صدر حديثًا عن دار النهضة العربية في بيروت كتاب «الإعلام والاقتصاد» للكاتب والباحث الدكتور خالد ممدوح العزي، بعد جهد بحثي وعلمي امتد سنوات، تناول خلالها العلاقة بين الإعلام والاقتصاد من منظور يجمع بين التأصيل النظري والتطبيق المهني.
ويقدّم الكتاب رؤية تطبيقية إلى الإعلام الاقتصادي، تنطلق من اعتبار الخبر الاقتصادي جزءًا أساسيًا من منظومة الأخبار العامة، وفي الوقت نفسه أحد أبرز مجالات الإعلام المتخصص. ويسعى المؤلف من خلال هذه المقاربة إلى تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر الإعلام الاقتصادي في نقل الأرقام والمؤشرات والبيانات، مؤكدًا أنه عملية صحافية متكاملة تستوجب فهم الحدث الاقتصادي، وربطه بالسياق العام، وتفسير انعكاساته على المجتمع والأفراد.
وينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن محرر الأخبار الاقتصادية يجب أن يكون، في المقام الأول، إعلاميًا يمتلك أدوات العمل الصحافي والتحرير، إلى جانب امتلاكه معرفة متخصصة في المجال الاقتصادي. فالتخصص الاقتصادي، على أهميته، لا يغني عن امتلاك المهارات الإعلامية اللازمة لبناء الخبر وصياغته وتحديد عناصره وربطه بالأحداث الجارية وتقديمه إلى الجمهور ضمن سياق واضح ومفهوم.
ويبحث الكتاب في إحدى الإشكاليات الأساسية التي تواجه الإعلام الاقتصادي العربي، والمتمثلة في اعتماد عدد من وسائل الإعلام على الاقتصاديين وحدهم في إعداد الأخبار الاقتصادية وتحريرها. وقد أدى هذا التوجه، وفق المقاربة التي يقدمها المؤلف، إلى نشوء فجوة بين المعرفة الاقتصادية المتخصصة ومتطلبات العمل الإعلامي المهني.
فالاقتصادي يمتلك القدرة على قراءة الظواهر الاقتصادية وتحليل المؤشرات والبيانات، لكنه لا يمتلك بالضرورة أدوات بناء الخبر الصحافي وصياغته، أو القدرة على ربطه بالتطورات السياسية والاجتماعية والأحداث الجارية، وتقديمه إلى الجمهور بلغة إعلامية واضحة. وفي المقابل، قد يمتلك الإعلامي الأدوات المهنية والتحريرية، لكنه يحتاج إلى المعرفة الاقتصادية التي تمكّنه من فهم الأرقام والمؤشرات وتفسيرها وتحديد دلالاتها.
ومن هنا، يطرح الكتاب الإعلام الاقتصادي بوصفه مجالًا يجمع بين التخصص الإعلامي والمعرفة الاقتصادية، بهدف إنتاج محتوى أكثر دقة ووضوحًا وعمقًا، وأكثر قدرة على تفسير الأحداث الاقتصادية وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على حياة الناس.
ويؤكد المؤلف أن الخبر الاقتصادي، شأنه شأن أي خبر آخر، هو معلومة أو حدث يخضع لقواعد العمل الصحافي، سواء أكان مرتبطًا بالشأن الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي أم البيئي أم الفني. غير أن خصوصيته تكمن في حاجته إلى معرفة متخصصة تساعد المحرر على فهم المصطلحات والأرقام والبيانات، وتحويلها إلى مادة إعلامية واضحة وقريبة من اهتمامات الجمهور.
ولا يقتصر دور الإعلام الاقتصادي، بحسب الكتاب، على نقل الأخبار المتعلقة بالأسواق والشركات والمؤسسات المالية، بل يشمل تفسير السياسات الاقتصادية والمالية، وقراءة انعكاساتها على المجتمع، ومساعدة الجمهور على فهم القضايا التي تمس حياته اليومية، مثل الأسعار والتضخم والبطالة والأجور والضرائب والاستثمارات والنمو الاقتصادي.
ويأمل المؤلف أن يشكل كتاب «الإعلام والاقتصاد» إحدى الركائز المعرفية التي تسهم في خدمة طلاب الإعلام والباحثين والإعلاميين والمختصين، وأن يمثّل إضافة إلى المكتبة الإعلامية العربية إلى جانب المؤلفات والدراسات المتخصصة الأخرى.
كما يطمح إلى أن يساعد الكتاب في تعزيز فهم طبيعة الإعلام الاقتصادي ودوره في تفسير القضايا الاقتصادية للجمهور، انطلاقًا من رؤية إعلامية تجمع بين الدقة المهنية والعمق التحليلي، وتؤكد أن الصحافة الاقتصادية لا تنفصل عن القضايا العامة، بل تمثل عنصرًا أساسيًا في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع وتأثيراتها في حياة المواطنين.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
