تتواصل الحرب مع إيران ويتمدد نطاقها من بعض النواحي. كما أنها تتخذ مسارًا تحكمه الاعتبارات السياسية أكثر مما تضبطه العوامل الاستراتيجية. الواضح أن الصراع يتوسع مجددًا، جغرافيًا ومن حيث حدّته. أما الأمر الأقل وضوحًا، فهو الكيفية التي يمكن أن يستفيد بها أيٌّ من الطرفين الرئيسيين. والكلمة التي تتبادر إلى الذهن هنا هي: الإفراط في التمدد.
يصف مفهوم الإفراط في التمدد سياسةً تسعى إلى تحقيق أهداف أكثر مما ينبغي؛ أي سياسة غير واقعية، إما بسبب طبيعة الوضع القائم، وإما لأن إنجاز أهدافها يتطلب موارد تفوق تلك المتاحة. وهو موضوع متكرر في السياسة الخارجية الأميركية؛ إذ ينطبق على قرار التقدم شمال خط العرض الثامن والثلاثين خلال الحرب الكورية، في محاولة لتوحيد شبه الجزيرة الكورية بالقوة، كما على الحروب في فيتنام وأفغانستان والعراق، والآن في إيران.
تمارس الولايات المتحدة إفراطًا في التمدد في إيران، إذ لا توجد أدلة على أن شن المزيد من الهجمات سيؤدي إلى استسلام الأخيرة، أو تغيير النظام، أو إعادة فتح مضيق هرمز. كما أن هذه الهجمات لن تحل المشكلة التي تطرحها الطموحات النووية الإيرانية.
وينطوي شن المزيد من الهجمات، إضافة إلى تكاليفها المباشرة – التي تتراوح بين إحداث الاضطرابات في الأسواق المالية وأسواق الطاقة، وسقوط الضحايا، واستنزاف المخزونات الأميركية – على مخاطر استمرار الأعمال الانتقامية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمياه في المنطقة، فضلًا عن القواعد الأميركية والعسكريين الأميركيين. كما تتصاعد التكاليف السياسية والاقتصادية للحرب بسرعة. ويعود ذلك، إلى حد بعيد، إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
كنت قد اقترحت، قبل ما يزيد قليلًا على أسبوع، الشكل الذي ينبغي أن تتخذه السياسة الأميركية: تسريع الجهود الرامية إلى تقليص الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، وتحسين القدرات الدفاعية لشركائنا في الخليج من أجل الحد من تكاليف الرد الإيراني، وزيادة الضغوط الاقتصادية على إيران، والعودة إلى المفاوضات بهدف وضع سقف للأنشطة النووية الإيرانية، وبذل جهد جدي للتوصل إلى ترتيب مرحلي مقبول مع إيران بشأن إعادة فتح المضيق.
وقد يسمح مثل هذا الترتيب بفرض رسوم عبور، بما يتوافق مع مذكرة التفاهم التي أبرمتها إدارة ترمب، إذ ستقابل الإيرادات الناتجة منها باستمرار العقوبات. وفي الوقت الراهن، ينبغي لنا الإبقاء على الحصار الذي نفرضه على استخدام إيران للمضيق، باعتباره ورقة ضغط في المفاوضات.
ومن المثير للاهتمام أن إيران مذنبة، هي الأخرى، بالإفراط في التمدد. فقد حققت مكاسب كبيرة من هذه الحرب، وقد تحقق مكاسب إضافية من مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، لكنها تدفع ثمنًا باهظًا لاستمرار الحرب هذه.
ويتمثل كعب أخيل بالنسبة إلى النظام الإيراني في اقتصاده، حيث لا تستطيع طهران تحمّل تدمير بنيتها التحتية للطاقة والمياه إذا كانت تريد التعافي. كما أن تدمير البنية التحتية للآخرين لن يساعد إيران. وللقيادة الجديدة مصلحة في ترسيخ موقعها وتحويل تركيزها نحو التعافي الاقتصادي، إذا كانت لا تريد للاحتجاجات الداخلية أن تستأنف. فالانتقام المنفلت من كل قيد ليس استراتيجية بذاته.
المطلوب هو وجود قائد إيراني يستطيع الدفاع عن خيار وقف إطلاق النار، والعمل على تحويل ما حاربت إيران من أجله إلى مكاسب تخدم مصالح البلاد على المدى الطويل. وهناك سابقة بالغة الدلالة والقوة.
فقبل ثمانية وثلاثين عامًا، تراجع آية الله روح الله الخميني، في خطوة شهيرة، عن موقفه وقبل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، بهدف إنهاء الحرب مع العراق. ولم يكن ذلك سهلًا؛ فقد قال إن الإقدام عليه كان «أشد فتكًا من تجرّع كأس من السم»، لكنه أقدم رغم ذلك من أجل الحفاظ على ثورة عام 1979.
تكمن المشكلة في احتمال عدم وجود قائد مماثل في إيران اليوم. وليس مستغربًا، والحال كذلك، أن يتبين أن الاغتيالات الموجّهة التي تستهدف القيادات قد تتعارض مع إمكان إنهاء الحرب.
باختصار، سيكون كل من الولايات المتحدة وإيران في وضع أفضل إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وفق صيغة مقبولة للطرفين، والعودة إلى المفاوضات بشأن المسائل النووية، التي من شأن نجاحها أن يؤدي إلى تخفيف العقوبات الأميركية.
يستمتع الرئيس ترمب بأداء دور صانع السلام. لذلك، ينبغي له أن يبادر، وربما يستشهد حتى بسابقة الخميني في هذا السياق. إذ عليه أن يتحرك قريبًا، لأن دينامية التصعيد توشك على التغلب على لا منطقية هذا الأخير.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
