إن إحياء ذكرى وفاة قائد أو رمز سياسي أو حزبي، أو اغتياله، ليس ظاهرة نادرة أو محصورة في ثقافة بعينها، بل هو تقليد شائع في كثير من دول العالم، وإن اختلفت صوره ودلالاته من مكان إلى آخر. فبعض الدول يمنح هذه الذكرى صفة العطلة الرسمية أو يوم الحداد الوطني، وبعضها يكتفي بمراسم رسمية محدودة، فيما يحوّلها بعضها الآخر إلى مناسبة حزبية أو شعبية تُنظَّم فيها الخطابات والمسيرات، وتوضَع خلالها أكاليل الزهور. وقد ترتبط المناسبة بيوم الوفاة نفسه، أو بيوم الاغتيال، أو حتى بعيد ميلاد الزعيم أو بآخر خطاب ألقاه قبل رحيله، ما يدل على أن المسألة ليست مجرد تأريخ لحدث، بل هي عملية اختيار رمزي واعٍ.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما تفعله بنغلاديش في الخامس عشر من آب، إذ تُحيي ذكرى اغتيال مؤسسها الشيخ مجيب الرحمن، باعتباره يوم حداد وطني. وفي كوريا الشمالية، تُقام في الثامن من تموز فعاليات كبرى لإحياء ذكرى وفاة المؤسس كيم إيل سونغ. أما تونس فتُحيي رسميًا، في السادس من نيسان، ذكرى وفاة أول رئيس لها، الحبيب بورقيبة. وفي تنزانيا، يُعد الرابع عشر من تشرين الأول عطلة رسمية تحمل اسم «يوم نيريري». وفي فنزويلا، يُحيا الثامن من كانون الأول باعتباره «يوم الوفاء والحب»، المرتبط بإرث هوغو تشافيز وآخر خطاب له.
وتُحيي أفغانستان، في التاسع من أيلول، ذكرى اغتيال أحمد شاه مسعود ضمن ما يُعرف بـ«يوم الشهداء»، فيما تُخلّد الهند، في الثلاثين من كانون الثاني، ذكرى اغتيال المهاتما غاندي. وفي لبنان، تُقام مراسم رسمية لإحياء ذكرى اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط، وذكرى اغتيال بشير الجميّل في الرابع عشر من أيلول. كما تُحيي بوركينا فاسو ذكرى الزعيم الثوري توماس سانكارا، الذي اغتيل في الخامس عشر من تشرين الأول، فيما تقيم بوروندي مراسم لإحياء ذكرى اغتيال سيبريان نتارياميرا في السادس من نيسان.
وفي زامبيا، أُعلن الثامن والعشرون من نيسان، وهو عيد ميلاد الرئيس الأول كينيث كاوندا، عطلة رسمية تكريمًا لإرثه. وتُحيي فلسطين، في الحادي عشر من تشرين الثاني، ذكرى رحيل ياسر عرفات من خلال فعاليات وطنية، كما تُحيي ليبيا، في السادس عشر من أيلول، ذكرى إعدام عمر المختار بيوم حداد وطني. وفي فيتنام، تُقام مراسم تذكارية للزعيم هو تشي منه في الثاني من أيلول، وهو تاريخ يتزامن مع العيد الوطني، بينما تُحيي البعثات الكوبية، في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، ذكرى وفاة فيدل كاسترو.
وإذا تأملنا هذه الأمثلة مجتمعة، نجد أنها تنتظم في ثلاثة أنماط كبرى. يتعلق النمط الأول بقادة التأسيس والاستقلال، مثل مجيب الرحمن، ونيريري، وكاوندا، وبورقيبة، وهو تشي منه، وكيم إيل سونغ، وكاسترو. فهؤلاء لا يُنظر إليهم بوصفهم سياسيين عاديين، بل آباء مؤسسين ارتبطت بهم هوية الدولة نفسها؛ لذلك يصبح الاحتفاء بهم احتفاءً بالدولة ذاتها.
أما النمط الثاني، فيتعلق بالقادة الذين اغتيلوا أو أُعدموا، مثل غاندي، والحريري، والجميّل، ونتارياميرا، وسانكارا، ومسعود، وعمر المختار. وهنا تتحول الذكرى، غالبًا، إلى يوم شهيد أو يوم حداد، وتحمل بُعدًا سياسيًا ورمزيًا كبيرًا، وقد تكون مناسبة للتوحيد الوطني أو مثارًا للانقسام في الوقت نفسه.
في حين يتصل النمط الثالث بالرموز الحزبية والثورية، مثل تشافيز، وعرفات، وسانكارا؛ إذ لا تكون المناسبة دائمًا رسمية، بل قد تنظمها أحزاب أو مؤسسات أو جامعات أو قوى اجتماعية.
وليست هذه المناسبات مجرد استعادة عاطفية للماضي، بل تؤدي وظائف سياسية وثقافية متعددة. فهي تُستخدم لإضفاء الشرعية على النظام أو الحزب الحاكم، من خلال ربط الحاضر بزعيم تاريخي، وتُسهم في بناء الهوية الوطنية عبر توحيد المجتمع حول رمز مشترك، وتعمل على التعبئة الحزبية وتجديد الولاء، كما تُوظَّف أحيانًا في الدبلوماسية الرمزية من خلال استقبال الوفود وإلقاء الخطابات، وتُستخدم كذلك في التعليم والتثقيف لنقل سيرة الزعيم إلى الأجيال الجديدة.
ومع ذلك، تبقى هذه الظاهرة معقدة؛ إذ ليست كل هذه الذكريات موضع إجماع وطني. فبعضها يُحيي ذكرى الوفاة، وبعضها الآخر يُحيي ذكرى الاغتيال، فيما يرتبط بعضها بعيد الميلاد أو بآخر خطاب. وبعضها يُعتمد عطلة رسمية، في حين يقتصر بعضها الآخر على مراسم رمزية فقط. كما أن بعضها تقيمه الدولة، فيما تقيم بعضها الآخر الأحزاب أو مؤسسات المجتمع المدني.
وهكذا، يمكن القول إن إحياء ذكرى وفاة قائد أو رمز سياسي أو حزبي، أو اغتياله، ظاهرة عالمية واسعة، لكنها تختلف في شكلها وحجمها ودلالاتها. وهي، في جوهرها، ليست مجرد إحياء لذكرى شخص، بل أداة لإنتاج الذاكرة الجماعية، وترسيخ شرعية معينة، وصياغة علاقة المجتمع بماضيه ورموزه.
ومع أن هذه الظاهرة عالمية، فإنها تكتسب في لبنان خصوصية بالغة، لأنها تعمل داخل نظام طائفي وزبائني، وفي بلد مزقته الحرب الأهلية والاغتيالات والتدخلات الخارجية. ففي لبنان، لا تُعد الإحياءات السنوية لمولد قائد أو وفاته أو اغتياله مجرد مناسبات عابرة، بل هي مواسم سياسية واجتماعية وثقافية تتجدد كل عام، فتعيد ترتيب الذاكرة، وتوزيع الأدوار، ورسم حدود الولاء والانتماء.
ظاهر هذه المناسبات الترحم على الضحايا، والوفاء للرموز، وحفظ تاريخ جماعة أو طائفة أو حزب، لكن باطنها كثيرًا ما يكون استعراضًا للقوة، وتجييشًا للعواطف، وتقديسًا للزعماء، وتأجيلًا للمحاسبة. وهكذا تتحول الذكرى من عِبرة إلى عبادة، ومن تاريخ إلى سلاح، ومن سؤال عن الحقيقة إلى جواب جاهز عن الهوية.
لقد منحت هذه الإحياءات الناس بعض ما يحتاجون إليه: ذاكرة جماعية، وإحساسًا بالانتماء، ومواساة لعائلات الضحايا، وتماسكًا موسميًا، وحركة اقتصادية محدودة. لكنها، في المقابل، رسّخت انقسامًا بنيويًا بين «نحن» و«هم»، وعلّمت الأجيال أن قيمة الإنسان تكمن في ولائه لجماعته، لا في وعيه المستقل، وأن نقد القائد أو «الشهيد» أو الحزب ليس رأيًا، بل خيانة.
وبذلك، تحوّل كثير من المواطنين من أصحاب حقوق وقادرين على المساءلة إلى رعايا ينتظرون القرار من فوق، ولا يصنعونه من تحت. ولا يمكن القول إن هذه الإحياءات وحدها خلقت الفساد والكذب والاحتيال والمراوغة في لبنان، لكنها كانت مرآة لهذه الظواهر، ومدرسة لها، ومصنعًا سنويًا لإعادة إنتاجها.
فحين يصبح الزعيم رمزًا مقدسًا، يتحول السؤال عن أمواله وسلوكه وقراراته إلى تهديد للجماعة. وحين يصبح الولاء بديلًا من الكفاءة، يصبح الفساد حقًا مقابل الطاعة. وحين تُقدَّم الوظيفة والعلاج والخدمة باسم الحزب أو الطائفة، تتحول الزبائنية إلى نظام متكامل له مناسباته وقديسوه وضحاياه.
أما الحقيقة، فتضيع بين روايات متضاربة؛ إذ تروي كل جماعة تاريخها بالطريقة التي تريحها، وتخفي جرائمها، وتضخّم جرائم الآخر. وهكذا ترسّخت سلطة الكذب: خطابات سنوية كبرى، ووعود مؤجلة، وتبرير دائم للفشل بالمؤامرة والحصار والعدو الخارجي، وتأجيل للإصلاح والعدالة بذريعة الظروف والوحدة الوطنية، وتوريث للسلطة من الزعيم إلى ابنه أو صهره أو وصيّه، وكأن الوطن ملك خاص.
لكن، للإنصاف، لم تفعل هذه الإحياءات ذلك بمفردها؛ فقد شاركتها في إنتاج هذا الواقع عوامل عدة، من بينها النظام الطائفي والمحاصصة، والحرب الأهلية والاغتيالات، والتدخلات الخارجية، والإعلام المتحزب، والخطاب الديني والحزبي، والفقر والحاجة اللذان يدفعان الناس إلى الخضوع، فضلًا عن ضعف الدولة ومؤسساتها.
وكانت المحصلة أن الشعب اللبناني لم يستفد كثيرًا بوصفه شعبًا واحدًا. لقد استفادت جماعات ونخب، فحصلت على الشرعية والحشد والولاء والمواقع. أما الوطن، فدفع الثمن انقسامًا، وتكريسًا للطائفية، وتأجيلًا للمصالحة، وهدرًا للمال والأمن، وإضعافًا للدولة الجامعة.
لكن هذا الواقع ليس قدرًا محتومًا، ولا هو طبع لبناني ثابت لا يتغير. فالمشكلة ليست في ذاكرة الناس، بل في كيفية استخدام هذه الذاكرة. وإذا تحولت الإحياءات من عبادة للزعيم إلى محاسبة ومصالحة وذاكرة نقدية، فقد تصبح أداة للتحرير، لا أداة للخضوع.
الحل، إذًا، لا يكمن في استبدال زعيم بزعيم، ولا في إلغاء ذكرى لتحل محلها ذكرى أخرى، بل في تحويل الذاكرة من طاعة إلى مساءلة، ومن ثأر إلى عدالة، ومن طائفية إلى مواطنة.
ويحتاج ذلك إلى عدالة انتقالية توثّق الجرائم وتحمي الضحايا، وإلى تعليم يرسّخ النقد بدلًا من التقديس، وإعلام مستقل، وقضاء نزيه، وقانون انتخاب خارج القيد الطائفي، واقتصاد يحرر الناس من الارتهان لحاجاتهم إلى الزعيم، وسيادة يكون في ظلها قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
وهذا كله لا يكتمل إلا بوعي شعبي، وتنظيم مدني، وصبر طويل. فالمعادلة ليست سهلة، لكنها واضحة: وعي، وتنظيم، ومؤسسات، وعدالة، ووقت. وإذا بقي النظام الطائفي والزبائني قائمًا، فسيبتلع أي وعي فردي. وإذا غاب الوعي الشعبي، فسيُعاد إنتاج النظام نفسه بأسماء جديدة.
لذلك، لا تنتظر زعيمًا منقذًا، بل ابنِ البديل الآن: بلديةً نظيفة، وتعاونيةً صادقة، وإعلامًا حرًا، ونقابةً مستقلة، وصندوقَ تعاضد. بهذه الوسائل وحدها، تتحول الذكرى من مدرسة للخضوع إلى مدرسة للقرار.
وفي الختام، يمكن القول إن إحياء ذكرى القادة ظاهرة إنسانية عالمية تعكس حاجة الجماعات إلى الذاكرة والهوية والشرعية. لكنها، في لبنان، وبسبب بنيته الطائفية والزبائنية وتاريخه الجريح، تحولت غالبًا إلى أداة لإعادة إنتاج الخضوع والفساد والانقسام.
وليست المشكلة في الذكرى ذاتها، بل في تحويلها من سؤال عن الحقيقة والعدالة إلى جواب عن الولاء والطاعة. ومتى استعاد اللبنانيون ذاكرتهم بوصفها سؤالًا لا جوابًا، ومحاسبة لا عبادة، أمكنهم تحويل هذه الإحياءات من مواسم لتكريس الرعية إلى مناسبات لبناء المواطنة.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
