يتمثل أحد أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه واشنطن في الشرق الأوسط في كيفية التوصل إلى تسوية دائمة مع إيران من دون المساس بأمن إسرائيل. وبعبارة أخرى، يتعين على الولايات المتحدة أن توازن بين الانخراط مع خصم قديم وبين التزاماتها تجاه أقرب حلفائها الإقليميين. وعلى الرغم من أن إيران خرجت من النزاع الأخير أضعف بكثير، فإن ثمة أسباباً قليلة تدعو إلى الاعتقاد بأن النظام سيغيّر بصورة جوهرية توجهه الأيديولوجي أو طموحاته الإقليمية. لذلك، وحتى إذا مُنعت طهران من امتلاك أسلحة نووية، فمن المرجح أن تبقى إيران لاعباً مزعزعاً للاستقرار، وسيكون لديها وصول أكبر إلى الموارد التي تحتاجها لإبراز قوتها في المنطقة.
منذ نهاية الحرب الباردة، كثيراً ما اختلفت الحكومات الأميركية والإسرائيلية خلف الأبواب المغلقة، غير أنه من النادر أن يوجّه نائب رئيس أميركي توبيخاً علنياً إلى أعضاء بارزين في الحكومة الإسرائيلية. ففي إحاطة في البيت الأبيض في 18 حزيران، فعل جي دي فانس ذلك تحديداً، إذ وبّخ منتقدي الدبلوماسية الأميركية من الإسرائيليين، قائلاً: «لو كنتُ عضواً في الحكومة الإسرائيلية، لما كنتُ لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم كله». وتعكس هذه التصريحات تنامي الإحباط داخل إدارة ترامب من السلوك الإسرائيلي، وتؤكد اعتقاد واشنطن بأن الدعم السياسي والعسكري الأميركي يمنحها نفوذاً كبيراً على إسرائيل. كما توحي بأن الإدارة مستعدة لاستخدام هذا النفوذ لحماية المفاوضات مع إيران، ودفع إسرائيل إلى قدر أكبر من التكيّف.
يزيد من حدة هذا الاحتكاك أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا مجرد حليفين مقرّبين؛ فقد قاتلتا أخيراً جنباً إلى جنب ضد إيران. وعلى الرغم من أن الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران الماضي كانت، رسمياً، عملية عسكرية إسرائيلية، فإنها نُفذت بتنسيق وثيق مع واشنطن، وتُوّجت بضربات نفذتها قاذفات أميركية من طراز B-2 ضد ثلاثة منشآت نووية إيرانية رئيسية. أما النزاع الذي استمر 39 يوماً وبدأ في 28 شباط، فقد عمّق أكثر فأكثر التعاون العملياتي، وخلق انطباعاً بوجود اصطفاف استراتيجي غير مسبوق بين الحكومتين. غير أن بروز التوترات بهذه السرعة بعد حملة عسكرية مشتركة ناجحة يبرز مدى اختلاف الطرفين، ليس حول التهديد الذي تمثله إيران، بل حول كيفية إدارة المنطقة بعد ذلك.
في الواقع، لم يتحول التنسيق العسكري بعد إلى تنسيق دبلوماسي. ففي حين أُبلغت إسرائيل بالمحادثات الأميركية ـ الإيرانية التي أفضت في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق النار في 8 نيسان، أجرت واشنطن المفاوضات عبر وساطة باكستانية. وغابت إسرائيل عن هذه المحادثات، رغم أنها تحملت جزءاً كبيراً من كلفة الحرب ومخاطرها. وكانت النتيجة مصدراً متوقعاً للتوتر؛ إذ لم تكن المخاوف الأمنية الإسرائيلية متطابقة دائماً مع الهدف الأوسع لواشنطن، والمتمثل في تثبيت الاستقرار في المنطقة عبر تسوية دبلوماسية مع طهران.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تكون هذه التوترات قد فاجأت القادة الإسرائيليين. فقد أدركت إسرائيل منذ زمن طويل أنه، على الرغم من التقاطع العميق بين المصالح الأميركية والإسرائيلية في مواجهة إيران، فإن الطرفين ينظران إلى المآل النهائي بصورة مختلفة. فبالنسبة إلى كثيرين في إسرائيل، كان السيناريو المثالي للحملة هو تغيير النظام. أما بالنسبة إلى واشنطن، فلم تكن الحملة سوى وسيلة لخلق أوراق ضغط من أجل تسوية تفاوضية. لذلك، فإن الخلافات لا تعكس انهياراً في التحالف، بل عودة ظهور تباين استراتيجي جرى حجبه مؤقتاً بفعل ضرورات الحرب.
من غير المفاجئ، إذاً، أن وقف إطلاق النار لم يكن ليستمر؛ إذ أبقى في مكانه نظاماً في طهران ظلّ متماسكاً، وخاضعاً بصورة متزايدة لهيمنة الحرس الثوري الإسلامي. لطالما انطلق التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من فرضية مفادها أنه حتى لو تقدمت الدبلوماسية في واشنطن، فإن ميزان القوى الداخلي في إيران، ولا سيما في ظل عدم اليقين بشأن القيادة وتنافس مراكز السلطة، سيحول دون رضوخ إيران للمطالب الأميركية. وكان المنطق يشي بأن الصراعات الداخلية ستجعل من الصعب على إيران التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة. لذا، وفق هذه الرؤية، فإن الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار ليست أمراً شاذاً.
على هذه الخلفية، راقبت إسرائيل عن كثب مساراً دبلوماسياً تقدم بصورة غير منتظمة. وقد حوّلت تركيزها العملياتي بشكل متزايد نحو لبنان، حيث يشكل “حزب الله” تهديداً أكثر إلحاحاً وقابلية للتعامل من منظور الأمن الإسرائيلي. فعلى خلاف إيران، حيث تعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على القوة العسكرية الأميركية والاصطفاف الدبلوماسي معها، تعتقد إسرائيل أنها قادرة في لبنان على التحرك باستقلالية وحسم أكبر. وقد زاد هذا الانقسام الاستراتيجي من المخاوف الإسرائيلية من أن أي تخفيف مالي عن إيران في إطار ترتيب نووي أميركي ـ إيراني سيُستخدم سريعاً لإعادة بناء “حزب الله”، وهو توجّس عززته الدعوات المتكررة من طهران إلى واشنطن لكبح العمليات الإسرائيلية في لبنان.
يتمثل هدف أميركا في لبنان في نزع سلاح “حزب الله” تدريجياً واحتوائه استراتيجياً بوصفه دولة داخل الدولة. وقد سعت إدارة ترامب إلى استغلال تقاطع نادر للضغوط، يتمثل في إضعاف الحزب بفعل العمليات الإسرائيلية المستمرة، ولا سيما في عام 2024، وانهيار نظام الأسد في سوريا، والتدهور الأوسع في المواقع الداخلية والإقليمية لإيران، من أجل دفع هذا الهدف قدماً. غير أن تحويل المكاسب الميدانية إلى مكاسب سياسية يعتمد على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا سيما الجيش اللبناني، بحيث تتمكن تدريجياً من بسط السيادة على الجهات المسلحة.
هنا، ثمة عاملان يعقّدان جهود الولايات المتحدة الرامية إلى ترجمة هذه الاستراتيجية إلى واقع. أولاً، يتطلب ذلك من إيران أن تشجع “حزب الله” على التحول إلى فاعل سياسي صرف، وهو أمر لا يبدو أن طهران مستعدة للقيام به في المدى القريب. وحتى لو فكرت إيران في ذلك، فمن المرجح أن تصر على الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي للحزب داخل لبنان، بما يضمن أن يمنحه اندماجه السياسي نفوذاً على الدولة اللبنانية. وثانياً، تتمثل الأولوية الفورية لطهران في وقف الضربات الإسرائيلية ضد أبرز وكلائها. وهذا إنما يضع الولايات المتحدة في موقع الحاجة إلى تعاون إسرائيل من أجل الحفاظ على أي توازن دبلوماسي أوسع.
هكذا، تواجه إسرائيل معضلة. إذ لا توجد أي ضمانة بأن الجهود الدبلوماسية ستنجح في نهاية المطاف في تقييد إيران أو في إحداث تغيير جذري في قدرات “حزب الله”، حتى إذا أدت المفاوضات مؤقتاً إلى خفض التوترات. وفي الوقت نفسه، يعتقد المخططون الإسرائيليون أن نافذة الفرصة ستُغلق إذا تعافت إيران نتيجة اتفاق يمنحها الأموال وتخفيف العقوبات. ونتيجة لذلك، قد تضبط إسرائيل إيقاع عملياتها، فتعلّق الضربات أو تحدّ منها استجابة للضغط الأميركي، لكنها من غير المرجح أن تقبل بسلام دائم ما دام “حزب الله” يحتفظ بقدرته العسكرية.
في جوهره، يعكس الاحتكاك الأميركي ـ الإسرائيلي الناشئ تحدي التوفيق بين مقاربتين مختلفتين جذرياً لإدارة المشكلة الإيرانية. إذ تسعى واشنطن إلى استخدام المكاسب العسكرية لخلق إطار دبلوماسي يقيّد إيران ويثبت الاستقرار في المنطقة، في حين تبقى إسرائيل متشككة في إمكانية تعديل سلوك نظام تحركه الأيديولوجيا بصورة دائمة عبر التفاوض. والحال أن التوتر الناتج عن ذلك لا يتعلق بلبنان أو “حزب الله” أو حتى بتفاصيل اتفاق نووي فحسب؛ بل إنه يرتبط بما إذا كان يمكن دمج إيران في نظام إقليمي جديد، أم أنه يجب الاستمرار في احتوائها عبر الإكراه المتواصل. وبينما تمضي الولايات المتحدة في مسار التسوية، وتستعد إسرائيل لاحتمال فشل هذا المسار، قد يتبيّن أن إدارة التباين بين هاتين الاستراتيجيتين لا تقل صعوبة عن إدارة إيران نفسها.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / كامران بخاري

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
