عشاق من خلف الشاشات

دخلت عقدها الرابع ولم يتقدّم لها أحد، في حين كانت كلُّ من تعرفهنّ قد تزوّجن وأصبحن أمهات. ذهبت إلى مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن نصفها الآخر، متسلّحةً، للأسف الشديد، بالكذب والمبالغة، لعلّها تجد نصيبها، أو تعيش، على الأقل، قصة حب رومانسية عاصفة.

غيّرت ملامحها في صورتها بالكامل باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وخفّضت عمرها عشرة أعوام دفعة واحدة، وقدّمت نفسها على أنها سيدة أعمال ناجحة لا يُشقّ لها غبار، في حين كانت، في الحقيقة، موظفة عادية في إحدى الدوائر الحكومية. وكلما تحدّثت إلى أحدهم، ادّعت أنها غير مهتمة بالزواج، وأن العرسان يقفون طوابير أمام منزلها، لكنها ترفضهم جميعًا!

ومن سخرية القدر أن شابًا ذكيًا تحدّث إليها واكتشف حقيقتها بسهولة، لكنه حزن من أجلها وتعاطف معها، ثم تزوّجها؛ فقد كان أرملًا ولديه طفلان، وكان يبحث عن امرأة تشاركه حياته وتهتم بأطفاله، فوجد فيها، على الرغم من كل أكاذيبها، الإنسانة التي يمكن أن تمنحه الاستقرار الذي يبحث عنه.

أما الشاب الآخر، فكان يتمتّع بقدر كبير من الوسامة، لكنه كان فاشلًا بامتياز في حياته العملية؛ فقرّر أن يستغل وسامته لإيقاع الفتيات في شباكه. والتقط صورًا لنفسه في بعض الفنادق، واستأجر مكتبًا صغيرًا، وأخذ يلتقي بالفتيات هناك ويغدق عليهنّ الكلام الجميل والوعود بالزواج والحياة السعيدة.

لكن إحدى الفتيات لم تكتفِ بالكلام المعسول، بل صارحت والدها بما يحدث، فقرّر الأب التحقّق من حقيقة هذا الشاب. وبعد أن جمع المعلومات عنه، أبلغ الشرطة، التي ألقت القبض عليه، لتنكشف بعدها القصة كاملة، ويتّضح أن الرجل الذي كان يقدّم نفسه على أنه رجل أعمال ناجح لم يكن سوى شخص يعيش على الخداع واستغلال أحلام الآخرين.

وهكذا، قد تمنحنا مواقع التواصل الاجتماعي فرصة للتعارف، لكنها، في الوقت نفسه، قد تصبح مسرحًا للكذب وتزييف الحقائق، عندما يحاول الإنسان أن يقدّم نفسه بصورة تختلف تمامًا عن واقعه.

 

مقالات الكاتب

بروفيسور حسين علي غالب بابان

أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا.