القوات المسلحة، وكبرى شركات الصناعات الدفاعية. فما نحتاج إليه هو ثورة في الشؤون العسكرية، ننتقل في إطارها من الاعتماد على أعداد محدودة من الأنظمة المأهولة الباهظة التكلفة إلى أعداد أكبر بكثير من الأنظمة غير المأهولة والمنخفضة التكلفة.
من النتائج الأخرى للحرب مع إيران أن دول الشرق الأوسط تعلّمت بالطريقة الصعبة أن الاعتماد على الولايات المتحدة ينطوي على مزايا ومساوئ في آن واحد. فقد أطلقت إدارة ترامب الحرب على إيران من دون مشاورات تُذكر مع دول المنطقة، ومن دون الحصول على موافقتها أو دعمها، كما أظهرت عجزها عن حماية شركائها من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
أمام الدول التي تجد نفسها في هذا المأزق ثلاثة خيارات: إذ يمكنها البحث عن شركاء جدد، أو تعزيز اعتمادها على قدراتها الذاتية، أو التوصل إلى تفاهمات وترتيبات مع جارتها القوية. ويبدو بصورة متزايدة أن دول الخليج اختارت الجمع بين الخيارات الثلاثة. ولن تكون النتيجة شرق أوسط ما بعد أميركي بقدر ما ستكون منطقة يتراجع فيها النفوذ الأميركي بدرجة كبيرة.
ويتمثل التطور الأبرز في هذا السياق في الاتفاق الدفاعي المعلن حديثًا، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان. وانطباعي هو أن إيران، وهي السبب غير المعلن وراء إنشاء هذا الاتفاق، ستتعامل مع هذا التكتل الجديد بجدية؛ إذ ترى تركيا نفسها قوة كبرى في المنطقة، وهي مستعدة للتصرف على هذا الأساس، في حين يمكن لباكستان أن تصبح جهة محتملة لتزويد السعودية بالخبرات والمعرفة النووية. وعلى المدى القريب، يزيد هذا الاتفاق احتمالات تحركنا نحو شكل من أشكال التسوية السياسية.
تتبع إدارة ترامب نمطًا يقوم على إطلاق وعود أكبر مما تستطيع الوفاء به، ثم تقديم نتائج أقل مما وعدت به. وأحدث مثال على ذلك هو «النجاح» المعلَن للدبلوماسية الأميركية في غزة. فقد تنصّل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الاتفاق المعلن، رافضًا أي انسحاب من غزة قبل أن تنزع حركة حماس سلاحها بالكامل. وهذه ليست سوى طريقة أخرى للتنصل من أي اتفاق؛ إذ إن حماس لن تنزع سلاحها بالكامل أبدًا، وحتى لو فعلت ذلك، فلن تكون هناك وسيلة للتحقق منه. ويؤسفني أن أخيّب آمال أولئك القراء الذين كانوا يعوّلون على «مجلس السلام» لكي يحقق السلام فعلًا هنا أو في أي مكان آخر.
هنا، دعوني أطرح نقطة ذات صلة. لطالما كانت لديّ خلافاتي مع «بيبي» نتنياهو، لكن الأميركيين يخدعون أنفسهم إذا اعتقدوا أن رئيس وزراء إسرائيليًا آخر سيقبل بامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، أو سيمتنع عن الرد عسكريًا على حزب الله أو حركة حماس، أو سيوافق في أي وقت قريب على أي صيغة تشبه إقامة دولة فلسطينية. لقد أصبحت إسرائيل دولة أقل ليبرالية بصورة واضحة مما كانت عليه قبل عقدين، نتيجة الأحداث والتحولات الديموغرافية. ويشير ذلك، من بين أمور أخرى، إلى أن الفجوة المتزايدة بين إسرائيل والولايات المتحدة لن تزول في أي وقت قريب، بل قد تتسع في الواقع.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
