أوكرانيا في حرب القرابين وضغط الثعابين

بعد إيقاف ترمب ضرباته على إيران مؤقتًا، واضطراره إلى التوجّه نحو طرق بديلة لا ينجح الحصار البحري لمضيق هرمز، الذي تفرضه الولايات المتحدة، في جعله يستغني عنها، التقط الرئيس الأوكراني إشارةً بدت معها فكرة التطوع لتقديم خدمات يعجز ترمب عن تقديمها بنفسه فكرةً رابحة.

وجاء ذلك قبيل لقائه ترمب، حين قامت أوكرانيا باستهداف سفينة إيرانية زعمت إيران أنها تجارية، في حين أكدت أوكرانيا أنها كانت تنقل أسلحة بين إيران وروسيا. وقد تغري ترمب فكرة أوكرانيا الرامية إلى إبراز أهمية اضطلاعها بدور «قاطع طريق» في بحر قزوين، عندما يفكر في التراجع إلى الوراء ودفع غيره إلى الواجهة.

لن تقف فرحة ترمب عند حد قطع طريق إيران فقط، بل ستشمل روسيا أيضًا. لكن، هل يسعى ترمب، من خلال ذلك، إلى إنهاك روسيا من أجل عيون زيلينسكي؟

بالطبع لا. إنه يستغل بساطة هذا التفكير في محاولة لإقحام أوروبا، التي بدأت تسعى إلى تعزيز استقلالها العسكري بعد تهديدات ترمب المتعلقة بمشاركة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو» من جهة، فيما تخشى أوروبا، من جهة ثانية، الانغماس أكثر في دعم أوكرانيا، خشية الانجرار إلى سيل من الاستنزاف يخدم كلًا من روسيا والولايات المتحدة.

لكن دخول أوكرانيا في معارك «التبرع والإيثار»، من أجل إنقاذ ترمب من مأساته، سيدفع أوروبا حتمًا إلى الدخول «بالتزحلق» في حرب ترمب مع إيران.

ولم تكن مجاملة بريطانيا لترمب، من خلال السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها، كافيةً لتحقيق هذا الاستدراج. كما أن فرنسا عززت ابتعادها عن الولايات المتحدة من خلال مساعي ماكرون في المنطقة، التي لم تشهد حتى اللحظة سوى الفشل.

لكن هذا الفشل لا يعني «صفرًا» في معادلة الانقلابات الجارية في المنطقة. فسعي ماكرون الفاشل إلى انتزاع «قطعة لحم» من بين أسنان ترمب سيؤدي، في نهاية مطاف جهود كل منهما، إلى تكسير أسنان الأول وقطع ذراع الثاني.

وماكرون، الذي زار دمشق قبل مدة وجيزة، استقبل قبل أيام وليد جنبلاط «عديم الفائدة»، الذي اختلف كثيرًا مع أبناء عمومته في السويداء على حساب اتفاقه مع دمشق.

في ظل تداخل هذه التراكيب، يسعى ماكرون إلى تشكيل «حلف كريمي» يسحب، عن طريق «الانزلاق»، نفوذ الولايات المتحدة، في الوقت الذي يفكر فيه في استقطاب الأطراف التي تعادي دروز السويداء، «حلفاء إسرائيل»، التي يرتبط معها ماكرون بعلاقات جيدة.

ويستعين ماكرون في ذلك بـ«معقولية» مشاركة قواته في جنوب لبنان عند انتهاء مهمة قوات «اليونيفيل»، وهي المهمة التي ينافسه عليها ترمب.

ولن يفوتنا التأكيد على أهمية الدور المحوري للجنوب السوري في مختلف التغييرات التي تشهدها المنطقة؛ وهي تغييرات ستفشل فيها محاولات جنبلاط وغيره، سواء لجهة اللعب على الأراضي السورية أو اللبنانية.

كذلك، لن تجدي اتصالات ماكرون بـ«زعامات منتهية الصلاحية»، مثل مظلوم عبدي ومناف طلاس وغيرهما، في حياكة سجادته الجديدة. فقد فشل هؤلاء في زمن قوتهم، فما عساهم يفعلون بعد طردهم؟

وفي ثنايا هذه الصور المتقاطعة، نجد أن بريطانيا تسير في خط لا ينسجم مع خط فرنسا، في حين لا تُريح خطوات كل منهما روسيا والصين. كما تقلقان من تحرك أوكرانيا في محاولة لتعويض الدعم الأوروبي بدعم ترمب، الذي قد يؤجل الحديث عن سلام «الأربع والعشرين ساعة» إلى أمد غير محسوب، في مقابل استنزاف هؤلاء جميعًا، وفي مقدمهم إيران.

لكن الأهم يبقى موقف إسرائيل من هذه العوامل جميعًا؛ فهي لا تريد الانسحاب من غزة ولا من لبنان ولا من سوريا، ولا تريد تحمّل أي ضغط يدفع في هذا الاتجاه. كما تصر على إنهاء النظام الإيراني، في مقابل عجزها وعجز ترمب عن تدقيق حساباتها قبل حساباته.

وسيكون ترمب، الذي سيلتقي نتنياهو بالتزامن مع لقائه زيلينسكي، مرغمًا على المزج بين حساباتهما معًا. فهل يتحول السباق بين ترمب وماكرون إلى هذا المضمار، الذي يحاول كل منهما فيه إثبات قدرته على تقديم وجبات تلبّي جميع الأذواق؟

خلاصة القول إن ترمب لن يقدم إلى زيلينسكي أو نتنياهو أو غيرهما جديدًا مفيدًا، وكذلك لن يفعل ماكرون وبقية أوروبا. وستكون الهبات في الاتجاه المعاكس، على شكل قرابين؛ بمعنى أن ترمب هو من ينتظر تسلّم هذه الهبات.

هل باتت الدول الأوروبية تتنافس فيما بينها، في مشهد حجز المواقع، بعد خشيتها من خسارتها ثمنًا لمواقفها؟

أم نجح ترمب في تفخيخ مسارات توحّدها ضده؟

ترسم المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية هذه الصور، بعدما انتقلت إلى روما بطلب أميركي، وبعد أن زادت روما الضغوط على ترمب حين رفضت المشاركة في الحرب على إيران، وبدأت تتشارك مع فرنسا في تشكيل قوة للمشاركة في جنوب لبنان، ولكن بدعم أميركي يبدو أن ترمب غير مقتنع به.

أما زيلينسكي، الذي أهدر قيمة بلاده حين لم يدرك أهمية موقعها السياسي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ورضي بإهانته فيها، فقد لا يُوفّق في هديته هذه؛ لأن اللعب في بحر قزوين قد يقلب المعادلة لمصلحة إيران، التي ستجد مستنقعًا جديدًا تُغرق فيه ترمب بعد مضيق هرمز، في حين ذهبت قضية النووي الإيراني إلى ما بعد الذاكرة.

وستظهر حيرة ترمب بين التردد في دعم أوكرانيا، والنزف الأميركي أمام أوروبا من جهة، أو ترك أوكرانيا لقمةً لإيران وروسيا من جهة ثانية، في تغيّر خططه المقبلة.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.