ارتفاع أسعار شركات التأمين وعبء الاستشفاء على المواطن

يُشكّل القطاع الصحي أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تصاعدًا ملحوظًا في تكاليف الاستشفاء وأسعار بوالص التأمين الصحي، ما وضع المواطن أمام عبء مالي متزايد، وأثار تساؤلات جدّية حول عدالة النظام الصحي وقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة.

أسباب ارتفاع أسعار التأمين الصحي

تعزو شركات التأمين ارتفاع أسعارها إلى مجموعة من العوامل، أبرزها:

  • ارتفاع كلفة الخدمات الطبية نتيجة تطوّر التقنيات العلاجية، وزيادة أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية.
  • توسّع استخدام الخدمات الصحية، حيث بات المؤمن لهم يلجؤون إلى الاستشفاء والفحوصات الطبية بوتيرة أعلى.
  • سوء إدارة بعض الملفات الطبية، ووجود هدر أو فواتير مبالغ فيها في بعض الحالات.
  • غياب الرقابة الفعّالة، أو ضعف الأطر التنظيمية التي تضبط العلاقة بين شركات التأمين والمستشفيات.

ورغم وجاهة بعض هذه المبررات، إلا أن انعكاسها المباشر على المواطن يبقى موضع اعتراض واسع.

المواطن الحلقة الأضعف

يبقى المواطن، ولا سيما من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، المتضرر الأول من هذا الارتفاع. فزيادة أقساط التأمين:

  • تدفع البعض إلى التخلّي عن التأمين الصحي كليًا.
  • أو الاكتفاء بتغطيات محدودة لا تلبّي الحاجة الفعلية عند المرض.
  • كما تُجبر آخرين على تحمّل فروقات مالية كبيرة عند الاستشفاء، رغم امتلاكهم لبوليصة تأمين.

وفي حالات كثيرة، يتحوّل المرض من أزمة صحية إلى أزمة مالية تهدّد استقرار الأسرة بأكملها. ومع ارتفاع كلفة الاستشفاء، بات الوصول إلى العلاج المناسب تحدّيًا حقيقيًا. إذ يُقدِم بعض المرضى على تأجيل العلاج أو الفحوصات اللازمة، ما يؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية وارتفاع الكلفة لاحقًا، وهو ما يُشكّل خطرًا على الصحة العامة ويقوّض مبدأ الحق في العلاج.

مسؤولية الجهات المعنية

لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، بل هي مسؤولية مشتركة بين:

  • شركات التأمين: من خلال اعتماد سياسات أكثر شفافية وعدالة في التسعير.
  • المستشفيات والمراكز الطبية: عبر ضبط الفواتير والحد من الممارسات غير المبرّرة.
  • الدولة والجهات الرقابية: من خلال سنّ تشريعات واضحة، وتعزيز الرقابة، وحماية حقوق المؤمن لهم.
  • المواطن نفسه: عبر الوعي بشروط بوليصة التأمين وعدم إساءة استخدام الخدمات الصحية.

نحو حلول مستدامة

لمعالجة هذه الأزمة، لا بد من:

  • وضع سقوف واضحة لأسعار بعض الخدمات الطبية الأساسية.
  • تعزيز التأمين الصحي التعاوني أو الحكومي بوصفه شبكة أمان اجتماعي.
  • تطوير أنظمة الفوترة والرقابة الإلكترونية.
  • نشر ثقافة صحية وقائية تُسهم في تقليل الحاجة إلى الاستشفاء المكلف.

إن استمرار ارتفاع أسعار التأمين وكلفة الاستشفاء من دون حلول جذرية يهدّد أحد أهم حقوق الإنسان، وهو الحق في الصحة. والمطلوب اليوم حوار جاد وإصلاحات حقيقية توازن بين استمرارية القطاع الصحي وحماية المواطن من أعباء لا طاقة له على تحمّلها.

مقالات الكاتب

جورج الزغبي

ناشط إعلامي