بينما لا تزال نيران الحرب مشتعلة في أوكرانيا، وفي ظلّ الجمود الذي يلفّ مفاوضات وقف إطلاق النار، تواصل موسكو تصعيدها العسكري بخطوات محسوبة. هذا التصعيد لا يقتصر على الساحة الأوكرانية فحسب، بل يكشف عن استراتيجية روسية أوسع نطاقًا تمتدّ إلى عمق أوروبا.
في الأشهر الأخيرة، تزايدت التقارير عن خروقات جوية روسية متكرّرة، شملت طائرات حربية ومسيّرات اخترقت أجواء عدد من الدول الأوروبية. تحرّكات تُوصف بأنها «اختراقات متعمّدة»، لا يمكن اعتبارها مجرّد تصرّفات عشوائية أو ردود أفعال ارتجالية، بل رسائل استراتيجية تهدف إلى جسّ نبض الخصوم واختبار جاهزيتهم.
ويؤكد الكاتب الأميركي المتخصص في السياسة الدولية، جورج ويل، أن هذه الطلعات الجوية الروسية «ليست بريئة»، بل تمثّل جزءًا من خطة أوسع لتقييم ردود الفعل الأوروبية في حال اندلاع نزاع عسكري واسع النطاق. ويشير إلى أن دولًا مثل ألمانيا، بولندا، رومانيا، وإستونيا، تعرّضت بالفعل لتحرّشات روسية مباشرة، رغم النفي المتكرر من موسكو. وتتراوح الأهداف الحقيقية لهذه التحركات بين جمع معلومات استخباراتية، ومراقبة الجاهزية الدفاعية، واختبار مدى تماسك حلف الناتو وقدرته على اتخاذ قرارات موحّدة.
اختبار صبر الغرب… إرهاصات ما قبل العاصفة
رغم تكرار هذه الحوادث، تواصل الدول الأوروبية تصنيفها ضمن ما يُعرف بـ«الحرب الهجينة» أو «المنطقة الرمادية»، وهي مصطلحات تُستخدم لتجنّب الاعتراف بحقيقة أكثر خطورة: روسيا تخوض حربًا فعلية، حتى وإن لم تُعلن ذلك رسميًا، وفق تحليل ويل.
هذا التوصيف المتردّد يوفّر لموسكو هامشًا واسعًا للمناورة، ويُضعف قدرة الردع الغربية، ما يسمح لروسيا بالتحرك تكتيكيًا على أكثر من جبهة.
هل يكون انتصار روسيا في أوكرانيا مجرد بداية؟
في كتابه «إذا انتصرت روسيا»، يستشرف أستاذ السياسة الدولية في جامعة بوندسفير الألمانية، كارلو ماسالا، سيناريو افتراضيًا يرى فيه أن الحرب قد تنتهي عام 2028 بتدخّل دولي تقوده الصين والولايات المتحدة، حيث يُجبر الطرف الأوكراني على الاستسلام والتنازل عن أكثر من 20% من أراضيه مقابل ضمان حياد دائم. هذا السيناريو يثير تساؤلات عميقة حول ما إذا كان انتصار روسيا في أوكرانيا سيكون مجرد مقدمة لتحولات جيوسياسية كبرى تهزّ استقرار القارة الأوروبية والعالم.
ومع خروج أوكرانيا من المعادلة، يتوقّع ماسالا أن تبدأ موسكو تنفيذ خطوتها التالية: غزو مدينة نارفا الإستونية، الواقعة على الحدود، والعضو في حلف الناتو. ومن هناك، قد تمتدّ العمليات لتشمل دول البلطيق الثلاث، في محاولة لإعادة تشكيل الخارطة الأمنية والسياسية على حدود الحلف.
ويرى ماسالا أن موسكو تراهن على أن واشنطن لن تخاطر بخوض حرب كبرى دفاعًا عن مدينة صغيرة على أطراف أوروبا الشرقية، خاصة في ظلّ الضغوط الداخلية والدولية. وهذه هي جوهر الفلسفة الاستراتيجية الروسية: اللعب على حافة الحرب دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستفزّ الغرب إلى ردّ مباشر.
في هذا السياق، يطرح الكاتب الأميركي جورج ويل تساؤلًا جوهريًا: هل سيكون انتصار روسيا في أوكرانيا مجرد انطلاقة لمشروع أوسع يستهدف إضعاف الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة؟
يفتح هذا التساؤل المجال أمام مقاربات عدّة حول التداعيات الجيوسياسية لانتصار روسي محتمل في أوكرانيا، خاصة في ظلّ التوتر المتصاعد بين القوى الكبرى. إذ يرى ويل أن روسيا، في حال حققت انتصارًا في أوكرانيا، قد توظّف هذا الإنجاز لتوسيع نفوذها على الساحة الدولية، مستهدفةً النظام الغربي عمومًا، والولايات المتحدة على وجه الخصوص. فذلك الانتصار سيُعدّ إشارة على قدرة موسكو على تحدّي الهيمنة الغربية، بما يعزز موقفها التفاوضي ويجعلها أكثر جرأة في تنفيذ أجندتها الاستراتيجية، سواء على مستوى الأمن الأوروبي أو في مناطق أخرى كآسيا والشرق الأوسط.
ينطلق هذا التحليل من واقع أن روسيا، تحت قيادة بوتين، سعت باستمرار إلى إعادة رسم موازين القوى العالمية، سواء عبر سياساتها في أوكرانيا أو من خلال تعزيز تحالفاتها مع قوى غير غربية مثل الصين. وبناءً عليه، قد يُنظر إلى خسارة الغرب في أوكرانيا بوصفها بداية حملة أوسع تستهدف النظام الدولي القائم، الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ويستشهد ويل بلحظة رمزية خلال قمة «ألاسكا»، حين استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين باحتفاء بروتوكولي لافت، من دون تحقيق نتائج ملموسة؛ لتأتي بعدها موجة من التحركات الروسية الأكثر جرأة. في هذه الحادثة إشارة واضحة إلى أن موسكو تُدرك تردّد الغرب وتراهن عليه.
تصعيد غربي… وتوتر روسي: مناورات أم إرهاصات حرب؟
مع تفاقم التوتر بين موسكو والعواصم الأوروبية، تتصاعد المخاوف من أن التصعيد الراهن ليس مجرد استعراض قوة، بل ربما تمهيد لصراع أكبر مما كان متوقعًا. يعكس المشهد الدولي حالة قلق متزايدة في ظلّ تهديدات متبادلة وعمليات عسكرية روسية تتسارع على أكثر من جبهة.
ويرى عدد من المحللين العسكريين أن هذا التصعيد — بما يشمل التحركات الجوية، والهجمات السيبرانية، والدعاية الإعلامية — ليس مناورة عابرة، بل جزء من خطة روسية طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة. وفي حال تحقق نصر روسي حاسم في أوكرانيا، قد تنتقل المواجهة إلى صدام مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما ينذر بحرب واسعة في القارة الأوروبية.
التحركات الروسية لا تقتصر على إرسال رسائل سياسية، بل تشكّل خطوات مدروسة لاختبار صبر الغرب وقياس ردود أفعاله. في المقابل، غالبًا ما تأتي الردود الغربية مترددة وبطيئة، محكومة بحسابات سياسية وأمنية معقدة. هذا التردد قد يُفسَّر في موسكو على أنه علامة ضعف، ما يزيد احتمالات التصعيد، وربما الوصول إلى مواجهة مباشرة.
في هذا السياق، تبقى التساؤلات مطروحة حول ما إذا كان الغرب سيستمر في الالتزام بسياسة «الردّ المحدود»، أم سيجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ موقف أكثر حسمًا في مواجهة التهديدات الروسية المتصاعدة. فهل ما نشهده من مناورات عسكرية وتكتيكات إعلامية روسية هو مجرد محاكاة لصراع كبير قادم، أم أننا أمام إرهاصات حرب تضع العالم على أعتاب اختبار غير مسبوق في تاريخه الحديث؟
محاور التصعيد الروسي: قراءة تحليلية
في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الأوروبية، لم يعد التصعيد الروسي مجرد ردّ فعل على التطورات في أوكرانيا، بل أصبح جزءًا من استراتيجية مدروسة تستهدف إعادة رسم ميزان القوى العالمي. وفي ما يلي قراءة لأبرز محاور هذا التصعيد التي تكشف عن نوايا موسكو بعيدة المدى، وتثير تساؤلات جدّية حول مدى استعداد الغرب للمواجهة:
1- اختبار ردّ الفعل الغربي: تتجاوز التحركات الروسية حدود أوكرانيا لتشمل المجال الجوي الأوروبي، بغية اختبار الجاهزية الدفاعية والردعية للغرب. وتعتمد موسكو منهج «الخطوات المتتالية» مستفيدةً من التباينات داخل بنية حلف شمال الأطلسي لفرض واقع جديد.
2- الحرب الهجينة: غطاء أم تكتيك؟: الاعتماد على مفهوم «الحرب الهجينة» يخفي حقيقة أن موسكو تخوض حربًا فعلية تستخدم فيها أدوات عسكرية ومعلوماتية وسيبرانية في آنٍ واحد، بينما يتعامل الغرب مع ذلك تحت مظلة تسمية رمادية تُضعف من جدّية المواجهة.
3- سيناريوهات التوسع المحتمل: يشير السيناريو الذي يطرحه ماسالا إلى احتمال استهداف دول البلطيق بعد أوكرانيا، وهو ما يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الناتو على حماية أطرافه الأكثر هشاشة.
4- فلسفة الردع الغربية المتآكلة: الاستراتيجية الروسية تنطلق من قناعة بأن الغرب لن يخاطر بحرب شاملة من أجل دول «طرفية»، ما يمنح الكرملين هامشًا واسعًا لفرض أمر واقع جديد، من دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة داخل حدود الحلف… إلى حين الانفجار المحتمل.
إذن، هل نعيش فصول ما قبل الحرب؟
هذا سؤال يفرض نفسه في ظل التحولات المتسارعة على الساحة الدولية. إذا كانت الحروب عادةً ما تبدأ بإشارات خفية، فليس من المستبعد أن يكون ما نشهده اليوم مجرد الفصل التمهيدي لصراع أوسع. التحركات العسكرية الروسية المستمرة في العديد من الساحات، لا سيما في أوكرانيا، تقابلها ردود فعل غربية مترددة، تفتقر إلى استراتيجية واضحة لمواجهة هذا التهديد المتصاعد. هذه الديناميكية ترسم مشهدًا قاتمًا لمستقبل القارة الأوروبية.
إذا استمر الغرب في تجنب المواجهة المباشرة مع موسكو، وتجاهل ضرورة وضع خطوط حمراء واضحة، فقد يُنظر إلى صمته – الذي يراه البعض غيابًا للتصعيد – على أنه ضوء أخضر في أعين القيادات الروسية. من هنا، قد يُفسر هذا الصمت على أنه تشجيع لمشروع توسعي روسي جديد يتجاوز حدود أوكرانيا ويهدد الأمن الأوروبي بشكل أوسع.
في ظل هذا الواقع، تزداد التساؤلات حول ما إذا كنا بالفعل نعيش أجواء حرب باردة جديدة، وإن كانت تتطور تدريجيًا نحو اشتباك ساخن. هل نرى في الواقع ملامح حرب الغد؟ وهل سيكون الصمت الغربي أمام هذه التحديات الشرارة التي تشعل فتيل مواجهة روسية جديدة داخل أوروبا؟
التاريخ يعلمنا أن اللحظات الحاسمة غالبًا ما تتشكل عندما يعتقد الأطراف المتصارعة أن التهديدات والإشارات لا تتطلب رد فعل فوري. لكن هذا التردد قد يؤدي إلى كارثة لا يمكن تصوّر عواقبها. العالم اليوم يتوقف على ما سيقرره الغرب في هذه اللحظات الحرجة: هل سيواصل الالتزام بسياسة «الاحتواء»، أم سيختار مواجهة مباشرة مع موسكو لإنهاء هذا الوضع المتفاقم؟

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
