بعد مجزرة أنصار ودير الزهراني، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، وأصوات الانفجارات التي لا تتوقف، لم يعد من الممكن التعامل مع المشهد باعتباره مجرد جولة جديدة من الاعتداءات تُقابل ببيان إدانة، ثم يعود الجميع إلى انتظار التطور التالي.
فالجنوب يُستهدف، والقرى تُدمّر، والبيوت تُقصف، واللبنانيون يُقتلون، فيما يبدو المسار السياسي عاجزاً عن حماية الأرض وأهلها.
وفي هذا المشهد تحديداً، يصبح السؤال موجهاً إلى حزب الله قبل سواه، لا من موقع الخصومة معه، بل من موقع المساءلة التي تفرضها وظيفة المقاومة نفسها: أين تقف المقاومة اليوم؟
نحن مع مبدأ المقاومة… لذلك تحديداً من حقنا أن نسأل
من الضروري أن يكون الكلام واضحاً منذ البداية: المقاومة كمبدأ ليست موضع نقاش عندنا.
حين تكون الدولة عاجزة عن حماية أرضها من الاحتلال، فإن مقاومة الاحتلال لا تكون بالضرورة خروجاً على الدولة، بل يمكن أن تكون، في لحظة العجز، دفاعاً عن الدولة نفسها وعن أرضها وسيادتها. لكن هذا الحق، كما سبق أن قلنا، لا يعفي المقاومة من مسؤولية أن يكون قرارها وأداؤها وخطابها منسجماً مع المصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة.
ومن هنا تحديداً يأتي السؤال اليوم: إذا كان حزب الله لا يزال يرى نفسه مقاومةً جاهزة للدفاع عن الأرض والتراب الوطني، فليقل للّبنانيين بوضوح كيف يترجم هذا الموقف على الأرض، وما هي رؤيته لمواجهة هذا التصعيد، وما الذي يعنيه عملياً قوله إن الاعتداءات الإسرائيلية «ستقابل بما يناسبها».
فالبيانات، مهما كانت قوية في لغتها، لا تحمي قرية، ولا تمنع غارة، ولا تعيد شهيداً إلى أهله، ولا تجيّب الجنوبي الذي يسأل اليوم: ماذا بعد؟
إذا كانت موازين القوى قد تغيّرت… فليكن هناك كلام صريح
إذا كانت الحرب قد غيّرت موازين القوى، وإذا كان الضغط الأميركي والإسرائيلي قد فرض ترتيبات أو قيوداً أو تفاهمات لم يُكشف عنها للرأي العام، أو إذا كانت قيادة الحزب قد اختارت، لاعتبارات لا نعرفها، الانتقال إلى مرحلة سياسية مختلفة، فليكن هناك كلام صريح مع اللبنانيين.
ليس المطلوب من أحد أن يبيع الناس أوهاماً.
وإذا كان ما يتردد عن استهداف البنى العسكرية والأنفاق وتفجيرها بصورة متكررة يعكس واقعاً عسكرياً جديداً، أو ترتيبات لم يُكشف عنها، أو قدرةً إسرائيلية متزايدة على الوصول إلى هذه البنى، فهذه أسئلة لا يجوز أن تبقى مادة للتخمين والشائعات.
المكاشفة ليست ضعفاً
المكاشفة احترام للجمهور ولدماء الشهداء. بل إن أفضل طريقة لحفظ المقاومة ليست الدفاع عنها في كل موقف، وإنما تحصينها من أسباب الارتياب بها.
لا نريد للمقاومة أن تصبح مجرد لاعب في السياسة الداخلية. المشكلة ليست أن يبقى حزب الله داخل النادي السياسي؛ فهذه مسألة لبنانية داخلية قابلة للنقاش.
المشكلة أن تتحول المقاومة، التي نشأت وظيفتها في الوعي اللبناني حول مواجهة الاحتلال، إلى لاعب بارع في لعبة التوازنات الداخلية، بينما يبقى العدو قادراً على استباحة الجنوب.
لم نكن نريد حزب الله ثعلباً في السياسة اللبنانية الداخلية؛ فالثعالب كثر.
كنا نريده ذئباً كاسراً في مواجهة العدو، لا في السياسة الداخلية، ولا في مواجهة الجار والشريك في الوطن.
هذه ليست إهانة للمقاومة، بل هي بالضبط حجم المسؤولية التي حملها الحزب على نفسه حين قدّم مشروعه بوصفه مشروع مقاومة وتحرير.
التضحيات لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة
في اللحظات المصيرية، تصبح المساءلة واجباً لا ترفاً. لا أحد يستطيع أن ينكر حجم التضحيات التي قدمتها المقاومة وبيئتها الحاضنة.
الشهداء ليسوا أرقاماً في بيان، والبيوت التي دُمرت ليست تفصيلاً عابراً في نشرات الأخبار، والقرى التي دفعت أثمان المواجهة لا يمكن أن تُستدعى فقط عند الحاجة إلى التعبئة.
ولهذه البيئة تحديداً _ وهي بيئة دفعت أثماناً هائلة وقدّمت تضحيات لا يستطيع أحد إنكارها _ الحق الأول في أن تعرف الحقيقة كاملة. من حق أهل الشهيد أن يعرفوا: لماذا استشهد؟ وإلى أين تتجه الأمور؟ وهل ما زالت المعركة التي قُدّمت في سبيلها هذه التضحيات قائمة بالأهداف والأدوات نفسها، أم أننا أمام مرحلة جديدة؟ ومن صاحب القرار في هذه المرحلة؟
وإذا كانت المرحلة قد تغيّرت، فمن حقهم أن يعرفوا ذلك.
الدولة اللبنانية… لا تجعلوا التفاوض قدراً للبنان
في المقابل، لا يعني نقد حزب الله إعفاء السلطة اللبنانية من مسؤوليتها.
فالسيادة لا تتحقق بمجرد إعلان أن القرار لبناني؛ السيادة تحتاج إلى قدرة على حماية هذا القرار وتنفيذه. وهذا هو جوهر المعضلة اللبنانية التي سبق أن توقفنا عندها: دولة تريد أن يكون قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً حصراً، لكنها ما زالت تواجه احتلالاً وعدواناً لا تملك وحدها أدوات ردعه، لا عسكرياً ولا دبلوماسياً.
لهذا فإن الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، في ظل ميزان القوى القائم، لا ينبغي أن يتحول إلى قدر محتوم ولا إلى تسليم مجاني بأوراق القوة اللبنانية.
قيل لأهل المقاومة من باب النصح والحق: فاوضوا عن أنفسكم، بدل أن يُتفاوض عنكم بالوكالة، وحققوا مصالحكم.
لكن السؤال اليوم: هل يجري التفاوض فعلاً لتحقيق المصلحة اللبنانية، أم أن لبنان دخل مساراً تُرسم فيه شروطه من الخارج؟
فالواقع الدولي نفسه يثبت أن القانون وحده لا يكفي عندما لا تملك الدول القدرة على حماية حقوقها؛ العالم تحكمه المصالح وموازين القوة بقدر ما تحكمه النصوص.
حزب الله مطالب بحسم موقفه
لهذا، فإن المطلوب من حزب الله اليوم ليس بياناً آخر، ولا سجالاً جديداً مع السلطة، ولا تبادلاً للاتهامات مع الأميركيين. المطلوب موقف واضح، وقرار واضح، ومكاشفة واضحة.
إذا كان لا يزال مقاومةً قادرةً ومستعدةً للدفاع عن لبنان، فليحسم موقفه وليتحمل مسؤولية هذا الخيار. وإذا كان قد وصل إلى مرحلة لم يعد فيها قادراً على ممارسة دوره العسكري بالصورة التي عرفها اللبنانيون، أو فرضت عليه موازين القوى مساراً آخر، أو دخل في تفاهمات لا يستطيع إعلانها، فليملك شجاعة المكاشفة.
أما أن يبقى لبنان والجنوبيون تحديداً يدفعون الدم، بينما تبقى حقيقة القرار العسكري والسياسي محاطة بالغموض، فذلك لم يعد مقبولًا.
وإذا ثبت أن الحزب أصبح عاجزاً عن تحقيق الغاية التي من أجلها وُجد، ومن أجلها رُفعت الرايات وقُدمت التضحيات، فعندها لا يجوز أن تصبح كلمة «المقاومة» غطاءً لاستمرار وضع لا يستطيع تحقيق أهدافها.
عندها يصبح من مسؤولية الحزب نفسه أن يعيد تعريف دوره بوضوح، وأن يقول للبنانيين ما إذا كانت وظيفته العسكرية ما زالت قائمة وقابلة للتحقق، أم أن المرحلة تقتضي انتقاله إلى وظيفة أخرى. أما بقاء السلاح والوظيفة العسكرية في منطقة رمادية، فيما يدفع الجنوب الثمن، فليس حلاً يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
لا نريد انتصاراً على المقاومة… نريد مقاومةً لا تلتبس
هذه ليست دعوة إلى نزع سلاح المقاومة بالقوة، ولا إلى تحويل الخلاف السياسي إلى صراع لبناني داخلي. بل العكس تماماً.
فالتهديد بنزع السلاح بالقوة لا يحل الخلاف اللبناني، كما أن استخدام السلاح في الداخل يضر بالمقاومة قبل أن يضر بخصومها. وحماية المقاومة تقتضي إبقاء قوتها موجهة إلى الخارج، وتحقيق وضوح كامل في علاقتها بالمصلحة الوطنية اللبنانية.
نحن لا نريد إلغاء المقاومة. نريد تحصينها من الالتباس.
فالمقاومة التي يكون أداؤها السياسي واضحاً في التعبير عن المصلحة اللبنانية يصبح من الصعب على الآخرين اتهامها بأنها تنفذ أجندات خارجية.
ولا نريد إسقاط مشروعها. نريد أن نعرف أين أصبح هذا المشروع.
المجد للشهداء… والحقيقة للأحياء
المجد للشهداء الأبطال، وطوبى للثابتين على العهد بالمقاومة والمواجهة.
أما في السياسة، فقد آن أوان الكلام الواضح.
لا يجوز أن يبقى الجنوبي وحده يدفع ثمن الغموض. ولا يجوز أن تبقى دماء الشهداء معلقة بين البيانات والمفاوضات والضغوط الدولية.
فإما أن تكون المقاومة قادرة على الدفاع عن الأرض، فلتقل ذلك وتثبت موقعها، وإما أن تكون قد دخلت مرحلة أخرى، فلتصارح اللبنانيين.
في الحالتين، الحقيقة أكرم من الالتباس. وفي الحالتين، يبقى السؤال الأكبر: هل نملك قرارنا الوطني فعلاً، أم أننا ما زلنا نتلقى قرارات الآخرين؟
فالتحرير ليس فقط أن يخرج الاحتلال من أرضنا. التحرير، في معناه الأعمق، أن يستعيد لبنان قدرته على أن يقرر بنفسه، وأن تصبح الدولة والمقاومة وكل عناصر القوة الوطنية أدواتٍ في خدمة لبنان، لا ساحاتٍ لتجاذب إرادات الآخرين.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
