تابعت، كما تابع كثيرون، الردود التي تناولت اقتراح تعديل قانون تنظيم الجامعة اللبنانية، ولا سيما تلك التي قدمت نفسها بوصفها رداً قانونياً على الرأي المخالف.
أقول منذ البداية إن الاختلاف في الآراء القانونية ظاهرة صحية، بل أعتبره من أهم مظاهر تطور الفكر القانوني. فالقانون، بخلاف العلوم الدقيقة، ليس مجموعة معادلات تنتهي دائماً إلى نتيجة واحدة، وإنما هو علم يقوم على التفسير والاجتهاد والموازنة بين المصالح. ولذلك فإن كل نص قانوني يقبل أكثر من قراءة، وكل اجتهاد يبقى قابلاً للمراجعة والنقد.
غير أن ما يدفعني إلى كتابة هذه السطور، والتي آمل أن تكون آخر مساهمة لي في هذا النقاش، ليس الاختلاف في النتائج، وإنما الاختلاف في المنهج والأسلوب.
القانون ليس علماً جامداً
لا ينبغي أن يغيب عن النقاش أن المشترع، ما دام يحترم أحكام الدستور، يملك سلطة تعديل القوانين النافذة متى رأى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك. والجدل، في هذه الحالة، ينصب على مدى ملاءمة التعديل، لا على وجود سلطة المشرّع في إجرائه.
لقد تتلمذنا في كليات الحقوق على فكرة قوامها أن النصوص القانونية لا تعيش بمعزل عن المجتمع، وأن الاجتهاد هو الذي يمنحها الحيوية. لذلك، فإن تعدد الآراء القانونية ليس دليلاً على ضعف القانون، بل على حيويته وقدرته على مواكبة تطور المجتمع.
من هنا، فإن الاختلاف في تفسير النصوص لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك في النيات أو إلى تصنيف للأشخاص، لأن القانون بطبيعته يقبل الرأي والرأي الآخر، ويحتكم في النهاية إلى المؤسسات المختصة بالحسم. واليوم بعد عرض كافة الآراء ستكون كلمة السلطة التشريعية هي الكلمة الفيصل بعد المفاضلة بين الآراء.
بين قوة الحجة وإبهار المصطلح
ليس جديداً في الكتابة القانونية أن يلجأ بعض الكتّاب إلى إغراق مقالاتهم بعبارات لاتينية، بما يوحي للقارئ غير المتخصص أنه أمام حقيقة قانونية لا تقبل النقاش. والواقع أن استعمال المصطلحات اللاتينية، بصورة متعمدة، لا يمنح الرأي قوة إضافية، تماماً كما أن كتابة معادلة رياضية باللغة اليونانية لا تجعلها أكثر صحة.
إن قيمة الرأي القانوني لا تقاس باللغة التي يكتب بها، ولا بعدد المصطلحات الأجنبية التي يتضمنها، ولا بأسماء الفقهاء الأجانب الذين نستشهد بهم، وإنما بسلامة المنطق القانوني، وانسجامه مع النصوص، وقدرته على إقناع القارئ المتخصص وغير المتخصص.
لقد رسخت كليات الحقوق، عبر مناهجها وأساتذتها، فكرة مؤداها أن الفقيه الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات اللاتينية التي يحفظها، ولا بعدد الفقهاء الذين يقتبس منهم، بل بقدرته على تحويل أكثر القضايا القانونية تعقيداً إلى فكرة يفهمها القاضي، ويقتنع بها رجل القانون، ويستوعبها المواطن العادي.
وليس من وظيفة الفقيه القانوني أن يبهر الجمهور بالمصطلحات، بل أن يبسط الفكرة القانونية دون أن يخل بدقتها. وقد علّمنا أساتذتنا الكبار الذين رحلوا أن الاقتباس اللغوي لا يغني عن التحليل، وأن الاستشهاد لا يغني عن إقامة البرهان، وأن هيبة الرأي تستمد من منطقه لا من لغته.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المصطلحات القانونية المتخصصة عندما يكون استعمالها ضرورياً، وإنما التنبيه إلى أن قوة الحجة تستمد من سلامة بنائها قبل لغة عرضها.
النص القانوني يسمو على الأسباب الموجبة
من هنا، أجد نفسي مضطراً إلى التذكير بمبدأ قانوني بديهي، لا بد لمن يسعى إلى التعليق على النصوص أن يلتفت إليه، وهو أن العبرة في تفسير القانون تكون أولاً للنص الذي أقره المشترع، لا للأسباب الموجبة التي رافقت اقتراحه.
ولا خلاف بين فقهاء القانون على أن الأسباب الموجبة تؤدي دوراً تفسيرياً مهماً عندما يكتنف النص غموض أو لبس، لكنها لا تنشئ قاعدة قانونية مستقلة، ولا يجوز أن تعلو على النص الذي يقره المجلس النيابي.
فالأسباب الموجبة، وإن كانت أداة تفسيرية ذات قيمة عند قيام الغموض، فإنها لا تستطيع أن تنشئ حكماً لم يرد في النص، ولا أن تلغي حكماً قرره المشترع صراحة. لذلك، فإن النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على مضمون التعديل المقترح، لا على الانطباعات التي قد تستخلص من الأسباب الموجبة، مهما بلغت أهميتها.
في هذا السياق، أجد من المفيد الإشارة إلى أن الرأي الذي أبديته بشأن تقصير مدة الولاية، والذي فُهم، لدى البعض، على أنه تنازل عن الموقف الأساسي، ليس رأياً معزولاً، بل يلتقي، في جوهره، مع الرأي الذي أبدته الحكومة استناداً إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات، وهو ما يدل على أن المسألة ليست مجرد موقف شخصي، وإنما قراءة قانونية لها سندها المؤسسي، تناقش الشأن التشريعي من زاوية الاحترافية لا من الزاوية العاطفية أو الشخصية، مع بقاء المجال مفتوحاً أمام كل اجتهاد قانوني مخالف.
إن الإقرار بضعف الأسباب الموجبة الواردة في أي قانون، لا يعني الإقرار بعدم دستورية النص أو بعدم مشروعيته، لأن تقييم جودة الأسباب الموجبة يختلف عن تقييم مدى استيفاء النص لشروطه الدستورية والقانونية.
أزمة الاحتراف التشريعي في لبنان
ما سبق لا يعني أن العمل التشريعي في لبنان بمنأى عن النقد بل على العكس تماماً.
فمن يتابع الواقع التشريعي اللبناني، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن أحد أبرز مكامن الخلل يتمثل في ضعف الاحتراف التشريعي، سواء على مستوى الصياغة، أو التنسيق بين النصوص، أو إعداد الأسباب الموجبة، أو حتى في طريقة مناقشة مشاريع القوانين داخل اللجان النيابية.
إن هذا النقد لا يطال اقتراحاً بعينه، بل يكاد يكون سمة عامة يعرفها كل من عمل في التشريع أو القضاء أو التعليم القانوني. ومن هنا، فإن الدعوة إلى تحسين الصياغة التشريعية ليست انتقاداً لمشروع معين، بل هي دعوة مؤسساتية إلى تطوير الثقافة التشريعية نفسها، لأن جودة النصوص هي المدخل الطبيعي إلى جودة التطبيق.
ولعل أول خطوات الإصلاح التشريعي تتمثل في الانتقال من تشريع ردود الأفعال إلى تشريع السياسات العامة، حيث تبنى النصوص على دراسات الأثر، لا على الظروف الآنية أو الاصطفافات السياسية.
عندما تتحول النصوص إلى هويات
أما من الناحية السوسيولوجية، فإن أكثر ما يلفت النظر في هذا النقاش هو سرعة انتقاله من مناقشة النصوص إلى استحضار الانقسامات ذات الخلفيات الشخصية والطائفية والسياسية. وهذه، في رأيي، إحدى المشكلات البنيوية التي نعاني منها في الحياة العامة اللبنانية.
فبدلاً من أن نسأل: هل يحقق هذا النص المصلحة العامة؟ ننتقل سريعاً إلى سؤال آخر: لصالح من يصدر هذا النص؟
هكذا تتحول القراءة القانونية إلى قراءة هوياتية، ويصبح الانتماء السياسي أو الطائفي معياراً للحكم على النص قبل قراءته، فتتراجع الموضوعية لمصلحة الاصطفاف. وتصبح هوية صاحب الاقتراح أو من يمكنه الاستفادة من مضمونه أهم من مضمون الاقتراح نفسه، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي نقاش تشريعي في مجتمع تعددي.
هل كل قانون يستفيد منه شخص يصبح قانوناً ظرفياً؟
من أكثر المفاهيم التي دار حولها كثير من الجدل في هذا النقاش العام هو مفهوم “القانون الظرفي”. فليس كل قانون يترتب عليه أثر مباشر على شخص أو مجموعة أشخاص يصبح قانوناً استثنائياً أو قانوناً ظرفياً بالمعنى الفقهي. فالعبرة ليست بتاريخ صدور القانون، ولا بعدد الأشخاص الذين قد يستفيدون منه عند صدوره، وإنما بمدى تجريده وعموميته وقابليته للتطبيق على كل من تتوافر فيه شروطه، اليوم أو مستقبلاً.
فإذا عدل المشترع شروط الترشح لمنصب عام، فإن كل من تتوافر فيه تلك الشروط يصبح مخاطباً بالنص، بمن فيهم من يشغل المنصب حالياً، ما لم ينص القانون صراحة على استبعاده. أما القول إن مجرد استفادة شخص من تعديل تشريعي يجعل القانون ظرفياً، فهو معيار لا يستقيم مع كثير من التشريعات التي تنظم شروط التعيين أو الانتخاب أو التقاعد أو الولاية.
ولو أخذ بهذا المعيار، لأمكن الطعن بمعظم القوانين التي تعدل شروط التعيين أو الانتخاب أو الولاية، لأن لكل تعديل، بطبيعته، مستفيداً أول يتوافر فيه شرط التطبيق.
العبرة في نهاية المطاف ليست بوجود مستفيد أول من النص، وإنما بكون النص قابلاً للتطبيق، متى توافرت شروطه، على كل من يدخل في نطاقه مستقبلاً، وهو ما يميز القاعدة العامة والمجردة عن التشريع الموجه إلى شخص بعينه.
المرشح والحكم وتكافؤ الفرص
هذا الوصف يفترض، ابتداءً، أن رئيس الجامعة يملك سلطة قانونية على الجهة التي تختار المرشحين أو تصدر قرار التعيين، وهو افتراض يحتاج إلى إثبات لا إلى إطلاق. فالتأثير السياسي أو المعنوي، إن وجد، لا يرقى بذاته إلى إنشاء مانع قانوني من الترشح ما لم يقرره النص صراحة.
ولو أخذ بهذا المنطق على إطلاقه، لأصبح النص الذي أجاز إعادة الترشح فاقداً لجزء كبير من مضمونه العملي، لأن مجرد شغل المنصب سيغدو، بحد ذاته، سبباً مانعاً من ممارسة الحق الذي قرره القانون، وهو ما يستوجب نصاً صريحاً لا اجتهاداً.
وهنا يبرز موضع الاختلاف الحقيقي في هذا النقاش، فهو اختلاف في فهم الأثر القانوني للنص وفي تقدير نتائجه القانونية، لا في احترام الدستور أو المبادئ العامة، ولا في سلطة المشترع على تعديل القوانين.
إن مبدأ تكافؤ الفرص لا يعني إزالة كل تفاوت واقعي بين المرشحين، وإنما ضمان خضوعهم للقواعد القانونية ذاتها. وإلا لكان كل شاغل لمنصب عام ممنوعاً من الترشح لأي منصب لاحق بسبب ما راكمه من خبرة أو حضور أو علاقات خلال ممارسته لوظيفته.
الاستفادة من التجارب الناجحة ليست تبعية
عندما دعوت إلى الاستفادة من القوانين المعتمدة في الجامعات الرسمية الرائدة حول العالم، أو من أنظمة بعض الجامعات الخاصة الناجحة في لبنان، لم يكن القصد إجراء مقارنة ميكانيكية بين مؤسسات تختلف في الحجم والموارد والبيئة الاجتماعية.
بل كان المقصود الاستفادة من التجارب التي نجحت في بناء ثقافة مؤسساتية قوامها الانتماء، واستقلالية القرار الأكاديمي، والمساءلة، واستمرارية الإدارة.
فالاستفادة من التجارب الناجحة ليست تقليداً أعمى، بل هي من أبسط قواعد الإدارة الحديثة، وهي دليل على الثقة بالنفس لا على غيابها.
الرأي مسؤولية قبل أن يكون حقاً
من الظواهر اللافتة أيضاً في النقاش العام، ازدياد المقالات أو البيانات أو التعليقات التي تصدر تحت مسميات عامة أو عناوين فضفاضة، من دون أن يُعرف صاحب الرأي الحقيقي أو صفته أو مدى ارتباطه بالموضوع الذي يناقشه.
ولا يتعلق الأمر هنا بحرية استعمال اسم مستعار، فلكل إنسان أسبابه وظروفه، وإنما بقيمة الرأي في النقاش العام. فكلما كان صاحب الرأي معروف الهوية والاختصاص، أصبح القارئ أكثر قدرة على تقييم خلفيته العلمية وخبرته العملية، وبالتالي تقدير القيمة الموضوعية لما يطرحه.
ولا يكفي، في تقديري، أن يحمل البيان عنوان “تجمع” أو “رابطة” أو “هيئة” حتى يفترض القارئ تلقائياً أنه يعبر عن جميع المنضوين تحت هذا العنوان، ما لم تكن طبيعة هذا التمثيل معلنة وواضحة.
في الحياة الأكاديمية، كما في العمل القانوني، لا تستمد الآراء قوتها من غموض مصدرها، بل من وضوح صاحبها، واستعداده لتحمل المسؤولية الفكرية والأخلاقية والقانونية عما يكتب. فالموقف الذي يستحق الاحترام هو ذاك الذي يقف صاحبه خلفه باسمه وصفته، لا أن يختبئ وراء لافتة قد لا يعرف أحد من منحها حق الحديث باسم جماعة أو مؤسسة.
وفي الحياة الأكاديمية، تكتسب الفكرة قوتها عندما يكون صاحبها مستعداً للدفاع عنها باسمه وصفته، لأن المسؤولية عن الرأي هي الوجه الآخر لحرية التعبير.
بين القانون والسياسة
ليس كل ما هو سياسي مخالف للقانون، كما أن ليس كل ما هو قانوني بمنأى عن النقاش السياسي. فالتشريع بطبيعته يلتقي فيه القانون بالسياسة، لأن البرلمان يمارس وظيفة سياسية عند سن القوانين، ولكنه يبقى ملزماً في الوقت نفسه باحترام الحدود الدستورية.
ومن هنا، فإن الخلاف السياسي حول خيار تشريعي يبقى مشروعاً، لكنه لا يتحول إلى خلاف دستوري إلا إذا قام الدليل على مخالفة النص للدستور، لا لمجرد الاختلاف حول ملاءمته.
في الأنظمة الديمقراطية، يبقى الاختلاف حول الخيارات التشريعية أمراً طبيعياً، ما دام يحتكم إلى المؤسسات الدستورية.
قد يقر مجلس النواب هذا الاقتراح، وقد يرفضه، وفي الحالتين ستبقى الجامعة اللبنانية هي الرابح الحقيقي إذا كان النقاش الذي سبق القرار قد احترم المؤسسات، وارتقى إلى مستوى الأفكار، وابتعد عن الشخصنة.
فالجامعة لا تختزل برئيس، كما لا تختزل بمعارضيه أو مؤيديه، وإنما تستمد قوتها من قدرتها على استيعاب الاختلاف ضمن إطار القانون.
القانون لغة العقل لا لغة السجال
أختم بالقول إنني لا أكتب دفاعاً عن اقتراح قانون، ولا عن شخص، ولا عن موقع، بل دفاعاً عن حق المجتمع في أن يسمع أكثر من رأي، وأن يقرأ أكثر من اجتهاد، وأن يقتنع بالحجة لا بالانفعال.
فقد يختلف القانونيون في تفسير النصوص، وقد يختلف الأكاديميون في إدارة الجامعات، وقد يختلف السياسيون في الخيارات التشريعية، لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن احترام الرأي الآخر لا يعني الامتناع عن نقده، كما أن نقد الرأي لا يبرر الانتقاص من صاحبه.
فالقانون، في نهاية المطاف، ليس ميداناً للانتصار الشخصي، بل مساحة دائمة للبحث عن الحل الأقرب إلى العدالة والمصلحة العامة.
سيظل القانون، في نظري، لغةً للعقل قبل أن يكون أداةً للخصومة، ومنهجاً للحوار قبل أن يكون وسيلةً للغلبة. فإذا كان القانون قد وجد لتنظيم الاختلاف، فإن لغة القانون وجدت لتهذيب هذا الاختلاف، لا لتحويله إلى سجال.
ويبقى الحسم، في نهاية المطاف، للمجلس النيابي، بوصفه السلطة الدستورية المختصة بالتشريع. فإن أقر الاقتراح أصبح جزءاً من المنظومة القانونية الواجبة الاحترام، وإن رفضه بقي القانون النافذ على حاله. وفي الحالتين، يبقى احترام المؤسسات الدستورية والاحتكام إلى القانون الضمانة الحقيقية لاستمرار النقاش العام ضمن حدوده الطبيعية، بعيداً عن الشخصنة والانفعال.

د. جاد طعمه
أستاذ مادتي «سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد» و«التشريعات الداخلية لمكافحة الفساد» فيكلية الحقوق – الجامعة اللبنانية، وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني.
