كعكة الدولة: كيف تتقاسم منظومة الفساد لبنان؟

لا يمكن النظر إلى الفساد في لبنان بوصفه ظاهرة منعزلة أو سلوكًا أخلاقيًا فرديًا؛ فهو منظومة بيئية متكاملة «إيكوسيستم»، تتغذى فيها السياسة بالمال، والمال بالحماية، والقضاء بالإرادة السياسية، والإعلام بتشويه الوعي.

أولًا: القاعدة البنيوية: الطائفية والمحاصصة – «المحرّك الأبدي»

الفساد ليس خللًا في النظام اللبناني، بل هو، وفق هذا التحليل، إحدى غايات النظام ذاته. فنظام المحاصصة الطائفية جعل الدولة مجرد «كعكة» تُقسّم بين الطوائف؛ إذ إن أي منصب عام، سواء أكان في رئاسة الجمهورية، أم مجلس النواب، أم إحدى الوزارات والمديريات والأجهزة الأمنية، يُعامل بوصفه جزءًا من «مغانم» تُوزّع، لا «مرفقًا عامًا» يُدار.

وتجعل هذه القاعدة أي مساءلة لفاسد انتهاكًا لـ«حق الطائفة» في غنيمتها؛ لذا تتحول قضية الفساد من «ملف جنائي» إلى «صراع وجودي طائفي»، يدفع أقطاب الطائفة إلى الالتفاف حول المتهم، مهما كان حجم الأموال المنسوب إليه الاستيلاء عليها.

ثانيًا: درع الحماية المزدوج: الأحزاب والقضاء المشلول

تتكامل هنا الأدوار بين السياسي والقضائي:

  • لا تكتفي الأحزاب بحماية الفاسد، بل تدير أيضًا شبكة من «الزبائنية» توظف من خلالها مئات العائلات في مؤسسات الدولة، ما يجعل الموظف رهينة للحزب، والشاهد في قضية فساد خائفًا على مصدر رزقه وقوت يومه.
  • يخضع القضاء لـ«إرادة المحاصصة» في التعيينات والترقيات؛ لذا يتحول أحيانًا إلى أداة للتعطيل، من خلال طلبات رد القضاة، والتأجيلات المتتالية، وإطالة أمد الشكاوى إلى أن تسقط بمرور الزمن أو بالتقادم. والأدهى أن القانون المتعلق بإنشاء «محكمة جرائم الفساد الكبرى» قد صدر، لكنها لا تزال معطلة، ما يعني أن المتهم بالفساد يُحاكم أمام محاكم عادية قد لا تكون مهيّأة للتعامل مع تعقيدات ملفاته، وكأننا نضع جرّاح قلب في عيادة للأمراض الجلدية.

ثالثًا: الذراع الاقتصادية: قطاع الأعمال الخاص – «الشريك الصامت»

لا يمكن التعامل مع القطاع الخاص هنا بوصفه ضحية بريئة بالكامل؛ إذ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الرأسمالية الطفيلية

يشكّل بعض كبار رجال الأعمال والمصرفيين تحالفًا عضويًا مع الأحزاب. فهم يمولون الحملات الانتخابية، ويحصلون في المقابل على «احتكارات مدعومة»، تشمل استيراد المحروقات والأدوية، وعقود النفايات، وقطاع الاتصالات وغيرها.

كما اتُّهمت بعض المصارف بأداء دور أساسي في تسهيل تحويل أموال سياسيين وأصحاب نفوذ إلى الخارج، وإخفاء حسابات أو حجب المعلومات عنها تحت ذرائع مرتبطة بـ«السرية المصرفية».

الشركات الوهمية والهندسة المالية

تُستخدم الشركات الوهمية والهندسات المالية لتحويل الأموال عبر سلاسل معقدة، وصولًا إلى شراء عقارات في بعض المدن العالمية التي تسهّل الاستثمار العقاري.

وقد وردت اتهامات من هذا النوع في ملف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، حيث تتحدث التحقيقات والملفات القضائية عن استخدام شركات خارجية والاستيلاء على مئات ملايين الدولارات. وتبقى المسؤوليات الجرمية النهائية مرتبطة بما يصدر عن القضاء المختص من أحكام.

القطاع الخاص المنتج: المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

يمثل هذا القطاع الضحية الحقيقية؛ إذ يُجبر بعض أصحابه على دفع رشاوى تحت مسمى «تسهيلات» لإنجاز معاملاتهم، ويعانون من المنافسة غير المشروعة مع أصحاب الاحتكارات والمدعومين سياسيًا.

رابعًا: أدوات الإخفاء والتضليل: الإعلام والترهيب

لكي تبقى هذه المنظومة مستمرة، لا بد من تبريرها أمام الرأي العام:

الإعلام المروَّض

تمتلك الأحزاب قنواتها الإعلامية وجيوشها الإلكترونية، وتستخدمها لتحويل الأنظار عن ملفات الفساد والسرقة، من خلال إشعال أزمات جانبية أو استثمارها، كالتصعيد مع العدو الإسرائيلي، وأزمة النازحين، أو الأزمة الاقتصادية ذاتها.

كما تُستخدم هذه المنابر لتصوير المحققين والصحافيين والناشطين على أنهم «مضلِّلون»، أو «خونة»، أو «عملاء للخارج».

الترهيب

يتعرض الشهود والخبراء والمبلّغون للتهديد، ويُصار إلى تشويه سمعتهم قبل أن ينطقوا بحرف، ما يقتل أي مبادرة فردية للمحاسبة، ويجعل كشف الفساد مغامرة شخصية باهظة الكلفة.

خامسًا: تجسيد المنظومة في الشخصيات – الأسماء بوصفها شواهد حية

هذه الآليات ليست نظرية فقط، بل يُستدل عليها، وفق هذا الطرح، من خلال ملفات واتهامات طالت شخصيات بعينها:

رياض سلامة: «الذراع المالية»

يمثل رياض سلامة، وفق هذا التحليل، «الذراع المالية» للمنظومة. وقد وُجّهت إليه اتهامات بالاستيلاء على أموال وتحويلها عبر شركات خارجية، فيما أُخلي سبيله لقاء كفالة مالية في أحد الملفات.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن أي إدانة شاملة له قد تكشف شبكة واسعة من المصارف والسياسيين الذين يُشتبه في تواطئهم معه أو استفادتهم من السياسات المالية التي اعتمدها. وتبقى هذه الاتهامات رهن التحقيقات والأحكام القضائية النهائية.

نبيه بري: زعيم حركة أمل ورئيس مجلس النواب منذ عام 1992 – «حارس بوابة النظام»

يُعد نبيه بري أحد الأعمدة الأساسية في منظومة الحكم الطائفي، ويمتلك سلطة سياسية واسعة بوصفه «مهندسًا للتوافقات». ويرى منتقدوه أنه معنيٌّ بتعطيل أي إصلاح جذري، ولا سيما ما يتعلق بتفعيل محكمة جرائم الفساد الكبرى، فيما تُقرأ أي محاولة لملاحقته سياسيًا على أنها «مساس بالطائفة الشيعية».

كما وُجّهت إليه اتهامات بـ«استخدام منصبه لتحقيق مكاسب شخصية»، وبدعم سياسات قيل إنها ساهمت في إهدار المال العام، ومنها المواقف المتصلة بالتخلف عن سداد الديون السيادية، ودعم حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن تحالف حركة أمل مع حزب الله يمنحه غطاءً سياسيًا وأمنيًا يجعل محاسبته شديدة الصعوبة. وتحتاج هذه الاتهامات إلى الاستناد إلى وثائق وأحكام قضائية مثبتة قبل عرضها كوقائع نهائية.

وليد جنبلاط: الزعيم الدرزي والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي – «الحارس المتقلب»

يُعد وليد جنبلاط أيضًا من أركان منظومة الحكم الطائفي، وهو أحد الزعماء التقليديين الذين يتهمهم خصومهم بإدارة طوائفهم كإقطاعيات سياسية خاصة.

وقد وُجّهت إليه اتهامات باختلاس مئات الملايين، وصولًا إلى مليارات الدولارات، كما قيل إن وثائق وملفات أظهرت اسمه شريكًا في قضايا تمويل وفساد امتدت على مدى ثلاثين عامًا من المشاركة في الحكومات.

كذلك، اتُّهم بتوفير تمويل لحزبه بقيمة 120 مليون دولار من وزارة الأشغال. وعلى الرغم من خلافاته مع نبيه بري وسمير جعجع، يرى أصحاب هذا الطرح أن العلاقة بين هذه القوى تبقى ثابتة عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح المشتركة. ولا بد من توثيق هذه الأرقام والاتهامات بمصادر قضائية ورسمية قبل نشرها.

أمين الجميل: رئيس سابق للجمهورية اللبنانية ورئيس سابق لحزب الكتائب

يمثل أمين الجميل، بحسب هذا التحليل، حلقة أساسية في تاريخ الفساد المؤسسي في لبنان. وقد ارتبط اسمه بملفات واتهامات ما زالت تلقي بظلالها على الاقتصاد اللبناني.

ومن أبرزها قضية الجوازات اللبنانية، التي قيل إن عددها تراوح بين خمسة آلاف وثمانية آلاف جواز، واتُّهم ببيعها لمنظمة التحرير الفلسطينية وفلسطينيين في مقابل مبالغ مالية ضخمة. وقد صرّح نبيه بري بأنه يمتلك إثباتات تتعلق بهذه القضية.

كذلك، ذُكرت صفقة طائرات «البوما» الفرنسية، التي قيل إنه تبيّن لاحقًا أنها رومانية المنشأ، وأن تصنيعها كان قد توقف منذ عام 1981، فضلًا عن الاتهامات المتعلقة بانهيار الليرة وإهدار الاحتياطي، الذي تراجع من ثلاثة مليارات دولار إلى نحو 650 مليون دولار خلال عام 1984، نتيجة صفقات تسليح وعمولات وُصفت بالمشبوهة.

وتبقى هذه الوقائع والاتهامات بحاجة إلى مراجعة الوثائق الأصلية والملفات القضائية والتاريخية ذات الصلة.

سليمان فرنجية: رئيس تيار المردة – «حليف قوي تحت العقوبات»

يُعد سليمان فرنجية أحد أركان الإقطاعية السياسية ونظام المحاصصة. وقد ورد في النص أنه تعرض لعقوبات أميركية بتهمة استغلال نفوذه لعرقلة الاستقرار، وتلقي دعم مالي من حزب الله مقابل دعمه انتخابيًا.

كما قيل إنه استخدم ترشيحه لرئاسة الجمهورية ورقة ضغط لشل المؤسسات، وورد اسمه في اتهامات مرتبطة بتهريب المازوت والطحين عبر معابر غير شرعية.

وتحتاج المعلومات المتعلقة بالعقوبات والتمويل وعمليات التهريب إلى تحقق دقيق من لوائح العقوبات الرسمية والملفات القضائية قبل نشرها.

جبران باسيل: «السياسي المدعوم أميركيًا وعربيًا سابقًا»

يمثل جبران باسيل، وفق هذا الطرح، نموذج «السياسي المدعوم أميركيًا وعربيًا سابقًا». وهو أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها باتهامات الفساد السياسي في لبنان؛ إذ يرى منتقدوه أنه حوّل مناصبه الوزارية إلى أدوات لتعزيز نفوذه الشخصي والحزبي، مع بقائه بمنأى عن أي مساءلة داخلية فعلية.

كما ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بهدر أربعين مليار دولار في قطاع الكهرباء من دون تحقيق إنتاج فعلي ومستدام، فضلًا عن شركات وهمية ومشاريع وُصفت بالمشبوهة، وتوجيه أموال حكومية إلى أفراد مقرّبين، وشراء النفوذ من خلال استخدام صلاحياته لتعيين أصدقاء ومقرّبين في مناصب حساسة، بهدف تعزيز قاعدته السياسية.

وعلى الرغم من العقوبات الأميركية المفروضة عليه على خلفية اتهامات بالفساد، يواصل باسيل عمله السياسي، مستفيدًا من الغطاء الطائفي والسياسي الذي يوفره له حزبه، التيار الوطني الحر.

نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وسمير جعجع وآخرون في فضيحة «أبو عمر»

أظهرت فضيحة «أبو عمر»، وفق الرواية المتداولة، أن عددًا من كبار السياسيين كانوا على استعداد لتقديم تسهيلات وُصفت بالمشبوهة، ودفع مبالغ مالية طائلة لشخصية وهمية ادعت أنها اليد اليمنى لأمير سعودي، وذلك في مقابل الحصول على دعم سياسي.

ويكشف هذا الملف، وفق هذا التحليل، أن الجشع ليس حكرًا على فريق واحد، بل هو سمة مرتبطة بالنظام برمته. غير أن الأسماء والأموال والأفعال المنسوبة إلى كل طرف تحتاج إلى توثيق منفصل، وإلى إتاحة حق الرد للأشخاص المعنيين.

الحلقة الأكثر إحكامًا: لماذا يستمر هذا العبث؟

يكمن السبب الجوهري في أن جميع هذه الركائز الأربع، أي السياسة والقضاء والمال والإعلام، تدير ظهرها للإصلاح؛ لأن أي إصلاح حقيقي، كرفع السرية المصرفية، أو تفعيل محكمة جرائم الفساد، أو محاكمة الرؤساء والنواب والوزراء، يعني تفكيك شبكة المصالح التي تجعل من لبنان «جمهورية للمحاصصة».

إنها دولة يُمارس فيها الفساد بوصفه سياسة عامة، فيما تعني المحاسبة قلب الطاولة على الجميع، لا مجرد إزاحة فرد واحد.

الخلاصة

لا يكون حل الأزمة بتغيير وزير، أو إقالة حاكم مصرف، أو مدير عام، بل بـ«كسر حلقة التكامل بين السلطة السياسية ورأس المال الطفيلي». وهذا يتطلب:

  • ضغطًا دوليًا موجّهًا لكشف الحسابات الخارجية العائدة إلى السياسيين وكبار رجال الأعمال.
  • ثورة داخلية على العقد الطائفي، تبدأ بتجريد السلطة السياسية من صلاحية تعيين القضاة والتدخل في شؤونهم، وصولًا إلى إقرار قانون مدني للأحوال الشخصية يفصل الدين عن الدولة.

من دون ذلك، ستبقى الأسماء تتغير والآليات ثابتة، وسيستمر الشعب في دفع الثمن من خلال انهيار العملة، وهجرة العقول، وتجميد الودائع، فيما تواصل «آلة الفساد» عملها بكامل طاقتها ومن دون رادع.

مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.