هيئة إعداد الدستور: تفريع السلطة مطلب لبناني حضاري وثقافي

في سياق مساعيها للانتقال الدستوري في لبنان، عقدت «هيئة إعداد الدستور» المنبثقة عن «جمعية صون حقّ التعبير» لقاءً عبر منصّة زووم، مساء الخميس 18 حزيران 2026.

جاء اللقاء تلبيةً لسؤالٍ يتكرر عن ماهية ومنافع «مبدأ تفريع السلطة»، الذي تنادي به هيئة إعداد الدستور، وتدعو إلى التنصيص عليه في دستور لبنان المرتجى.

خلال اللقاء، تمّ طرح المواضيع التالية:

1) تعريف «مبدأ تفريع السلطة» بحسب قاموس أوكسفورد

هو مبدأ ينصّ على أنّ السلطة المركزية يجب أن تكون لها وظيفة فرعية، بحيث تؤدي فقط المهام التي لا يمكن تنفيذها على المستوى الأكثر محلية.

2) ماهية مبدأ التفريع

هو أحد تطبيقات النظم اللامركزية، للتعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية على المستوى المحلي الأقرب للمواطنين، حيث تُنقل الصلاحيات والاختصاصات من السلطة المركزية إلى الهيئات المحلية.

3) غايات مبدأ التفريع

الغاية الأساس من مبدأ التفريع هي تمكين الإدارات المحلية، بما في ذلك تعزيز دور المجتمع الأهلي في تحقيق التنمية المحلية.

4) لماذا يولي مبدأ التفريع اهتمامًا بالهيئات المحلية

يولي مبدأ التفريع اهتمامًا بالهيئات المحلية، نظرًا إلى قدرتها الكبيرة على تلبية احتياجات المواطنين، وإلى تمتعها بفهم هذه الاحتياجات عن قرب، وبالتالي تمتعها بالكفاءة في تقديم الخدمات، وفي وقت سريع.

5) الموارد في سياق مبدأ التفريع

تُنزل الصلاحيات والاختصاصات من الحكومة المركزية إلى المستويات الدنيا، بحيث تُلبّى الاحتياجات المحلية بشكلٍ أفضل، عبر توزيع المهام على الهيئات المحلية الأكثر قربًا من المواطنين. ويرافق نقل الصلاحيات نقلُ الموارد المالية والوسائل الضرورية لتمكين الهيئات المحلية من أداء مهامها بفعالية.

وفي حال تجاوزت المهام قدرات وموارد المستوى الأدنى، يتمّ تصعيد المسؤوليات تدريجيًا إلى المستويات الأعلى، مثل اتحادات البلديات والمقاطعات.

6) الديمقراطية في سياق التفريع

يتيح تفريع السلطة إعمال الديمقراطية التشاركية والمباشرة، من خلال الاستفتاءات الشعبية، واستطلاعات الرأي، والاستبيانات. وكلّ ذلك يُعدّ في لبنان من المنسيات بسبب النظام المركزي الذي لا يتيح إلا الديمقراطية التمثيلية (نواب)، وليت تلك الديمقراطية التمثيلية العتيقة تخلو من عيوب التلاعب بقانون الانتخاب في لبنان، حيث يتمّ تفصيل القانون بهدف فوز الزعماء ومن يدور في فلكهم، بعيدًا عن المصلحة العامة التي ينبغي أن تسعى إليها الانتخابات، لاستيلاد مجلس نيابي يمثّل الإرادة الشعبية تمثيلًا صحيحًا.

7) الحقوق الاقتصادية في سياق التفريع

من شأن التنصيص على مبدأ تفريع السلطة في الدستور المرتجى أن يجعل الهيكل التنظيمي للدولة واضحًا للجميع، حكامًا ومحكومين، مما ينعكس وضوحًا في الحقوق والحريات، ولا سيما مع تفعيل الحق في الوصول إلى المعلومة. وعندها لا تعود السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وحدها تحت المجهر الشعبي، بل تصبح كل حقوق وحريات المواطنين، الفردية والجماعية، مصانةً بدرجة أكبر، وأبرزها الحقوق الاقتصادية، وذلك من خلال التنصيص في الدستور الجديد على «مجلس أعلى للمنافسة» و**«هيئة عامة لحماية المستهلك»**، وبيان آليات ضمان تمتع المواطن بحقوقه، بما في ذلك الحق في التنقل السليم والآمن والمنتظم، الذي يشكّل أهم عصب في الاقتصاد الوطني، وتاليًا في رفع مستوى رفاه الشعب.

8) حصرية السلاح من منظور تفريع السلطة

انعكس فشل الدولة في لبنان على كل مناحي الحياة، بما في ذلك الأمن. وقد اجتمع سبب داخلي وسبب خارجي للفشل الأمني في لبنان؛ فالسبب الداخلي هو غياب دستور يجعل اللبنانيين أمة، أما السبب الخارجي فهو وجود كيان عدائي توسعي على الحدود الجنوبية، مما أدى إلى ظهور سلاح خارج شرعية الدولة، تلك الشرعية المشوبة أصلًا بعيوب.

لذلك، فإن الكلام عن حصر السلاح دون الكلام عن الانتقال إلى دستور علمي وعصري يلحظ تفريع السلطة، هو كلام فارغ للاستهلاك الإعلامي، ولتكريس الاصطفافات التي تبقي الأزمة قائمة Status-quo.

9) تفريع السلطة واستدامة التنمية

رغم رداءة الدستور، أوشكت الدولة في لبنان أن تتمتع بقدرٍ من الشرعية في عهد الرئيس العصامي فؤاد شهاب، الذي حرص على تحقيق الإنماء المتوازن، وسعى بجدٍّ إلى مأسسة إدارة البلاد، وكذلك إلى توفير جميع شروط الحكم الصالح.

ولأجل تلك الأهداف النبيلة، استدعى الرئيس فؤاد شهاب، سنة 1959، الأب لوبريه، مدير مؤسسة إيرفيد، تلك المؤسسة الفرنسية التي تُعنى بالتدريب والأبحاث، والتي كانت تستعين بها منظمة الأونيسكو لدراسة سبل التنمية في بلدان العالم الثالث، وعُهد إليها بإجراء دراسات استقصائية في لبنان، وإجراء مسح شامل لجميع القدرات الطبيعية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية على كافة الأراضي اللبنانية، خلصت إلى اقتراح خطط ومشاريع وحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

وفي يومنا هذا، نسمع كثيرًا عن التنمية المستدامة، لكننا في الواقع لا نرى أي تنمية! وكأن الرئيس فؤاد شهاب أدرك باكرًا أن التنمية المستدامة (مسألة وظيفية) لا تتحقق دون تنمية إدارية مستدامة (مسألة بنيوية).

وللأسف، بدلًا من أن ينطلق قطار التخطيط وتنظيم الإنماء الشامل والمتكامل، وبدلًا من صياغة القوانين والمراسيم في كافة الميادين، وتحديد أوصاف وتوزيع المناطق ما بين صناعية وزراعية وسياحية، وبالرغم من أن بعثة إيرفيد حدّدت عشرين نقطة قطبية Centre Polaire تتركّز فيها الأنشطة الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، وبالرغم من أن البعثة صنّفت المناطق اللبنانية على صعيد المحافظات بين Zone وSous-Zone من أجل أن تكون متجانسة، وبالرغم من أن البعثة وضعت دراسات تُوّجت بخطة خمسية، إلا أن الفرحة لم تكتمل، والحلم لم يتحقق، بل تحولت مخرجات بعثة إيرفيد إلى فرصة ثمينة ضائعة، بسبب اصطدام مفهوم المواطنة والنزاهة بحتميات دستور لبنان الرديء، ولا سيما لجهة المكونات والمحاصصة والزبائنية.

ومن هنا، نلاحظ أن التنمية تشترط دولة مقتدرة وعصرية، وهذا يتحقق فعلًا مع دستور جديد يلحظ مبدأ تفريع السلطة، الذي يضفي فعالية على دور الدولة، ويعزز قدرات مختلف المناطق اللبنانية.

10) مبدأ تفريع السلطة بين علمي السياسة والإدارة

كما في الإدارة كذلك في السياسة؛ ففي الإدارة يخسر المدير صلاحياته إن لم يستخدمها، وكذلك في السياسة نجد أن الشعب، الذي هو مصدر شرعية السلطة وصاحب السيادة، يخسر تلك الصفة عندما لا يطالب بحقوقه وحرياته. ومن شأن مبدأ التفريع أن يوفّر الآليات، ليس فقط لممارسة المواطن حقوقه وحرياته، إنما أيضًا يرفع لدى المواطن، بفعل مبدأ التفريع، درجة الحافزية للمشاركة في الشأن العام للجميع، وعلى كل الصعد.

11) مبدأ تفريع السلطة كمظلة لمجموعة مبادئ

يستند مبدأ تفريع السلطة إلى عدة مبادئ توفّر مجتمعةً سمات الحكم الرشيد، وضرورات الدينامية السياسية، وأبرزها:

  • التدبير الحرّ، بما في ذلك صلاحية سنّ القوانين، فقد تسمح إحدى الإدارات المحلية بما لا تسمح به إدارة محلية أخرى، مثل الموت الرحيم، أو وهب الأعضاء، أو رفع الأذان، أو قرع الأجراس.
  • التدبير الأمثل، ولا سيما تبسيط الإجراءات الإدارية، وعدم تركيز الموارد رغم الطابع اللامركزي العام للبلاد.
  • التشاركية، أي تيسير وتحفيز جميع الأطياف للمشاركة في الشأن العام، بما يوفّر مردودًا أعلى، وينسج وشائج قوية بين أعضاء المجتمع.
  • الرضائية، حيث يشارك المقيمون في كل إدارة محلية في رسم الأهداف، ويضعون، بنتيجة حوار سليم في ما بينهم، سلّم أولوياتهم، مع تقسيم الأدوار وتوزيع المهام.

12) جريدة رسمية تواكب تفريع السلطة

لأجل مواكبة الإدارات المحلية، تصدر جريدة رسمية تُعنى بمسح أوضاع جميع المناطق، وإتاحة استفادة بعضها من بعضها الآخر، فمن شأن ذلك الارتقاء بحيوية المجتمع (تشارك، فعالية، وضوح)، وكذلك معرفة دوافع ونتائج ما يحصل من استطلاعات رأي، واستفتاءات شعبية، واستبيانات.

وفي ختام الندوة، تمّ استعراض أقوال لمفكرين عالميين حول أثر الخوف السلبي على الدساتير، وكلها تؤكد أن أكبر آفات الدساتير هي امتزاجها بالخوف. فالدساتير الجيدة، بعكس الدستور اللبناني العتيق، توضع بفرح وشغف نابعين من اعتقاد ثابت بأن هذا الدستور هو دستورنا، وأن هذا الوطن هو وطننا، ومن خلال دستورنا الذي نشارك جميعًا في صياغته، سنحقق الأمن والرفاه لنا ولأجيالنا القادمة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.