يعيش العالم اليوم في ظل مرحلة وصل فيها التطور العلمي والتكنولوجي، خصوصاً في مجال الاتصالات والمواصلات، إلى مستوى جعل التواصل والتقارب بين سكان الأرض أشبه بقرية كونية. وبدلاً من أن يعزز ذلك الإخاء والمساواة والعدالة، ويجعل السلام يعمّ العالم، أدى طغيان المطامع الرأسمالية، خصوصاً في مرحلتها الإمبريالية العليا، إلى بروز مناخ عكسي مشحون بالضغوط والنزاعات، بفعل مخططات ونهج العدوان والحروب الذي تمارسه الإمبريالية الأميركية على الصعيد العالمي، بغرض تخفيف أزمة نظامها، وحصول شركاتها الاحتكارية على أقصى الأرباح، والهيمنة على أوسع مدى في العالم.
ويشكّل تناثر الاعتداءات والحروب في مناطق عديدة في جميع القارات نوعاً من حرب عالمية تختلف في شكلها عن الحربين العالميتين اللتين سببتهما الرأسمالية نفسها. وليست أسباب الحروب العالمية اليوم مقتصرة على طابع التهور والبلطجة في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ترتبط أصلاً بطبيعة الرأسمالية التي تدفع إلى استخدام كل الوسائل من أجل الحصول على الربح الأقصى، ومنها الحروب، وبمصلحة المجمع الصناعي العسكري مثلاً في إشعال الحروب لبيع منتجاته اللازمة لها.
وفي خضم هذا الوضع المشحون بالضغوط والتوتر والحروب المحلية والإقليمية، التي تنعكس أضرارها وأخطارها خصوصاً على دول وشعوب العالم الثالث، تصبح أولوية حماية الأوطان وتجنيب دولها الزعزعة مرتبطة عضوياً بمرتكزات وبنية نظامها السياسي ودولتها. وإذا كان ذلك من المهام الوطنية لتلك الشعوب والبلدان، فإنه بالنسبة إلى لبنان، الذي زرع الاستعمار واستنبت على حدوده الجنوبية غرس كيان صهيوني توسعي وعدواني، على حساب شعب فلسطين وأرض وطنه، يقوم بمحرقة تدميرية على لبنان، وبهجوم على جنوبنا العزيز، ويقتل الشباب والأطفال والنساء والشيوخ، للتوسع في أرضنا ومياهنا، ويعمل لإثارة الفتن الطائفية لتفتيت لبنان، الذي يشكل التعدد في مجتمعه نقيضاً للدولة الدينية الصهيونية.
وفي ظل وضع دولي وإقليمي مضطرب كالذي نعيشه، لا يمكن إبقاء انعكاس سلبياته بعيداً عن ثبات كياننا ووطننا إلا بالاعتماد على بناء وحدة داخلية تعزز صموده وتحمي بقاءه. ولا بد من أن تكون هذه الوحدة على أسس صلبة، فلا يكفي أن تكون خياراً توافقياً ظرفياً كالعادة، إذ إن التجربة الطويلة أظهرت أن الانقسامات والهزات الطائفية والحروب الداخلية، التي تُبنى على مصالح ونوايا فوقية أو وصايات خارجية ظرفية، أبقت لبنان وتبقيه في حالة هشاشة تجعله معرضاً للأخطار.
لذلك أصبح بناء دولة المواطنة العلمانية والعدالة الاجتماعية ضرورة وطنية إنقاذية لبلدنا وشعبنا ووجودنا. فالعدو الصهيوني يعمل بكل قوة لافتعال فتنة طائفية، واستغلال الشرخ الكبير تحت التهديد بالتدمير والقتل، والقلق والتوتر اللذين يشملان اللبنانيين، وبخاصة النازحين، لضيق مراكز إيوائهم وصعوبة توفير حاجاتهم، وبالمقابل ضيق ظروف المضيفين أيضاً، وما يخلّفه كل ذلك من أجواء قابلة لتحويل أي سوء تفاهم أو حادث صغير وفردي إلى فتنة تتخذ طابعاً طائفياً وفوضى.
ولا بد للبنان، في مجابهة حرب إسرائيل ومطامعها، من أن يعمل، إلى جانب الوحدة الداخلية ودور الجيش، على التلاقي والتعاون مع البلدان العربية، رفضاً للتطبيع ونبذاً لجرّ لبنان ليصبح جرماً صغيراً في فضاء الكيان الصهيوني. كما أن ثمة بلداناً كثيرة في العالم يزداد استياؤها من العقوبات والحروب التي تشعلها أميركا في قارات العالم ومناطقه، من غرينلاند إلى كندا وقناة بنما، وغزة، وأوكرانيا وإيران، والدعم الأميركي السافر لمحرقة إسرائيل الوحشية على لبنان وفلسطين، وعلى فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي نيكولاس مادورو وزوجته.
واليوم تهدد بالعدوان على كوبا، وبتوجيه تهمة مفبركة للرمز القيادي البارز راوول كاسترو. وإن تهديدها كوبا ينطوي على تهديد مطامح وحقوق شعوب أميركا اللاتينية التي ترى في كوبا مثالاً يعزز ثقتها بالتحرر الوطني والاجتماعي، وبممارسة حقها في اختيار طريق تطورها. وهو استفزاز لأحرار العالم.
إن مواجهة هذه الأخطار المصيرية المحدقة على صعيد العالم تستدعي أوسع تضامن بين الشعوب والبلدان التي تجهد لتحقيق مطامحها في التحرر ضد العدو المشترك ومن أجل السلام، ولإقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلاً وإنصافاً لحقوق الشعوب وتحررها، ولإقامة العلاقات بين الدول على أساس الاحترام المتبادل.

موريس نهرا
كاتب وأكاديمي وقيادي في الحزب الشيوعي اللبناني.
