عندما أصبح الجميع صحافيين… من يكتب الخبر اليوم؟

شهدت مهنة الصحافة خلال العقود الماضية تحوّلًا عميقًا في طبيعتها ودورها داخل المجتمع. ففي الماضي القريب، كانت الصحف الرسمية والمؤسسات الإعلامية التقليدية تمثّل المصدر الأساسي للأخبار، وكان كاتب الخبر يتحمّل مسؤولية كاملة عن دقة ما ينشره، حيث كانت المواد الصحافية تخضع لمراجعة وتدقيق مهني صارم، يضمن نقل الحقيقة بموضوعية ومصداقية. كما كانت هناك مساءلة واضحة لكل من يحاول تشويه الحقائق أو تضليل الرأي العام.

أما اليوم، ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، فقد تغيّر المشهد الإعلامي بشكل جذري. إذ أصبح بإمكان أي فرد نشر الأخبار والمعلومات دون رقابة أو تحقّق مهني، ما أدى إلى تزايد المحتوى غير الدقيق، بل والمضلّل أحيانًا. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد العديد من الأخبار تعكس الحقيقة بقدر ما تعبّر عن مصالح أو توجّهات فئات معيّنة، الأمر الذي ساهم في تراجع ثقة الجمهور بوسائل الإعلام.

إن خطورة نشر الأخبار غير الصحيحة لا تكمن فقط في تضليل المتلقي، بل تمتد آثارها لتشمل إحداث ضرر اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، فضلًا عن الإساءة إلى مهنة الصحافة وتقويض مكانتها ودورها. لذلك، تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية من قبل الجهات المختصة، وعلى رأسها الدولة ووزارة الإعلام، في وضع أطر قانونية وتنظيمية تضمن محاسبة كل من يتعمّد نشر معلومات غير دقيقة أو منحازة، بما يضر بالمصلحة العامة.

وفي الوقت نفسه، لا بد من الحفاظ على التوازن بين مكافحة الأخبار الزائفة وصون حرية التعبير، من خلال تشجيع الصحافة المهنية وتعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، بحيث يصبح الفرد أكثر قدرة على التمييز بين المصادر الموثوقة وغيرها، في ظل تدفّق المعلومات المتسارع.

في النهاية، تبقى الصحافة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون مهنة، والحفاظ على مصداقيتها مسؤولية مشتركة بين الكاتب والمؤسسة الإعلامية والقارئ على حدّ سواء.

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.