شهدت حواراً بين أب وابنه البالغ من العمر سبعة عشر عاماً، حيث كان هذا الأخير يناقش بشكل غير منطقي، ويحاول رفع صوته للتأثير على والده. فقال له الوالد: «يا بني، ما تقوله غير منطقي وغير جدي أو مقبول. أنا والدك، أتحمّل منك عدم المنطق والجدية ورفع الصوت. أما الغريب فليس ملزماً بذلك، وقد يطردك فوراً من مجلسه أو من العمل».
كم يشبه هذا الكلام ما نشهده في بلدنا الحبيب لبنان من تصرفات بعض المسؤولين المتهورين أو المستهترين بمصالح أبنائه، وتصرفات معظم الأحزاب والميليشيات الذين يفرضون مواقفهم الخاطئة أو السيئة أو المشبعة بالمصالح. فيفرضون التعيينات في الوزارات والإدارات والهيئات واللجان. كيف لا، والشعب ينتخب نوابهم، بحيث يضطر كبار المسؤولين الذين يتمتعون بالاستقلالية إلى تلبية طلباتهم. إلا أن ما هو غير معلوم لدى كثيرين، هو أن المواطن اللبناني مستاء من هذه التصرفات، ولكنه إما مغلوب على أمره، أو مضطر إلى تأمين لقمة عيشه، أو لأنه يفضل الابتعاد عن المشاكل وعن الانتقاد.
فالمواطن، وإن لم تكن لديه أدلة على فساد البعض، إلا أنه يشعر بذلك انطلاقاً من عدة معطيات ومظاهر. وهو يعلم أن معظم من يحاضرون بالعفة فاسدون. ويكفي أن نتابع ما يحصل في العراق مع من كانوا يقفون على المنابر ويحاضرون بالعفة وبمحاربة الفساد، ونرى كم هي المليارات المخبأة في منازلهم، للتأكد من صحة هذا الكلام.
والمؤسف هو أن عدداً كبيراً ممن ينادون بالشفافية والعدالة واحترام القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، يتخلون عن مبادئهم عندما يصبحون في سدة المسؤولية. وقلائل من أصحاب القرار بقوا على تلك المبادئ ولم يتخلوا عنها. ويكفي أن نتابع تصرفات كبار، أمثال الإمام المغيّب السيد موسى الصدر، وغبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، والرؤساء كميل شمعون وفؤاد شهاب وإلياس سركيس وبشير الجميل، وغيرهم من الشخصيات، وهم كثر ونعتذر عن تعدادهم، حتى نعلم كيف يمكن للمسؤول أن يبقى على مبادئه ولا يتغير. لا بل قد يشكل عقدة للآخرين، خصوصاً أنه ليس من السهل أن يكون الإنسان في أعلى درجات المسؤولية ولا يتغير ويبقى على مبادئه.
وبالتالي، فإذا شعر بعض المسؤولين والقيمين على الشأن العام والمتحكمين بمفاصل البلد بأن الشعب نائم، فليعلموا جيداً أنه إما يعلم بكل شيء، أو على الأقل يشعر بما يقومون به من تصرفات خاطئة ومؤذية ومضرة بمصالح البلد وبشعبه المغلوب على أمره، والذي يضطر إلى تحملها، إلا أنها لا تمر على أصحاب القرار في الخارج، الذين ليسوا مضطرين إلى تحمل هذه التصرفات.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
- ناضر كسبار#molongui-disabled-link
