إسرائيل أكبر الخاسرين من الفوضى

اعتادت متابعتنا اليومية لأحداث العالم تجاهل الكمّ الأكبر من تحليلاتها، فهو يَرِد إلينا بحكم ضرورة سير بحثنا، الذي يعبر سريعًا فوق جسر «تفاهة: انقلْ تسلمْ». هكذا هي معظم الآراء، بل حتى الأخبار. وسنتوقف عند فكرة يسوّقها كل من أتعبته محاولات التصدّر للحديث، بغضّ النظر عن هويته السياسية. وتقوم هذه الفكرة على أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من أزمات المنطقة والفوضى الأمنية التي تعمّ بعض دول جوارها وتهدّد بعضها الآخر.

وفيما عدا الاستناد إلى ركام الشعبيات التي آن أوان انهيارها، لا يستند هؤلاء إلى أي فكرة، ولو كانت ساذجة. وسنبدأ بسؤال مفاده: كيف استفادت إسرائيل من انقسام الجانب الفلسطيني، والتنازع على السيطرة في الداخل العراقي، وانقسام السلطة في لبنان، وانفلات الأمن في سوريا، وغير ذلك؟

ألم تكن هجمات أكتوبر واحدة من ويلات هذا القلق في الجوار؟!

ألم تترك اضطرابات الفوضى في لبنان أثرًا تدميريًا في الداخل الإسرائيلي، حتّمته ضرورة التعامل مع حزب الله؟!

ألم تتكبد إسرائيل عبء مجابهة تركيا بعد تنامي قلقها في جنوب سوريا؟!

ليست هذه وحدها الصورة التي تدفع إسرائيل ثمنها فعلًا؛ فهي ترى في مستقبلها القادم مصدر قلق يهدّد أمنها، وقد حمّلتها أدوات صيانة هذا الأمن ذاتها هذا العبء، وفي مقدمها التطبيع أو الدخول في اتفاقيات «إبراهيمية أو غيرها»، سوف تنتهي بذوبان الهوية الإسرائيلية.

أدركت إسرائيل متأخرة أنها سارت في الطريق الخطأ، الذي اتجهت فيه نحو الاقتراب من العرب. ولم يقف هذا الخطأ عند حدود تنازلها عن أهدافها الأولى، بل أضاف إليها التزامها تجاه الغرب والولايات المتحدة، بما جعل الانفكاك عنه مستحيلًا.

ها هي إسرائيل لا تقوى على توجيه ضربة إلى أي من أعدائها إلا بتنسيق أميركي، في الحد الأدنى، وغربي في بعض الأحيان، كما يتعين عليها أن تقبل صفقة بيع طائرات لتركيا.

أدركت إسرائيل أن التزامها باتفاقيات مع دول المنطقة أوجب عليها الالتزام بخطط تفكيك فصائل معادية لها، بل وضعها موضع المساومة من جانب واشنطن حين تحثّها على الدخول في اتفاقيات مع هذه الدول. ولدينا السعودية مثالًا على ذلك. ولن تفيد اتفاقيات «إبراهام»، بل ستأتي بعكس المراد منها؛ فهذا الزمن ليس زمن دولة الديانة، مهما كانت جامعة.

إذا كان هذا حال فكرها في السلم، فكيف يكون حاله في الحرب؟

تحمّلت إسرائيل عبء التحرّك لحماية دروز سوريا، ولم يقتصر هذا العبء على كلفته المالية والعسكرية، بل أضاف إليه مصلحة معادية تسعى إلى سحب هذه الورقة منها. وانتهت إسرائيل، بفعل هذه اللعبة، إلى تكاثر غير شرعي للأعداء والجبهات، وازدادت خطورة إحاطتها بمقاتلين اعتقدت أنها تستطيع التخلص منهم بعضهم بأيدي بعض. ويتمثل أحد أهم أسباب ذلك في ارتهان قرارها لترمب، الذي أراد الاعتماد على سلطات «النقاط الحمراء» لضبط أمنها.

وقد حمّلها، علاوة على ذلك، مسؤولية المناورة في تقديم الدعم للأكراد والعلويين في سوريا، مع أنها لا تنوي تقديم أي دعم لهم، ولا لغيرهم، حتى الدروز. لقد دخلت مرغمة، ومن دون وعي، في معركة التعاكس، التي أرادت منها ضبط خطر تفلّت الجماعات المسلحة المحيطة بنطاقها، لكن ما حصل كان عكس ذلك.

بل إن القادم سيكون أكثر شدة، وإسرائيل تعرف ذلك جيدًا. ولم يزدها تخبط ترمب واقتراب انتهاء صلاحيته السياسية إلا خوفًا، وهي تسرّع خطواتها لحسم ملفات أمن الجوار التي باتت، بفعل تكاثرها اليومي، تفوق قدراتها بكثير.

الفوضى القادمة، التي لم يشعلها ترمب ولا إسرائيل، خلافًا لسذاجة الرأي السائد، إنما أشعلتها المنطقة ذاتها، وأدارها أوباما قبل أكثر من عقد. وسوف ترى هذه الفوضى «شبابها» قريبًا؛ وعندئذ، ستسلّم إسرائيل بالحلول التي سنطرحها في حينها.

انتبهوا وأنتم تقرأون كلماتي: عليكم أن تنسفوا كل ما يجول في خواطركم، أو ما سمعتموه سابقًا، عن خرافات زوال إسرائيل، وحسابات الفلك، والكتب المقدسة، وغيرها؛ وأوهام الحرب العالمية الثالثة، والمعركة الكبرى، وظهور «مش عارف مين»… إلخ، من تفاهات عصابات السلطة.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.