وكأنّه لا يكفي ما يعانيه رجال القانون والمواطنون من وجود قوانين غامضة وغير واضحة، حتى يأتي قانون الإعلام الجديد ليزيد الطين بلّة. إذ إنّنا كنّا، ولا نزال، نتساءل عن سبب عدم تعديل القوانين النافذة التي تثير إشكاليات في تفسيرها، وحسم هذه الإشكاليات بنصوص مكتوبة وواضحة، حتى لا يُترك المجال للآراء الفقهية المتناقضة، وللأحكام والقرارات المختلفة التي قد تصدر عن صواب أو عن خطأ في التفسير.
وبدلاً من الأخذ في الاعتبار النقاط الخلافية التي شهدناها على مرّ السنين، وعدم الاتكال على الاجتهاد والقرارات الصادرة، وحسم الأمور بنصوص قانونية واضحة، جاء قانون الإعلام الجديد ليزيد الغموض غموضاً، وليترك المجال مفتوحاً أمام التفسير، خصوصاً أنّنا بتنا نسمع ونقرأ آراء لبعض رجال القانون الذين يحدّدون، للأسف، مواقفهم في ضوء انتمائهم السياسي أو المذهبي.
وكي لا نبقى في مجال النظريات، نعود إلى نص الفقرة «ب» من المادة 104، التي ورد فيها: «كلّ من تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية، يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تُحدَّد بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور وتصل إلى خمسة عشر ضعفاً، أو بإحدى هاتين العقوبتين».
فالنص يتكلّم عن اختلاق أضاليل، وعن نشر أخبار كاذبة ومؤذية. فمن الذي سوف يقدّر عبارة «اختلاق أضاليل» ويفسّرها؟ وماذا تعني كلمة «أضاليل»؟ وما هو معيار الأخبار الكاذبة ومفهومها؟
في ظلّ متابعتي دعاوى المطبوعات منذ العام 1990، وهي بالعشرات، لا بل بالمئات، وبحكم نشري مئات القرارات المتعلّقة بالمطبوعات، فإنّ أحداً لم يستطع وضع معيار ثابت وواضح لمفهوم عبارة «الأخبار الكاذبة». والأخطر هو أنّنا أمام قانون ينصّ على عقوبة الحبس التي تصل إلى ثلاث سنوات، ولسنا أمام قانون مدني أو تجاري. فالحبس ليس بالأمر السهل الذي يتخيّله الناس، خصوصاً في بلد مثل لبنان، حيث زرنا السجون واطّلعنا على أوضاع السجناء التعيسة جداً. فكيف يكون الأمر إذا كان السجين إعلامياً أو مواطناً أبدى رأيه في ملف أو موضوع معيّن؟ وهل نُدخل الإعلاميين والكتّاب السجون، بعدما نُخرج منها المجرمين الحقيقيين الذين شملهم قانون العفو العام الصادر في اليوم عينه، ونضعهم مكانهم في السجن؟
والأنكى أنّ المشترع استعمل كلمة «أضاليل». فماذا تعني هذه الكلمة؟ ومن يفسّرها؟ ومن يكفل ألّا تُفسَّر بشكل اعتباطي؟
كنّا، ولا نزال، نقول بجرأة تامّة إنّ الحرية الإعلامية، المكفولة بالدستور، يجب أن تكون مسؤولة. كما أنّ كرامات الناس ليست مستباحة أمام من يكتب بقصد الأذى والابتزاز، ومن أجل مصالح سياسية واجتماعية ضيّقة. ولكن، حتى نعاقب الكاتب، يجب إيراد نصوص واضحة وضوح الشمس، لأنّ المسألة تتعلّق بالحبس ودخول السجن، وليست مسألة مادية فقط.
من هنا، نتمنّى إعادة صياغة هذا القانون بعبارات واضحة لا تترك أيّ مجال للتفسير المتعدّد الأوجه، حتى لا نترك أيّ مجال للخطأ أو للتوسّع في التفسير، أو لاستغلال الغموض في سبيل خدمة هذه الجهة السياسية أو تلك، وهذه الجهة النافذة أو تلك.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
