في لبنان، ثمة أشياء كثيرة يمكن تتبّعها بسهولة. يستطيع المواطن أن يعرف أين وصلت شحنته، وفي أي مرحلة أصبح طلبه الإلكتروني، ومتى سيصل الطعام إلى باب منزله، وحتى موقع السيارة التي طلبها عبر أحد التطبيقات. لكن ما إن يدخل إلى إحدى إدارات الدولة ويقدّم معاملةً رسميةً، حتى تبدأ قصة من نوع آخر.
يسلّم المواطن أوراقه، ويحصل على رقم أو إيصال، ثم يغادر معتقداً أنه أنجز ما عليه. بعد ذلك، تبدأ الرحلة الحقيقية: «المعاملة عند فلان»… «فلان مش موجود»… «بعدها بالتوقيع»… «راجعنا الأسبوع الجايي»… «ناقص ورقة»… ثم: «مين طلب منك هالورقة؟».
عندها، يكتشف المواطن أن معاملته دخلت عالماً غامضاً لا خرائط له ولا نظام لتتبّعه. فلا يعرف أين أصبحت، ولا في عهدة مَن باتت، ولا سبب توقفها، ولا الموعد المتوقع لاستكمالها.
وتكتمل المفارقة عندما يتحول المواطن نفسه إلى موظف متابعة. فهو الذي ينتقل من مكتب إلى آخر، ومن طابق إلى طابق، ومن إدارة إلى أخرى، باحثاً عن ورقة يُفترض أن تكون الإدارة المعنية قادرةً، قبل أي شخص آخر، على تحديد مكانها ومسارها.
رقم التتبّع… أبسط متطلبات الإدارة الحديثة
يبدو غياب رقم موحّد لتتبّع المعاملات أمراً مستغرباً في بلد لا يتوقف فيه الحديث عن التحول الرقمي، والحكومة الإلكترونية، وتبسيط الإجراءات، والحوكمة.
يفترض أن يكون المواطن قادراً على الدخول إلى موقع إلكتروني، وإدخال رقم معاملته، والاطلاع بوضوح على مسارها: تاريخ تقديمها، والقسم الذي وصلت إليه، والمراحل التي أُنجزت، والمستندات الناقصة إن وجدت، والجهة التي أُرسلت إليها للتوقيع، والموعد المتوقع لإنجازها.
غير أن الواقع مختلف. ففي كثير من الأحيان، يحتاج المواطن إلى «واسطة» أو إلى معرفة موظف داخل الإدارة، لمجرد الحصول على معلومة تتعلق بمكان معاملته. ويبقى أسير العبارة اللبنانية الأشهر في الإدارات العامة: «راجعنا بكرا».
المواطن لا يريد معروفاً… بل حقه
لا تقتصر المشكلة على التأخير، بل تمتد إلى الطريقة التي يشعر بها المواطن حين يدخل الإدارة العامة. فهو يجد نفسه في موقع طالب الخدمة أو المعروف، مع أنه يكون قد دفع الرسوم، وقدّم المستندات المطلوبة، واستوفى الشروط، وانتظر دوره.
وعلى الرغم من ذلك، يُضطر إلى السؤال والركض والمتابعة، وكأنه المسؤول عن إنجاز المعاملة، لا الإدارة التي تسلّمتها.
وهنا تبرز المسألة الأساسية: مَن يخدم مَن؟ هل الإدارة موجودة لخدمة المواطن، أم أن المواطن أصبح موجوداً لخدمة الإدارة؟
إن الإدارة العامة ليست جهة تمنح المواطنين خدماتها تفضّلاً، بل مؤسسة أُنشئت لتطبيق القانون وتسيير شؤون الناس وحماية حقوقهم. وما يطلبه المواطن ليس امتيازاً ولا معاملةً استثنائيةً، بل خدمة عامة دفع رسومها واستوفى شروطها، ومن حقه أن يحصل عليها ضمن مهلة واضحة.
المعاملة المتأخرة لها كلفة أيضاً
قد يستخف بعضهم بتأخير معاملة يومين أو أكثر، لكن أثر التأخير يتغير بحسب طبيعة المعاملة والحق المرتبط بها.
قد يكون المواطن بحاجة إلى إفادة للحصول على وظيفة، أو إلى ترخيص لافتتاح مشروع، أو إلى مستند لقبض مستحقاته، أو إلى معاملة مرتبطة بمريض أو مستشفى، أو إلى وثيقة يجب تقديمها ضمن مهلة قانونية محددة.
في مثل هذه الحالات، لا يعود التأخير مجرد خلل إداري عابر، بل قد يتحول إلى خسارة مالية، أو ضياع فرصة عمل، أو هدر للوقت، أو تفويت لمهلة، أو حتى ضياع حق.
كذلك، فإن الوقت الذي يهدره المواطن في التنقل بين الإدارات والمكاتب يشكّل كلفةً فعليةً، وإن كانت لا تظهر في الموازنات والحسابات الرسمية. فهناك ساعات عمل تضيع، وأجور نقل تُدفع، ومواعيد تتعطل، وأعمال تتأجل، فيما لا تحسب الإدارة شيئاً من ذلك.
التأخير بلا مساءلة
تزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون المعاملة مستوفيةً جميع الشروط، وتوجد مهلة مفترضة لإنجازها، لكنها تتأخر من دون سبب واضح.
في هذه الحالة، تغيب الإجابات المتعلقة بالمسؤولية. فلا يعرف المواطن، غالباً، اسم الموظف أو القسم الذي توقفت عنده معاملته، ولا يجد أمامه آليةً واضحةً للاعتراض أو الاستفسار، ولا يستطيع الوصول بسهولة إلى سبب التأخير أو المدة الإضافية المطلوبة.
كما لا تبدو هناك، في كثير من الإدارات، جهة تراقب بصورة منهجية عدد المعاملات المتأخرة، والمدة التي بقيت فيها كل معاملة لدى كل قسم، والأسباب التي حالت دون إنجازها ضمن المهلة.
وهكذا، تتحول المعاملة، بمجرد دخولها الإدارة، إلى ما يشبه كرة الثلج؛ يدفعها كل موظف نحو مكتب آخر، وتتنقل بين الأقسام إلى أن يكاد المواطن ينسى الغاية التي بدأ من أجلها هذه الرحلة.
الدولة الحديثة لا تجعل المواطن «ساعي بريد»
في الدول التي تحترم وقت المواطن وحقوقه، الاتجاه واضح: رقمنة، وتتبّع، وشفافية، ومساءلة.
أما اضطرار المواطن إلى حمل الملف بيده، والبحث عن الموظف المعني، والانتظار أمام الأبواب، وسؤال موظف عن آخر، فلا يدخل في مفهوم تبسيط الإجراءات أو تحديث الإدارة.
هذا، ببساطة، تحميل للمواطن كلفة ضعف الإدارة.
والمشكلة الأعمق أن المواطن اللبناني اعتاد هذا الواقع إلى درجة بات يعتبره طبيعياً. فهو يعرف العبارة قبل أن يسمعها: «راجعنا بكرا». ويعرف أيضاً أن كلمة «بكرا» قد تعني يوماً، وقد تعني أسبوعاً، وقد تمتد إلى شهر، وأحياناً لا يعرف أحد معناها أو مداها.
المطلوب ليس معجزة
لا يحتاج لبنان إلى اختراع نظام خارق أو إلى اجتراح حلول غير مسبوقة. فالمطلوب واضح وبسيط: رقم موحّد لكل معاملة، ونظام إلكتروني يبيّن تاريخ تقديمها، والمراحل التي تمر بها، والجهة الموجودة لديها، وسبب أي تأخير يطرأ عليها، والمهلة الزمنية المحددة لإنجازها.
وعند انتهاء المهلة من دون إنجاز المعاملة أو من دون وجود سبب قانوني واضح لتأخيرها، يجب أن تبدأ المساءلة تلقائياً، وألا يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الصمت الإداري.
بهذه الآلية، يصبح المواطن قادراً على معرفة مسار حقه، وتصبح الإدارة قادرةً على تحديد مسؤولياتها، كما تستطيع الجهات الرقابية قياس الأداء، وكشف مكامن التعطيل، ومحاسبة المقصّرين، وتطوير الإجراءات على أساس بيانات فعلية لا انطباعات عامة.
فالإدارة التي لا تستطيع أن تجيب المواطن عن سؤال بسيط مثل: «وين صارت معاملتي؟»، تجد نفسها أمام سؤال أكبر: كيف يمكن بناء دولة إلكترونية فيما لا نزال نبحث عن معاملة ضائعة بين المكاتب؟
في النهاية، لا يريد المواطن معاملةً خاصةً، ولا يبحث عن واسطة، ولا يرغب في أن يكون مضطراً إلى معرفة أحد داخل الإدارة. يريد فقط أن يعرف أين أصبحت معاملته، ولماذا تأخرت، ومتى ستُنجز، ومتى سيحصل على حقه.
وهذا، في دولة تحترم مواطنيها، ليس مطلباً كبيراً. إنه أبسط حقوق المواطن.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
