لا تخفي تعيينات خامنئي الأخيرة، التي أعاد من خلالها ترتيب قيادات الجيش والحرس الثوري والباسيج، قلقًا من هدوء نسبي للأحداث يُضمر استعدادًا إيرانيًا لمواجهة انقضاض أميركي. ويحاول ترمب الاستعانة، في التخفّي وراء هذا الانقضاض، بتصريح هنا وآخر هناك، كالذي يخصّ تعويضات ضحايا التظاهرات الإيرانية خلال الأعوام الخمسين الماضية، مستميلًا به العواطف.
يدرك خامنئي أن الولايات المتحدة تستطيع بناء خوارزمية تمكّن الجيش الأميركي من تحديد نقاط القوة البشرية واللوجستية، بما يتيح له ضرب إيران في ظهرها. لذلك، فهو يريد تغيير أي عنصر مألوف يمكن استغلاله، من خلال التعامل القريب معه، بوصفه أداة قد يصل الأمر إلى حد تجنيدها لمصلحة العدو، كما أُشيع حول أحمدي نجاد.
فشلت الولايات المتحدة في فكرتها القائمة على الاقتراب من بعض عناصر النظام الإيراني، من خلال مدح هذا والتسامح مع ذاك من أعضاء فريق التفاوض أو الدبلوماسية الإيرانية. وكانت ملاحظات خامنئي هذه في محلها حين قرر، بهدوء، إعادة هذا المستوى إلى المقعد الخلفي.
تقرأ ملاحظاتنا هدوء التحرك الإيراني هذا بطريقة تلمح فيها استعدادًا إيرانيًا للتصعيد، لكنه مختلف هذه المرة، بعدما أثبتت سياسة خنق الولايات المتحدة والعالم عبر مضيق هرمز نجاعتها، وتراجعت المخاوف من أي رد فعل على التضييق الإيراني في باب المندب، فضلًا عن قلق دول الجوار من تحركات إيرانية برية داخل أراضيها لا قِبَل لها بمواجهتها.
وتستعد إيران، وفقًا لتشكيلات قيادتها العسكرية الجديدة، للتحرك بواسطة هذه الأدوات، بعد ظهور عجز التحالفات الدولية والإقليمية عن تحديد حجم هذه القدرة الإيرانية، ولا سيما مع احتياطها لتحرك داخلي. ويشكّل صراع استقطاب الكرد بين تركيا وسوريا، وإقحام العراق، وفقًا لتحريك الولايات المتحدة أحجار اللعبة، واحدًا من مفاصل قوة الضربة الإيرانية.
اقتضت هذه الوقائع أن يُمسك خامنئي، بعد انعدام جدوى مرحلة اللعب مع الأميركي بأوراق الدبلوماسية أو استنفادها، بحركة القوة العسكرية الإيرانية ضمن تكتل واحد، يضمن سرعة الحركة ورشاقتها داخليًا، في مواجهة أي تحركات شعبية أو مسلحة، وخارجيًا على مستويين:
الأول: صدّ هجوم عسكري قد لا يكون أميركيًا فقط. وعلينا أن نلحظ، بيقظة، مدى استيعاب إيران تحركات التحالفات والتنسيقات في المنطقة.
الثاني: تنفيذ عمليات عسكرية إيرانية خارج الأراضي الإيرانية، تقتضيها مصلحة كسر التفاف مفاصل الحلف الأميركي حولها. ويبدو هذا واضحًا في تعيين وحيدي، صاحب الخبرة في شأن كهذا.
غير أن صبّ القوة العسكرية في كتلة واحدة، كما في دمج «خاتم الأنبياء» مع هيئة الأركان، يجب أن يضمن، في الوقت ذاته، مرونة فصل مكوّناتها فورًا عند الحاجة، خشية وقوع انقلاب ما، بالإضافة إلى تخفيف الضغط في مواجهة محاولات الولايات المتحدة حصار المضيق، ومساعي العالم إلى انتزاع قوة هذا السلاح من يد إيران، بما يضمن إدخال الولايات المتحدة في متاهات جديدة تقلب حساباتها في أراضي دول الجوار.
ترى معرفتنا، على الرغم من كل هذا التحوط، قصورًا قد ينال من ترتيبات العسكرة هذه. فلا يكفي إبعاد رجال «الدفاتر والأوراق»، أي الرئيس ووزير الخارجية ورئيس البرلمان وغيرهم، عن ساحة المعركة، بل يجب، قبل كل ذلك، أن يتولى القائد بنفسه قيادة هذه العملية. وبمعنى آخر، يجب ألا يبقى خامنئي متخفيًا، بل عليه أن يظهر، ولو للحظات، لا في الخطابات، وإنما على أرض المعارك.
إن غيابه هذا، مع ضعف الهيبة، سيغري بالتمرد. وقد تكون هذه نقطة تصبّ في مصلحة حسابات الولايات المتحدة، التي لعبت كثيرًا على فكرة وجود خلاف داخل السلطة الإيرانية.
ويفصله غيابه هذا عن أرض المعارك، ما يعني، بالضرورة، الميل إلى الحد من عددها، وكذلك من شدتها، بما يعفيه من ضرورة الحضور، إلى الحد الذي قد تنقلب فيه فكرة تغيير القيادات إلى عكس المراد منها.
وفي النهاية، تذكّروا أننا تحدّثنا عن قيادة عسكرية لا تتوافق مع قوة الثورة التي تحملها صدور المقاتلين، ولا تستطيع استيعابها، حتى وإن أراد خامنئي تدارك أمر كهذا..

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
