وفقًا لمتابعين عن كثب لتجارة النفط، فإننا نقترب من النقطة التي يبلغ فيها هامش الأمان الذي توفره الاحتياطيات النفطية العالمية أقصى حدوده. وبعبارة مبسطة، يعني ذلك أن أسعار النفط ترتفع بشدة، مع تحوّل احتمال حدوث نقص فعلي في الإمدادات إلى خطر حقيقي. ويعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى الحرب في إيران.
كانت استراتيجية إيران في الحرب واضحة، وهي إغلاق مضيق هرمز بهدف إحداث أزمة اقتصادية. أما الضرورة العسكرية، فتمثلت في التسبب بأزمة سياسية داخل الولايات المتحدة، فيما شكّلت الأزمة الاقتصادية العالمية ضررًا جانبيًا.
منذ الحرب العالمية الثانية، كانت الحروب الأميركية في معظمها «حروب اختيار». وباستثناء هجمات 11 أيلول، التي أطلقت شرارة الحربين في أفغانستان والعراق، لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم مباشر. وفي الصراعات المختلفة التي خاضتها في كوريا وفيتنام وأميركا الوسطى، تمثلت التداعيات الارتدادية الحقيقية الوحيدة التي واجهتها واشنطن في سقوط ضحايا أميركيين.
في بداية الحروب، غالبًا ما ينطلق الرأي العام الأميركي، إن لم يكن من موقع التأييد الحماسي، فمن موقف القبول العام. وكان الافتراض الدائم أن القوة الأميركية ستفضي إلى هزيمة سريعة للعدو. لكن إذا لم تحقق الحرب نجاحًا سريعًا، كان التأييد الشعبي يميل إلى التحول إلى موقف مناهض لها.
وهذا بالفعل ما حدث في حرب فيتنام، التي دارت بين عامي 1965 و1973، وتسببت بأزمة سياسية واجتماعية في الولايات المتحدة، ما اضطر واشنطن في نهاية المطاف إلى الانسحاب. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة شهدت أزمة اقتصادية في سبعينيات القرن الماضي، فإن تلك الأزمة نجمت عن الواردات الضخمة من السيارات اليابانية وغيرها من المنتجات التي ألحقت الضرر بالصناعة الأميركية، فضلًا عن الحظر النفطي العربي بين عامي 1973 و1974. أما الحرب الكورية، فقد حفّزت في الواقع النمو الصناعي والاقتصادي الأميركي.
بدورها، كان يُفترض أن تكون الحرب في إيران قصيرة وحاسمة، شأنها في ذلك شأن جميع حروب الاختيار. لكنها، حتى الآن، لم تكن قصيرة ولا حاسمة، ولذلك تحولت إلى أزمة اقتصادية وجيوسياسية. كما أصبحت مشكلة سياسية لإدارة ترمب.
في هذه المرحلة، تراجعت شعبية الرئيس بصورة ملحوظة، إذ باتت معدلات التأييد له تدور في نطاق الثلاثينيات بالمئة. وهذه ليست نسبة تأييد غير مسبوقة، وغالبًا ما يتمكن الرؤساء من التعافي منها. لكن الارتفاعات الحادة في أسعار النفط، ولا سيما إذا اقترنت بنقص في الإمدادات، ستؤثر بصورة شبه مؤكدة سلبًا في شعبية ترمب، خصوصًا في ضوء وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب العقيمة والممتدة.
هكذا، يتمثل الخيار الوحيد المتاح أمام واشنطن في هذه المرحلة في فرض إعادة فتح المضيق بالقوة العسكرية. غير أن هذا الخيار يواجه مشكلتين اثنتين.
المشكلة الأولى تتمحور حول أن العملية ستستغرق، على الأرجح، وقتًا طويلًا وستكلّف أرواحًا كثيرة. فقد أظهر الحرس الثوري الإيراني أنه قوة فعالة، بينما سيجري تفعيل دور الجيش الإيراني النظامي، المعروف باسم «أرتش»، بعدما أدى حتى الآن دورًا ثانويًا.
لقد اتخذ الجيش النظامي الإيراني موقفًا دفاعيًا إلى حد كبير، مستندًا إلى سيطرته على شبكة الدفاع الجوي الإيرانية، في الوقت الذي تكبد فيه خسائر كبيرة في البحر، حيث تحمّل أسطوله التقليدي الأكبر وطأة الضربات البحرية الأميركية. كما نفذ الجيش النظامي بعض العمليات الهجومية المتفرقة، بما في ذلك ضربات بالطائرات المسيّرة وطلعة واحدة على الأقل، وفق التقارير، نجحت في اختراق الدفاعات الجوية الأميركية في الكويت.
في المقابل، تولّى الحرس الثوري فعليًا تنفيذ جميع العمليات التصعيدية في الحرب تقريبًا، بما في ذلك الضربات الصاروخية على إسرائيل، والهجمات على دول الخليج، والحملة الرامية إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز. وجاء ذلك فيما يسيطر الحرس على برنامجي إيران الصاروخي والنووي، ويهيمن على القيادة العسكرية العليا.
وقد رأى بعضهم أن المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، عمل بهدوء، قبل وفاته، على تعزيز موقع الجيش النظامي ليكون قوة موازنة للحرس الثوري. لكن حتى لو صح ذلك، فإن الحرب أوقفت هذه العملية قبل اكتمالها.
أما المشكلة الأكثر أهمية، فهي أن طبيعة الحرب تغيرت. إذ قبل عشر سنوات، كان من الممكن لعملية تقليدية تشارك فيها القوات الجوية والبحرية والبرية أن تسيطر على المناطق المحيطة بالمضيق. أما اليوم، فإن مجرد فتح مضيق هرمز واحتلال المناطق المحيطة به لن يكون كافيًا لضمان بقائه مفتوحًا.
يتيح امتلاك إيران طائرات مسيّرة بعيدة المدى لها، نظريًا، التنازل عن مساحات واسعة من الأراضي، مع الاستمرار في إيقاع خسائر باهظة في الأرواح والموارد. وستحتاج إيران إلى معلومات استخبارية تحدد مواعيد عبور السفن، لكنها لا تمتلك أقمارًا اصطناعية. لكن تجدر الإشارة، مع ذلك، إلى وجود شائعات تفيد بأن الصين وروسيا تزودان طهران بمعلومات استخبارية مستمدة من الأقمار الاصطناعية.
لكن حتى وحدات كوماندوس مدرّبة جيدًا وعلى دراية بطبيعة المنطقة قد تتمكن، نظريًا، من الاقتراب بما يكفي لتحديد مواقع السفن واستهدافها عبر الاتصالات اللاسلكية. بالطبع، تستطيع الولايات المتحدة مهاجمة قواعد الطائرات المسيّرة، إلا أن الحرب في أوكرانيا أثبتت أن من الصعب للغاية على أي طرف في نزاع أن يعطّل عمليات الطائرات المسيّرة بصورة كاملة.
ويزيد من تعقيد الوضع إحجام شركات التأمين الخاصة عن توفير التغطية للسفن الباهظة الثمن. ومن غير المرجح أن يكون مالكو السفن مستعدين للمخاطرة بسفنهم من دون تأمين، خصوصًا أن عددًا كبيرًا من هذه السفن لن يكون أميركيًا. لذلك، فإن الاعتماد على سفن أميركية لن يحل المشكلة.
لذا، ستكون المشكلة عالمية النطاق، لكنها ستتخذ في الولايات المتحدة طابعًا سياسيًا بصورة خاصة. فجميع القادة السياسيين، في مختلف الدول، يريدون تحقيق النجاح والحصول على التقدير لقاء ما يقومون به. والولايات المتحدة دولة ديمقراطية، وقد أثبت الرأي العام فيها قسوته في الحكم على الرؤساء. لذلك، لن تكون مصالح الشعب الأميركي وحدها مهددة، بل سيكون منصب الرئاسة نفسه في دائرة الخطر أيضًا.
ومن المؤكد أن إيران تواجه مشكلات بدورها. فقد ألحقت الهجمات بمنشآتها العسكرية والصناعية أضرارًا كبيرة، وإن لم تكن حاسمة حتى الآن. لكن على الرغم من صعوبة استجلاء الوضع السياسي داخل إيران، فإن ثمة تقارير غير مؤكدة تتحدث عن ظهور انقسامات داخل الحرس الثوري.
بيد أن الواقع يشير إلى أن كلفة أي غزو أميركي لإيران، من حيث الخسائر في الأرواح الأميركية، ستكون باهظة. وكما يتضح من وضع إيران منشآتها النووية داخل الجبال وفي مواقع أخرى محصنة ومخفية جيدًا، فإن تدمير هذه المنشآت قد يكون ممكنًا، لكنه ليس مضمونًا.
وهكذا، تواجه واشنطن خيارًا بين مسارين. يتمثل الأول في توسيع الحرب بصورة كبيرة ومكلفة وخطيرة، فيما ينطوي الثاني على التوصل إلى تسوية تحقق نتائج أقل بكثير مما كان متوقعًا.
هناك كثيرون في الولايات المتحدة يتوقعون أن تكون القوة الأميركية كبيرة بما يكفي لحسم المسألة. غير أن الحروب السابقة تُظهر أن الأمر ليس كذلك. ومن المرجح أن الولايات المتحدة تمتلك بعض التقنيات العسكرية التي لم تستخدمها بعد ضد إيران، لكن بالنظر إلى حجم الرهانات بالنسبة إلى الحكومة الإيرانية، وإلى الإرادة والتماسك الظاهرين حتى الآن، فمن غير الواضح إطلاقًا أن نشر قوات تقليدية أميركية إضافية سيحقق النجاح.
أما الانتقال إلى ما يتجاوز الوسائل التقليدية، فمن الصعب تصوّره. والحال كذلك، يخلق هذا الواقع مشكلة سياسية أمام إدارة ترمب، إنما ستشكل أحد العوامل المؤثرة في الكيفية التي ستضع بها هذه الحرب أوزارها.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
