مفهوم الأخبار الكاذبة… ولا توقيف احتياطي

وماذا عن مذكرات الإحضار وبلاغات البحث والتحري واحتجاز المشتبه فيه؟

في مقالة سابقة، أثرتُ مسألة وجوب صياغة القوانين بصورة واضحة، حتى لا تترك مجالًا للتفسير والتأويل، وحتى لا تصدر قرارات غير موحّدة ولا تستند إلى اجتهاد ثابت. وتشمل هذه المسألة، طبعًا، قانون الإعلام الجديد، الذي لم نطّلع على كامل مضمونه، بل على المادة 104 وما يليها، والتي أثارت لغطًا واحتجاجات. كما علمنا أن القانون منع التوقيف الاحتياطي، وأنه اقتصر على قضايا المطبوعات دون وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ومنصة «إكس» (تويتر سابقًا) وغيرها.

من هنا، فإن بحثنا يقتصر على مسألتَي اختلاق الأضاليل والأخبار الكاذبة، والتوقيف الاحتياطي.

أولًا: كنا ولا نزال نقول إن التشريع يجب أن يكون مسبوكًا جيدًا، شكلًا وأساسًا؛ إذ لا يجوز أن تكون النصوص غامضة ومبهمة ومطّاطة، وأن تترك المجال للتفسير والتأويل، خصوصًا إذا كان بعضها ينص على عقوبة الحبس.

صحيح أن القوانين لا تستطيع أن تلحظ جميع الحالات التي تتناولها، إلا أن ذلك لا يعني تعذّر صياغتها بصورة واضحة. إذ يمكن، مثلًا، التحدث عن الخبر الكاذب، والقول: «يُقصد بالخبر الكاذب، في معرض تطبيق هذا النص، الخبر الذي يرد في الوسيلة الإعلامية وينسب فيه الكاتب وقائع أو أفعالًا تشكّل جرائم جزائية في حال حصولها». أما الأخبار الكاذبة العادية، فيمكن إرسال تصويب أو تصحيح بشأنها، وعلى الوسيلة الإعلامية نشره في المكان ذاته والمساحة ذاتها. أما إذا كان الخبر كاذبًا ومؤذيًا، فيمكن طلب تصحيحه من جهة، وتقديم دعوى مدنية للمطالبة بالعطل والضرر من جهة أخرى.

وسوف نشرح لاحقًا الفرق بين الأنواع الثلاثة، مع إعطاء أمثلة عنها.

ثانيًا: يحتاج التشريع إلى الخبرة والعلم والواقعية لمواكبة متطلبات العصر؛ فالعلم يركض، وعلينا مواكبته، وإلا سبقنا القطار، وبقينا متمسكين بنصوص قديمة لا تتضمن مواد تواكب التطورات الحديثة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ومنصة «إكس» (تويتر سابقًا) وغيرها.

كما يحتاج التشريع إلى الصبر، وإلى عدم إصدار القوانين تحت وطأة التعب والانفعال والنقاشات الحادة، وبسرعة لا تتيح المجال لإجراء المناقشات ولفت النظر إلى النقاط الدقيقة؛ فيصدر القانون مبتورًا أو غير واضح، أو تتناقض بعض فقراته بعضها مع بعض، أو يأتي غير شامل.

ثالثًا: يجب الاستعانة بأصحاب الاختصاص المتمرّسين في المجالات القانونية، والذين سبق أن عالجوا ملفات تتعلق بالقانون المراد إصداره. فنستعين برجال القانون المتخصصين في القوانين التجارية والمدنية والجزائية، وكذلك برجال القانون المتخصصين في القوانين المالية، والأحوال الشخصية، وقوانين المطبوعات، كلٌّ بحسب القانون موضوع البحث.

فالقانون قد يدوم عشرين سنة أو خمسين سنة، ويشمل خمسة ملايين مواطن، خصوصًا القوانين المتعلقة بالإعلام والمطبوعات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، لا يمكن السماح بصدور قانون غير منطقي، يعرّض كل من يرغب في الكتابة للملاحقة، ولا سيما عند وجود كلمات أو عبارات مطّاطة.

رابعًا: لا يمكن القول إن هذا المسؤول أو ذاك يكفل عدم دخول الصحافي أو المحرر أو الكاتب إلى السجن؛ فالمسؤول قد يتغير من جهة، وحتى لو بقي في منصبه، فما صلاحياته؟ وهل يحق له التدخل في عمل القضاء؟

خامسًا: قيل لنا إن القانون منع التوقيف الاحتياطي. وسوف نتطرق، طبعًا، إلى هذه النقطة لدى بحثنا مسائل جوهرية لا يركز عليها إلا من كان ضليعًا في قضايا المطبوعات، وعانى بعض التصرفات التي سوف نشير إليها، خصوصًا ما يتعلق بمذكرات الإحضار، وبلاغات البحث والتحري، واحتجاز المشتبه فيه مدة معينة، وهي أمور سوف نفصّلها في بند لاحق.

سادسًا: وهنا تكمن المسألة المهمة والخطيرة. صحيح أن التوقيف الاحتياطي محظور، إلا أن الحبس غير محظور بموجب حكم نافذ. غير أن ما يجب التركيز عليه، كما أشرنا أعلاه، هو أن القاضي يستطيع إصدار مذكرة إحضار بحق المدعى عليه، كما يمكن إصدار بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه، ويمكن كذلك احتجازه مدة ثمانٍ وأربعين ساعة قابلة للتمديد مدة مماثلة.

ولندخل في التفاصيل: قليلون هم الذين يعلمون أن المدعي العام لا يصدر مذكرة توقيف، ولا يخلي سبيل المدعى عليه، وأن قاضي التحقيق، عندما يستمع إلى المدعى عليه، إما أن يتركه ـ ولنركز هنا على كلمة «يتركه»، لأن البعض يستعمل عبارة «يخلي سبيله» ـ وإما أن يصدر مذكرة توقيف بحقه. فإخلاء السبيل يكون بعد صدور مذكرة توقيف بحق المدعى عليه، أما إذا لم يوقفه القاضي، فإنه يتركه، ويُسمّى القرار الصادر في هذه الحالة «قرار ترك». وبالتالي، فإن التوقيف الاحتياطي يصدر عن قاضي التحقيق، وليس عن النيابة العامة التي، بعد إجراء التحقيق، إما أن تترك المدعى عليه، وإما أن تحيله موقوفًا أمام قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد.

أما في قضايا المطبوعات، فصحيح أن التوقيف الاحتياطي من قبل قاضي التحقيق غير مسموح به، وصحيح أن النيابة العامة لا يمكنها إحالة الصحافي أو المحرر أو حتى الكاتب، في قضية مطبوعات، موقوفًا، إلا أنه يجب النظر إلى أمور أخرى لا تقل خطورة في هذا المجال.

فالمادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على إصدار بلاغ بحث وتحرٍّ من قبل النيابة العامة في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه، أو في حال جهل محل إقامته، على أن يتضمن البلاغ كامل هويته والجرم المسند إليه. كما أن هذا البلاغ يسقط حكمًا بعد مرور عشرة أيام من تاريخ صدوره، إلا إذا قرر النائب العام تمديده مدة ثلاثين يومًا، يسقط بعدها حكمًا.

كما تنص المادة 47 من القانون عينه على احتجاز المشتبه فيه في النظارة، بقرار من النيابة العامة، مدة لا تزيد على ثمانٍ وأربعين ساعة، يمكن تمديدها مدة مماثلة لمرة واحدة فقط، بناءً على موافقة النيابة العامة.

فهل انتبه أحد إلى هذه الأمور؟ إن الإحضار، وبلاغ البحث والتحري، والاحتجاز مدة معينة، لا تُعدّ توقيفًا احتياطيًا بالمعنى القانوني؛ أي إن التوقيف الاحتياطي يصدر عن قاضي التحقيق، ولا تدخل الأمور الأخرى ضمن مفهوم هذا التوقيف. فكيف نعالج هذه النقطة؟

عندما يتقدم أحدهم بشكوى أمام النيابة العامة، فتحيلها إلى المرجع الأمني للتحقيق، سواء أمام الدرك أو رجال التحري أو غيرهم، ماذا يحصل؟ يُرسل طلب إلى الصحافي أو الإعلامي أو الكاتب للحضور، وقد يمكث في المخفر ساعات عدة أو وقتًا أطول، كما أشرنا أعلاه، قد يصل إلى ثمانٍ وأربعين ساعة قابلة للتمديد مدة مماثلة. وهذا ليس توقيفًا احتياطيًا؛ بل هو استدعاء للاستماع إليه، وأخذ إفادته، وإجراء مقابلة بينه وبين آخرين، مثلًا. فهل يمكن القبول بهذه التصرفات؟

قديمًا، وخلال حرب السنتين، كان مكتب المحامي والوزير ميشال إده في كليمنصو، في غرب بيروت. وكان كلما مرّ على أحد الحواجز يصرخون في وجهه ويقولون له: «صفّ على اليمين». وبعد وقت ليس بقصير، يأتي من يعتذر منه قائلًا: «ما تواخذنا يا معالي الوزير، هذه عناصر غير منضبطة». إلى أن ضاق ذرعًا ذات مرة، فقال لرئيس الحاجز: «يا أخي، ما منشوف إلا العناصر غير المنضبطة. حرقة بقلبي أتعرّف إلى العناصر المنضبطة!».

وهناك مثل معروف يعود إلى أيام العثمانيين، حين كانوا يصادرون الجمال لنقل المعدات والبضائع. وعندما هرب الواوي، سألوه: «لماذا تهرب، والمطلوب الجمال وليس أنت؟». فأجابهم: «حتى يعرفوا إذا كنت واوي أو جمل، بتكون راحت عليّي!».

صحيح أنه لا توقيف احتياطيًا في قضايا المطبوعات، ولكن يجب أيضًا عدم إصدار مذكرات إحضار وبلاغات بحث وتحرٍّ بحق الصحافيين والإعلاميين والكتّاب، وعدم الاستماع إليهم في المخافر، بل حصر الاستماع إليهم بالمدعي العام أو المحامي العام المكلّف. هذا إذا لم نطلب تعديلًا آخر يقضي بحصر حضور المدعى عليه، في دعاوى المطبوعات، أمام محكمة المطبوعات. وبالتالي، إما أن تُقدّم الشكوى مباشرة أمامها، وإما، إذا قُدّمت أمام النيابة العامة، أن تحيلها النيابة فورًا إلى محكمة المطبوعات، التي تقوم بما يقتضي القيام به.

سابعًا: إذا دخلنا في تفاصيل المادة 104 من القانون الجديد، نجد أن هذه المادة تتحدث عن الأخبار الكاذبة والمؤذية، وتنص على عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، أو على الغرامة.

أ- تتحدث المادة عن الأخبار الكاذبة، وتتحدث كذلك عن الأخبار الكاذبة والمؤذية. وقد يأتي، غدًا، من يفسرها على النحو الآتي: لو أراد المشترع التحدث عن الأخبار الكاذبة المؤذية، لكان كتب عبارة «الكاذبة المؤذية»، لكنه كتب «الكاذبة والمؤذية».

ب- فما الفرق بين هذه الأنواع؟ في ما يأتي بعض الأمثلة:

1- الأخبار الكاذبة: هي الأخبار غير الصحيحة، وقد لا تكون مؤذية، أو قد تكون، كما نقول بالعامية، «بلا طعمة». كأن أقول: «شاهدت فلانًا اليوم في السوبرماركت»، أو «رأيته يقف أمام مكتبه». قد يكون هذا الخبر كاذبًا بمعنى أنه غير صحيح، ويمكن لمن كُتب عنه الخبر أن يرسل توضيحًا يفيد بأن هذا الخبر غير صحيح.

2- الأخبار الكاذبة والمؤذية: قد تكون أخبارًا غير صحيحة ومؤذية، إلا أنها لا تنسب إلى الشخص الآخر جرمًا جزائيًا. كأن نقول: «رأيت فلانًا في الكازينو، في صالة القمار». فلعب القمار في الكازينو مسموح ولا يشكّل جرمًا جزائيًا. أو كأن نقول: «رأيت فلانًا في الحانة». فدخول الحانة لا يشكّل جرمًا جزائيًا، إلا أن الخبر قد يكون مؤذيًا. فالكاتب لا ينسب إلى الشخص الآخر جرمًا جزائيًا، إلا أنه ألحق به الأذى من جراء هذا الخبر.

يمكن للمشترع، في هذه الحالة، أن يعطي المتضرر الحق في إرسال توضيح، طبعًا، وإمكان تقديم شكوى أمام محكمة المطبوعات، إذا كانت لا تزال قائمة في القانون الجديد، أو أمام المحكمة المدنية المختصة، للمطالبة بالحكم له بالعطل والضرر فقط من جراء هذا الخبر الكاذب والمؤذي.

3- الخبر الكاذب المؤذي الذي ينسب فيه كاتب الخبر إلى شخص آخر جرمًا جزائيًا معاقبًا عليه قانونًا: كأن يقول إنه شاهده يسرق أو يزوّر أو يقتل… إلخ. ويمكن إعطاء مثال آخر، كأن يقول عنه إنه زار إسرائيل. فزيارة إسرائيل معاقب عليها قانونًا، لأنها دولة عدوة. فالخبر الكاذب هنا، وإن كان مؤذيًا، ينسب إلى الشخص الآخر جرمًا جزائيًا، هو زيارة دولة عدوة للبنان. وهنا يمكن للمشترع، مثلًا، أن يضع العقوبة المناسبة، لأن الأذى ليس معنويًا فقط، بل يتأتى كذلك عن نسبة جرم جزائي إلى المدعي المتضرر.

ثامنًا: إن هذا النوع من النصوص، وما يتضمنه من عقوبات، قد يحرم فئة كبيرة من الصحافيين والإعلاميين والكتّاب من الكتابة والتعليق والنقد، ما يحد فعليًا من الحرية الإعلامية وحرية الرأي اللتين يتغنى بهما البعض، ومنهم جماعة المجتمع المدني الذين يعتبر بعضهم نفسه قيّمًا على هذه الحريات، ويتحرك «على القطعة».

تاسعًا: سوف نتابع دراسة هذا القانون فور اطلاعنا على كامل مضمونه، ونفنّد بنوده ونشرحها، وقد ننتقده إذا صحّ أنه يجيز إنشاء نقابات جديدة.

عاشرًا: كلنا نعاني مما يرد في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية المنشأة حديثًا، والتي لا تراعي كرامات الناس وخصوصياتهم، وتنشر الأخبار السريعة غير الصحيحة والكاذبة والمؤذية، وتنسب جرائم جزائية إلى الآخرين من دون حسيب أو رقيب. ولكن هذا الأمر لا يجب أن يكون سببًا للتشدد ضد وسائل الإعلام التي تكتب ضمن حدود القانون.

حادي عشر: لقد تطرقنا، طبعًا، إلى الموضوع بصورة عامة، فتناولنا التشريع وأصوله، والمادة 104، والتوقيف الاحتياطي. أما بقية المواد، فلم نطّلع عليها حتى نبدي رأينا بشأنها. ولكن، على الأقل، يقتضي التحرك وعدم القبول بقانون ناقص وغامض ومبهم. وإذا لم يجرِ التحرك اليوم، فسوف يعاني الصحافيون والمحررون والكتّاب الأمرَّين.

اسألوا مجرّبًا، ولا تسألوا حكيمًا.

مقالات الكاتب

ناضر كسبار

نقيب المحامين السابق في بيروت.