إن إغراء القوة العظمى باعتناق «القوانين الحديدية للعالم»، كما وصفها ذات مرة أحد كبار مستشاري البيت الأبيض، واعتماد استراتيجية قوامها أن «القوة تصنع الحق»، قد يكون شديد الجاذبية. وفي الواقع، باتت الجيوسياسة اليوم تتشكّل على نحو متزايد بفعل نمط أكثر أحادية وحركية من السياسة الخارجية. وكما كتبتُ سابقًا، أصبحت الولايات المتحدة جزءًا لا يتجزأ من هذا التوجّه، بعدما خلصت — ولو مرحليًا — إلى أن عناصر أساسية من النظام القائم على القواعد، الذي أنشأناه وحافظنا عليه، باتت تُشكّل قيدًا على القوة الوطنية أكثر مما تُشكّل أداة لممارستها.
لكن القوة الصلبة ليست بلا قيود. فثمة فارق كبير بين تنفيذ عملية «العزم المطلق» في فنزويلا وترحيل زعيم مثل نيكولاس مادورو — وهي عملية، على الرغم من تعقيدها، كانت محدودة الطموح — وبين محاولة إعادة رسم جغرافيا القوة عبر منطقة بأكملها من مسافة بعيدة. التجربة الأخيرة — عملية «الغضب الجارف» في إيران — تتكشف الآن في الزمن الحقيقي. ونتائجها تكشف بوضوح لا حدود القوة العسكرية فحسب، بل أيضًا حجم الفوضى التي كانت القواعد القديمة للعبة، رغم كل عيوبها، تحول دون انفجارها.
وفي حين يبدو الأمر أحيانًا وكأننا مجرد جمهور يشاهد برنامج تلفزيون الواقع «صفقة أم لا صفقة»، فإن للصراع الحالي مع إيران ثلاث تداعيات أوسع تستحق المتابعة الدقيقة: انعكاساته على حرية الملاحة، والابتكارات في مجال الحرب غير المتكافئة، والافتراضات الضمنية التي تقوم عليها التحالفات والشراكات.
لقد كان فرض حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي — ومهمة جوهرية للبحرية الأميركية — منذ الجهود المنسّقة في القرن التاسع عشر للقضاء على القرصنة. كما شكّل هذا المبدأ مصدر قلق رئيسيًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، منذ حرب الناقلات في الخليج العربي خلال ثمانينيات القرن الماضي.
كان مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا قبل بدء هذه المرحلة من الصراع مع إيران في شباط/فبراير. لكن تحولت إعادة فتحه القضية الأبرز ونقطة الخلاف المركزية في المفاوضات مع طهران. وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، ادّعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة كانت تمرّر بهدوء مئة مليون برميل من النفط عبر مضيق هرمز من دون أن يتم رصدها.
تبحر هذه السفن «في الظلام»، من دون أضواء أو أجهزة إرسال ملاحية، عبر المضيق تحت المراقبة اللصيقة للبحرية الأميركية. ومع تآكل القواعد القديمة، يبدو من المفارقات أن الولايات المتحدة باتت تستعير صفحة من دفاتر الصين وروسيا وكوريا الشمالية، بل وحتى إيران، التي كانت «أساطيلها المظلمة» المزعومة سبّاقة في اعتماد هذه الأساليب تحديدًا للالتفاف على العقوبات الأميركية والأممية.
ومع ذلك، فإن هذه العبوريات السرّية عبر المضيق — التي يُقال إنها تصل إلى نحو خمس عشرة ناقلة نفط وغاز يوميًا — تبقى متواضعة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، حين كان العدد يتجاوز خمسين ناقلة. وحتى لو عادت حركة العبور إلى مستوياتها الطبيعية، يبدو من المعقول، إن لم يكن مرجّحًا، أن يُفرض نوع من الرسوم (أو «الرسوم البيئية») على هذه السفن. وقد يتحول ذلك إلى درس مكلف في قيمة النظام القائم على القواعد، ولا سيما إذا انتقلت هذه الممارسة بالعدوى بوصفها أداة ردع أو نفوذ أو تمويل لدى دول أخرى حبِيت بجغرافيا تضعها على مفارق ممرات استراتيجية: إندونيسيا ومضيق ملقا، المغرب ومضيق جبل طارق، أو ربما حتى إنكلترا ومضيق دوفر، على سبيل المثال لا الحصر.
وهذا يقودني إلى التعقيد الثاني في هذه اللحظة الراهنة: مسألة الحرب غير المتكافئة. فالتفوّق التكنولوجي لا يضمن النصر العسكري. لقد شنّت الولايات المتحدة حملة ضربات واسعة ضد إيران، أسفرت عن أضرار جسيمة في قدراتها البحرية والصاروخية والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، فضلًا عن مقتل قادة في النظام، بينهم كبار الضباط العسكريين. وبحسب جميع المقاييس، كانت تلك حملة ناجحة من حيث القوة الجوية الحديثة. ومع ذلك، وحتى في حالتها الضعيفة، تمكّنت إيران، عبر استخدام طائرات مسيّرة وألغام وصواريخ منخفضة الكلفة نسبيًا، من إحداث فوضى في أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، وفي دول الخليج، وفي بعض الأصول العسكرية الأميركية المختارة.
لكن الإيرانيين ليسوا وحدهم من يبتكر في ميدان القتال. فكما في الحرب الروسية–الأوكرانية، عزّز الصراع مع إيران الحماسة المتزايدة للحرب الذاتية التشغيل، سواء كوسيلة لإبقاء الأنظمة الأعلى كلفة والأكثر عرضة للخطر في الاحتياط، أو كأداة لإبعاد الجنود عن خطوط النار.
أما التعقيد الثالث الذي يطرحه هذا الصراع فيتعلق بشبكة التحالفات والشراكات الواسعة للولايات المتحدة. فقبل عملية «الغضب الجارف»، كانت الولايات المتحدة تنشر نحو أربعين ألف جندي في ما لا يقل عن تسعة عشر موقعًا في أنحاء الشرق الأوسط. وكانت هذه القواعد تطوّق خصومها في المنطقة أو تحاذيهم، كما كانت تربط الدول المضيفة بالولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. وقد شكّل هذا الترتيب ركيزة أساسية لاستدامة الردع والنفوذ الأميركي في المنطقة.
إلا أنه عكس أيضًا عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب، تتولى الولايات المتحدة بموجبه توفير أمن حلفائها وشركائها مقابل استضافة القواعد. وقد تعرّض هذا العقد لاختبار قاسٍ في هذا الصراع، إذ كشفت الحرب الحالية أن هذه القواعد والتحالفات تجعل أصدقاء الولايات المتحدة أهدافًا كذلك.
وليس من المستغرب أن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة غير راضين عن تحوّلهم إلى أضرار جانبية، لا سيما في ظل ما يبدو تراجعًا في صلابة الالتزام الأمني المفترض. ففي عام 2019، أدى هجوم إيراني على منشآت أرامكو، من دون رد أميركي، إلى إحداث صدمة عميقة في السعودية. وفي الآونة الأخيرة، دأب الرئيس على التقليل من شأن الهجمات الإيرانية على أصول غير أميركية في الخليج، ما أثار مخاوف من أن الشراكة مع الولايات المتحدة قد تزيد من خطر التعرّض للهجوم، في اللحظة ذاتها التي يبدو فيها الالتزام الأميركي بأمن الحلفاء موضع اهتزاز.
وبناءً عليه، قد تخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب وهي تواجه احتمال تقلّص حقوقها في استخدام القواعد العسكرية، ولجوء حلفائها التقليديين إلى سياسات تحوّط — سواء عبر فتح الباب أمام قوى أخرى مثل روسيا والصين، أو من خلال عقد تفاهماتهم الخاصة مع إيران لضمان أمنهم، ولو على حساب المصالح والنفوذ الأميركيين.
والحال أنه مهما حملت المرحلة المقبلة، فإن تغيير قواعد اللعبة أمر، والفوز بها أمر آخر تمامًا.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
