لماذا لا يملك العرب ترف الحرب بينما يدفعون ثمنها؟

الشرق الأوسط بين فائض القوة وعجز السياسة

ليس الشرق الأوسط أمام حرب واحدة، بل أمام أزمة تاريخية مركّبة تتداخل فيها الجغرافيا بالنفط، والسيادة بالممرات البحرية، والأمن بالطاقة، والقضية الفلسطينية بصراع النفوذ. وفي قلب هذه المعادلة، تبدو الشعوب العربية عالقة بين أنظمة لم تنجح في بناء مشروع تنموي جامع، وقوى إقليمية ودولية تتعامل مع المنطقة بوصفها مساحة نفوذ ومصالح، أكثر مما تتعامل معها بوصفها فضاءً لشعوب لها الحق في الأمن والكرامة والازدهار.

لذلك، لا تستقيم قراءة المنطقة بمنطق الصراع بين محور للخير وآخر للشر. فإيران تريد الحفاظ على موقعها الإقليمي، وإسرائيل تريد تثبيت تفوقها الأمني والاستراتيجي، والولايات المتحدة تريد الحفاظ على موقعها ومفاتيح النظام الإقليمي، بينما تحتاج المنطقة إلى نظام أكثر تعددًا وتوازنًا بين الأقطاب، يحفظ المصالح التجارية والطاقة وطرق التجارة، ويمنح الدول العربية قدرة أكبر على صناعة قرارها.

والسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا تريد القوى الأخرى من المنطقة؟ بل: أين المشروع العربي؟

الجغرافيا تحمي الموقع، والقوة العسكرية لا تكفي

ليس من الموضوعية إنكار أن إيران بنت، خلال عقود، شبكة نفوذ واسعة في عدد من الدول العربية، من العراق إلى لبنان واليمن وساحات أخرى، وأنها استفادت من الفراغات التي نشأت داخل الدول العربية، ومن الحروب والانقسامات المذهبية وتراجع مؤسسات الدولة.

لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بإمكان اقتلاع هذا النفوذ عسكريًا بالكامل.

إيران دولة كبيرة ذات عمق جغرافي وتاريخي، تطل على الخليج وتشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتمتلك وزنًا سكانيًا واقتصاديًا وسياسيًا يجعلها جزءًا دائمًا من معادلة الشرق الأوسط.

لذلك، فإن محاولة إخراج إيران من المعادلة الإقليمية بالقوة، وهي مقاربة تجد لها صدى لدى إسرائيل وبعض الدوائر الإقليمية، تشبه محاولة إلغاء الجغرافيا نفسها.

المطلوب ليس أن تكون إيران صاحبة اليد العليا في العواصم العربية، ولا أن تكون دول المنطقة رهائن للمشروع الإيراني، بل إدارة التنافس مع إيران على أساس توازن الردع والمصالح المتبادلة، مع الاعتراف بأنها دولة جارة ذات ثقل لا يمكن إلغاؤه، والعمل، في الوقت نفسه، على تفكيك أدوات تدخلها المباشر في الدول العربية، عبر اتفاقيات إقليمية تُلزم جميع الأطراف بعدم استخدام الجماعات المسلحة أداةً للنفوذ، وربط ذلك بضمانات دولية وإقليمية؛ لأن محاولة اقتلاع نفوذها عسكريًا ستولّد فراغات أمنية أشد خطورة من النفوذ نفسه.

فالاستقرار العربي لا يتحقق باستمرار النفوذ الإيراني داخل العواصم العربية، لكنه أيضًا لا يتحقق بحرب شاملة هدفها تدمير إيران. والمشكلة هنا ليست إيران وحدها، بل الفراغ الذي سمح لها ولغيرها بالدخول.

الفراغ العربي وتعدد مراكز القوة

حين تضعف الدولة، ويغيب الاقتصاد المنتج، وتتراجع العدالة الاجتماعية، وتنهار الثقة بالمؤسسات، يصبح المجتمع أكثر قابلية لاستقبال المشاريع الخارجية، سواء جاءت تحت عنوان المقاومة، أو الأمن، أو الانتماء المذهبي، أو التنمية.

وهنا تقع مسؤولية الدول العربية قبل غيرها.

فلا يمكن أن نطلب من الآخرين ألّا يتدخلوا في شؤوننا، فيما تظل الدول العربية عاجزة عن بناء منظومة أمن جماعي، أو سوق اقتصادية متكاملة، أو سياسة خارجية مشتركة، أو رؤية موحدة للقضايا الكبرى.

لقد تحول المواطن العربي، على مدى عقود، من صاحب مشروع سياسي إلى متلقٍّ للمشاريع: الإيراني والأميركي والروسي والتركي والإسرائيلي، فيما غاب المشروع العربي الجامع.

في هذا السياق، تميل بعض الدول إلى تقديم السيادة والحوار والتنمية والتجارة بوصفها أدوات أساسية لإدارة العلاقات، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة.

إن تعدد مراكز القوة قد يمنح الدول الصغيرة والمتوسطة مجالًا أوسع للمناورة، شرط أن تمتلك هي نفسها رؤية مستقلة.

بين الأمن الإسرائيلي والمصلحة الأميركية

ظل الأمن الإسرائيلي، لعقود، مكوّنًا أساسيًا في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، إلى جانب حماية طرق التجارة والطاقة، واحتواء الخصوم، والحفاظ على شبكة التحالفات والقواعد العسكرية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما تعتبره واشنطن أمنًا إسرائيليًا يتطابق دائمًا مع الأمن العربي؟

إذا تحولت حماية إسرائيل إلى مبرر دائم لإعادة إنتاج الحروب، فإن الولايات المتحدة تخاطر بتحويل مصالحها وحلفائها إلى جزء من بيئة الاحتقان التي تهدد الاستقرار الإقليمي.

في المقابل، فإن دول الخليج، بما راكمته من قدرات مالية وعسكرية ودبلوماسية، لم تعد تريد أن تكون مجرد مساحة تستضيف قواعد أجنبية وتدفع فاتورة الأمن الإقليمي. وهذا لا يعني التخلي عن الولايات المتحدة، بل يعني أن الاعتماد الأحادي على قوة خارجية لم يعد كافيًا وحده لتأمين المصالح العربية. كما لا يعني ذلك الاستغناء عنها، بل تحويل العلاقة من علاقة تبعية إلى علاقة شراكة قائمة على المنفعة المتبادلة، مع بناء قدرات عربية ذاتية، عسكرية واقتصادية واستخباراتية، تقلل من هشاشة الدول العربية أمام الضغوط الخارجية، وتجعل التحالف مع واشنطن خيارًا استراتيجيًا، لا قدرًا محتومًا.

مع ذلك، فإن التنافس بين القوى الكبرى لا يلغي مصلحتها المشتركة في منع انهيار المنطقة بالكامل؛ فالطاقة والتجارة والممرات البحرية تحتاج إلى الاستقرار.

هنا تظهر الحقيقة الأساسية: قد تكون الحرب أداة تفاوض، لكنها لا يمكن أن تكون نظامًا سياسيًا دائمًا.

قد تجد إيران في التحولات الدولية فرصة لإعادة تثبيت موقعها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتصارًا نهائيًا لها. فالمعادلة الأوسع تتجه نحو توازنات جديدة، لا نحو هيمنة قوة واحدة.

لبنان يجب ألّا يكون ساحة للآخرين

لبنان هو الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة؛ فهو بلد صغير مفتوح على المتوسط، شديد الحساسية تجاه التحولات الإقليمية، ويعيش أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية عميقة، فيما تتقاطع داخله التأثيرات الإيرانية والأميركية والغربية والعربية والإسرائيلية.

والخطر الأكبر هو أن يتحول مجددًا إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين على أرضه.

وقد انخرط لبنان، وسط انقسام داخلي حول مسار التفاوض وحدوده، في مسار مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، وتوصل الطرفان، في حزيران 2026، إلى اتفاق إطار، ثم استمرت المحادثات في روما للبحث في آليات الانسحاب الإسرائيلي وانتقال السيطرة إلى الجيش اللبناني، قبل أن تتعقد بسبب ملفات أساسية عالقة، في مقدمتها السلاح والسيطرة الأمنية على الجنوب.

هنا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحًا: التفاوض ليس استسلامًا، لكنه يحتاج إلى تضامن داخلي، كما أن استمرار الحرب من دون توافق وطني لا يحمي السيادة.

فالسيادة تقتضي أن تكون الدولة صاحبة القرار في الحرب والسلم، وأن يكون الجيش والمؤسسات الدستورية الإطار الشرعي لحماية الحدود، وألّا تمتلك إيران لبنان عبر السلاح والنفوذ، وألّا يكون لإسرائيل حق فرض أمنها داخل الأراضي اللبنانية، ولا للولايات المتحدة دور الوصي على القرار السياسي اللبناني.

يستطيع لبنان أن يرفض أن يكون ساحة للمشاريع الإقليمية، لكن ذلك يتطلب دولة قوية، لا مجرد شعارات عن السيادة. وفي ظل بقاء الدولة اللبنانية على ضعفها الحالي، لا يمكن أن يكون الحل العملي مواجهة شاملة مع حزب الله قد تؤدي إلى حرب أهلية، بل حوارًا وطنيًا تدعمه ضغوط إقليمية ودولية، يفضي إلى تفكيك السلاح تدريجيًا ضمن إطار زمني واضح، مقابل حوافز اقتصادية وإعادة إعمار تجعل تسليم السلاح خيارًا مربحًا للجميع؛ لأن الحل العسكري في الداخل اللبناني أنتج، في الماضي، حروبًا أطول من المشكلة ذاتها.

السيادة تحتاج إلى دولة

من أكثر الملفات حساسيةً الشبكات السياسية والإعلامية والاقتصادية التي راكمت نفوذًا واسعًا، والتي بات بعضها موضع تساؤل بسبب مواقف مالكيها أو مموليها وتحالفاتهم ومصالحهم.

لكن الدقة ضرورية؛ فلا يجوز تحويل النقد السياسي إلى اتهامات مجانية بالعمالة.

والمطلوب هو كشف تضارب المصالح، ومصادر التمويل، وشبكات النفوذ، والعلاقات الخارجية، وأدوار المؤسسات والأفراد، عندما تكون موثقة.

فالاستقلال الوطني لا يعني فقط مواجهة عميل ثبتت عمالته، بل يعني أيضًا أن تكون الدولة والمجتمع قادرين على معرفة من يؤثر في قرارهما، ولماذا، ولحساب من.

والسيادة تحتاج أيضًا إلى اقتصاد قادر على الصمود. فلبنان، شأنه شأن منطقة شرق المتوسط، ليس مجرد ساحة جيوسياسية، بل هو مساحة للطاقة والتجارة والاستثمار. وإذا أراد الاستفادة من موارده البحرية، فهو يحتاج إلى الاستقرار، وحماية الحدود، وقضاء مستقل، ومصارف موثوقة، وإدارة عامة قادرة، وعلاقات دولية متوازنة.

ويحتاج لبنان إلى حوافز اقتصادية وإعادة إعمار تجعل تسليم السلاح خيارًا مربحًا، بالتوازي مع إعادة هيكلة المصارف ووقف تهريب الأموال؛ لأن الاقتصاد المهترئ في لبنان لا يقل تهديدًا لسيادته عن صواريخ حزب الله.

فالسيادة المصرفية هي الوجه الآخر للسيادة السياسية.

والنفط والغاز لا يحتاجان إلى الآبار فحسب، بل إلى دولة مستقرة تضع مكافحة الفساد في سلّم أولوياتها الأمنية؛ لأن الأموال المنهوبة من شعوب المنطقة تتحول إلى أموال تموّل الجماعات المسلحة وتشتري ولاءات الخارج، ما يجعل الفساد جريمة وطنية، لا مجرد خرق إداري.

أما الفقر والبطالة وضعف التعليم والخدمات، فليست مشكلات اجتماعية منفصلة عن الأمن؛ إذ إن الفقر خطر جيوسياسي. فمن الصعب مطالبة شاب يفتقر إلى التعليم الجيد والوظيفة والأفق بأن يكون محصّنًا أمام التطرف والمشاريع المذهبية والولاءات الخارجية.

لذلك، فإن التنمية والعدالة الاجتماعية جزء من الأمن القومي العربي، وليستا ترفًا.

من الصراع المفتوح إلى التسوية

قد يكون من الصعب على الوجدان العربي تقبّل أن إسرائيل أصبحت حقيقة سياسية وجغرافية لا يمكن تجاهلها، لكن السياسة ليست امتدادًا دائمًا للعاطفة؛ فقد تغيرت موازين القوى وتراكمت الحقائق على الأرض.

ويبدو حل الدولتين، مهما كان صعبًا ومؤلمًا، الإطار النظري الوحيد المقبول عربيًا ودوليًا. لكن واقع الأرض يتجه بسرعة نحو خيار آخر أكثر سوادًا، يتمثل في دولة واحدة قائمة على الفصل العنصري، ما لم تُفرض على إسرائيل عقوبات حقيقية توقف الاستيطان وتجبرها على الانسحاب إلى حدود عام 1967. وإلى أن يتحقق ذلك، يجب أن ينتقل الخيار العربي الاستراتيجي من انتظار الحل السحري إلى بناء قدرات الصمود الفلسطيني سياسيًا واقتصاديًا، وإدارة الصراع بدلًا من محاولة حله الآن، مع الإبقاء على المفاوضات بوصفها أداة، لا غاية.

لكن حل الدولتين لا يعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا؛ بل يعني قيام دولة إسرائيل إلى جانب دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية، وحدود واضحة، وضمانات دولية، وترتيبات أمنية متبادلة، وسلام يحفظ الحقوق الفلسطينية ولا يحوّل الدولة الفلسطينية إلى كيان منزوع الإرادة.

في المقابل، فإن الاعتراف بوجود إسرائيل لا يعني الاعتراف بحقها في التوسع، كما أن الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولتهم لا يعني استمرار الحرب بوصفها قدرًا أبديًا.

وعلى إسرائيل أن تدرك أن الأمن لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة دائمة للتوسع، وأن مراجعة منطق الصهيونية التوسعية أو الإقصائية تصبح ضرورية عندما يتعارض هذا المنطق مع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وتحقيق سلام إقليمي دائم.

فالإسرائيليون لن يحصلوا على أمن دائم إذا بقي الفلسطينيون بلا أمل، والعرب لن يحصلوا على سلام دائم إذا ظلوا يرون في إسرائيل مشروعًا دائمًا للهيمنة.

لقد رسمت القوى الكبرى حدودًا وتحالفات، وأسقطت أنظمة ودعمت أخرى، واستخدمت جماعات مختلفة في صراعات النفوذ، لكن هذه الهندسات لم تنتج شرق أوسط مستقرًا.

أين المشروع العربي؟

السؤال الأهم اليوم ليس فقط: ماذا تريد إيران وإسرائيل وأميركا؟ بل: أين المشروع العربي؟

نحتاج إلى أمن عربي مشترك، وسوق عربية مشتركة، واستراتيجية عربية موحدة تجاه إيران وإسرائيل.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذه المشاريع اصطدمت، لعقود، بإرادة الأنظمة التي ترى في البقاء أهم من المشروع القومي، وبالتناقضات الداخلية بين دول الخليج والمحيط العربي، وبغياب وسطاء عرب قادرين على بناء توافقات، خصوصًا في ظل تنافس بعض العواصم العربية على دور «القيادة الإقليمية»، ما جعل الخلافات العربية الداخلية، أحيانًا، أكثر حدة من الخلافات مع إسرائيل أو إيران.

لذا، فإن البداية العملية لا تكمن في مشروع عربي شامل غير قابل للتحقق، بل في مشاريع ثنائية وإقليمية مصغّرة، مثل الربط الكهربائي، والأمن الغذائي، والاستثمار المشترك في الطاقة، تخلق مصالح متشابكة تؤسس تدريجيًا لمناخ من التعاون الواسع، بدلًا من انتظار معجزة الجامعة العربية.

نحتاج إلى أنظمة عربية تنظر إلى التنمية باعتبارها أمنًا قوميًّا، وإلى تعليم أفضل، واقتصاد منتج، ومحاربة الفساد، وصون السيادة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

نحتاج إلى إيران بوصفها دولة إقليمية طبيعية، لا إمبراطورية نفوذ عابرة للحدود تمتد عبر العواصم العربية؛ وإلى إسرائيل بوصفها دولة تبحث عن أمنها داخل حدود وتسويات واضحة، لا عبر التوسع الدائم؛ وإلى فلسطين بوصفها دولة ذات سيادة إلى جانب إسرائيل.

والأهم أننا نحتاج إلى أن يتوقف العرب عن انتظار الآخرين ليقرروا مستقبلهم.

ربما يكون المشروع العربي الجامع، كما عرفناه في منتصف القرن العشرين، قد استنفد صلاحيته التاريخية.

لكن ذلك لا يعني نهاية التعاون، بل يعني أن البديل ليس مشروعًا قوميًّا كبيرًا آخر، وإنما شبكة من المشاريع الوطنية الرشيدة التي تدرك أن مصلحتها في التعاون مع جاراتها أكبر من مصلحتها في التناحر معها.

فالتعاون اليوم لم يعد ترفًا أيديولوجيًّا، بل ضرورة وجودية.

وإذا كان ثمة مكان يمكن أن يبدأ منه هذا التحول، فهو لبنان؛ ليس لأنه الأقوى، بل لأنه يستطيع أن يثبت أن الدولة الصغيرة قادرة، إذا استعادت مؤسساتها وقرارها، على رفض أن تكون ساحة للآخرين.

والطريق يبدأ بإعادة بناء الدولة، وحصر القرار السيادي بالمؤسسات الدستورية، وإبعاد لبنان عن صراعات المحاور، وكشف شبكات النفوذ على أساس الأدلة لا الشائعات، وإطلاق اقتصاد منتج، واستعادة الثقة بالقضاء والإدارة.

عندها فقط، يستطيع لبنان أن يتفاوض، لا من موقع التابع لإيران، ولا من موقع المنبطح أمام الإرادة الأميركية، ولا من موقع الخائف من إسرائيل، بل من موقع الدولة التي تعرف ماذا تريد.

السلام الذي يصنعه أبناء المنطقة

قد تبدو هذه الرؤية مثالية، وقد يقول قائل إن القوى الكبرى لن تسمح بسهولة بقيام نظام عربي مستقل، وإن إسرائيل لن تتخلى بسهولة عن عقيدتها الأمنية، وإن إيران لن تتخلى ببساطة عن أوراق نفوذها، وإن الولايات المتحدة لن تتنازل طوعًا عن موقعها.

كل ذلك صحيح.

لكن ما البديل؟

حرب لا تنتهي؟ أجيال جديدة تعيش على الكراهية؟ ثروات تُنفق على السلاح بدلًا من التنمية؟ وشعوب تبحث عن كرامتها في مشاريع الآخرين؟

إن الشرق الأوسط لن يستقر بالقوة وحدها، ولن يستقر بالاستسلام.

وسيبدأ الاستقرار عندما يصبح المواطن أكثر ثقة بدولته، والشاب أكثر قدرة على اختيار مستقبله، والسلام خيارًا مربحًا للحكومات والشعوب معًا.

وعندما تصبح فلسطين دولة، وإسرائيل دولة، ولبنان دولة، وإيران دولة، لا مشاريع إمبراطوريات عابرة للحدود، يمكن أن تنتهي وظيفة المنطقة بوصفها ساحة لصراع الآخرين.

ربما يكون ذلك حلمًا، وربما يبدو طوباويًّا، لكن التاريخ لا يتغير إلا عندما يتحول الحلم إلى مشروع يبدأ بـ«الممكن»، لا بـ«المثالي».

إن الشرق الأوسط، بعد قرن من الحروب والهندسات الخارجية، لن يستعيد توازنه بين ليلة وضحاها، لكنه يستطيع أن يتقدم خطوة إذا اختار الحكام والشعوب معًا تفكيك الأزمات الكبرى إلى أزمات أصغر قابلة للحل، وإذا جرى الاتفاق على أن الأولوية القصوى هي بناء الدولة الوطنية القوية التي تحمي مواطنيها؛ لأن أي مشروع قومي أو إقليمي يبدأ من مؤسسة دولة قادرة، ولا يمكن أن يقوم على أنقاض وطن مهترئ.

التاريخ لا يتغير إلا عندما يتحول الحلم إلى مشروع. والشرق الأوسط، بعد قرن من الحروب والهندسات الخارجية، لم يعد يحتاج إلى هندسة جديدة بقدر ما يحتاج إلى أن يستعيد أهله حقهم في هندسة مستقبلهم بأنفسهم.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.