نشرت الصحافة والمواقع الإلكترونية، البارحة، صورًا ومقاطع مصوّرة لزيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى النبطية. وقد اختصرت تعليقي على هذه الزيارة وعلى ما أدلى به الرئيس من تصريحات، بكلمة واحدة: «منافق»، حيث لا أرضى أن أبقى صامتًا إزاء هذا الأداء الهزيل للرئيس، وتقديم الهدايا إلى العدو فوق كل ما يعيثه من دمار.
سياق زيارة عون إلى النبطية
هل أتت هذه الزيارة من فراغ، أم كانت استجابة مباشرة وفعلية لنداء أطلقه أهالي النبطية وجوارها عقب تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق شهدته المنطقة؟!
فقد سبقت الزيارةَ بساعات قليلة عمليةُ تفجير ضخمة نفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية، شرقي مدينة النبطية، حيث أعلن العدو الإسرائيلي تدمير شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض. واستُخدم في التفجير أكثر من 1100 طن من المتفجرات، ما أحدث زلزالًا بقوة 4.1 درجات على مقياس ريختر، شعر به سكان النبطية ومحيطها، ووصلت ارتداداته إلى ساحل قضاء صيدا.
وأدّى التفجير إلى قطع طريق الخردلي بالكامل نتيجة تساقط الصخور والحجارة، كما أسفرت الغارات الإسرائيلية العدوانية المتواصلة، خلال أقل من أسبوع، عن مقتل 29 شخصًا على الأقل، بينهم 12 فردًا من عائلة واحدة. وجاء هذا التصعيد متزامنًا مع إعلان مسؤول أميركي تأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان والكيان الإسرائيلي، التي كان من المقرر عقدها في روما، إلى شهر تشرين الأول المقبل.
حضور المعنيين
اتسمت الزيارة بحضور رسمي خجول وانتشار أمني كثيف، عكسا حجم الحدث وأهميته. فقد حرص الرئيس عون على أن يرافقه قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، وعدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، ما أضفى على الزيارة طابعًا رسميًا وأمنيًا بامتياز.
وإلى جانب القيادات العسكرية، عقد الرئيس سلسلة اجتماعات ميدانية مع المسؤولين المحليين، شملت محافظ المنطقة، ورئيس اتحاد البلديات، وعددًا من النواب ورؤساء البلديات، بالإضافة إلى مدير مستشفى نبيه بري الحكومي.
وتجوّل الرئيس في أرجاء المدينة، مستهلًا جولته من السرايا الحكومية التي لحقت بها أضرار كبيرة جرّاء الغارات، ثم توجه إلى المستشفى الحكومي، حيث أشاد بصمود الطاقم الطبي في ظل الظروف الاستثنائية، قائلًا: «نحن هنا لنشكر طاقم المستشفى على صموده، ونحن نفتخر بهم، لأنهم، رغم الظروف الصعبة، خاطروا ويخاطرون بحياتهم لتأمين الحد الأدنى من الخدمات الطبية».
وامتدت الجولة إلى بلدة زوطر الغربية، حيث تفقّد عون وحدات الجيش اللبناني المنتشرة هناك، وعاين مواقع الانتشار الإسرائيلي في زوطر الشرقية المحاذية. وبدا لافتًا خلال الزيارة غياب «حزب الله» ومقاطعته لها، إذ لم يشارك أي من ممثليه السياسيين في استقبال رئيس الجمهورية.
حضور الأهالي: بين العفوية المحدودة ومرارة الانتقاد
أما على صعيد الحضور الشعبي، فلم يكن المشهد حاشدًا أو احتفاليًا بالمعنى التقليدي، بل جاء عفويًا ومحدودًا بطبيعته، وهو ما فرضته طبيعة الزيارة المفاجئة والإجراءات الأمنية المشددة التي أحاطت بها.
فقد وصل الرئيس إلى المدينة في ساعة مبكرة، نحو السابعة صباحًا، وسط تكتم أمني وإعلامي لافت، ولم يُعلَن عن الزيارة إلا قبل وقت قصير من موعدها. واقتصر التفاعل الشعبي على من صادف وجودهم، أو توافدوا بصورة فردية لاستقبال الرئيس، حيث تجوّل عون سيرًا على الأقدام في سوق النبطية، ما أتاح له احتكاكًا مباشرًا بالمواطنين الذين نقلوا إليه مناشداتهم.
ومن أبرز تلك اللحظات ما قاله أحد السكان للرئيس، مشددًا على أنّ الأهالي يريدون الشعور بالأمان، والتأكد من أنّ أطفالهم باتوا آمنين بعد نزوحهم وما تعرضوا له من إذلال. وجاءت ردود الرئيس عفوية ومطمئنة، إذ خاطبهم قائلًا: «أرسلوا لي طلباتكم، وتكرم عينكم… فنحن إلى جانبكم».
غير أنّ هذا التوقيت الفجري لم يمر من دون انتقاد. فقد وجّه مختار النبطية، حسن نزار جابر، انتقادًا مباشرًا إلى الرئيس عون، كتب فيه: «فخامة الرئيس… للأسف، زيارتك الخاطفة لمدينة النبطية في الصباح الباكر، كنا نأمل أن تكون في وقت متأخر من النهار، لكي تسمع معاناة الناس وشكاواهم وتبلسم جراحهم، إلا أنّ هذه الزيارة لا قيمة لها سوى عرض العضلات أمام الإعلام».
ويعكس هذا الانتقاد شعورًا لدى بعض الأهالي بأنّ الزيارة، على الرغم من رمزيتها، لم تُتح لهم فرصة كافية لطرح همومهم ومطالبهم بصورة مباشرة، وأنّ توقيتها المبكر حال دون تحقيق تفاعل شعبي أوسع.
التصريحات الرسمية: ترسيخ للثوابت الوطنية وموقف حاسم من المفاوضات، أم كلام في الهواء؟!
حملت تصريحات الرئيس عون من النبطية مواقف سياسية واضحة ومحددة. فقد جدّد التأكيد أنّ «انسحاب العدو الإسرائيلي، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة الإعمار، تشكّل ثوابت وطنية تلتزم الدولة العمل على تنفيذها».
وفي موقف حاسم، أعلن الرئيس عون أنه «لا مفاوضات جديدة مع الكيان الإسرائيلي في الوقت الحالي»، نافيًا بذلك الأنباء المتداولة عن قرب انطلاق جولة جديدة. كما شدد على أنّ «واجبنا أن نبقى إلى جانبكم، ولن نترككم أبدًا»، مؤكدًا أنّ الدولة لن تترك الجنوب، وستقف إلى جانب جميع مواطنيها.
وقال الرئيس، موضحًا سبب الزيارة: «سبب زيارتي إلى النبطية مع قادة الأجهزة الأمنية وقائد الجيش، هو القول إننا إلى جانبكم، ونبحث في تأمين الخدمات كافة لكم، لبقائكم هنا وتوفير الأمان لكم».
تأجيل مفاوضات روما: الأسباب والدلالات
إنّ إرجاء جولة المفاوضات في روما والاستعاضة عنها باجتماع في واشنطن لم يكن قرارًا بيروقراطيًا عابرًا، بل جاء نتيجة تشابك أسباب لوجستية معلنة مع دوافع سياسية أعمق.
وبحسب ما نقلته وكالة «أكسيوس» عن مسؤول أميركي، جاء التأجيل نتيجة تراكم التزامات دولية متقاطعة حالت دون تمكّن الشخصيات الرئيسية من الاجتماع في روما في الموعد المحدد، وهي: الأعياد اليهودية التي تتوقف خلالها الحياة السياسية والإدارية في الكيان الإسرائيلي، ومؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، والتحضيرات للجمعية العامة للأمم المتحدة، ما صرف الاهتمام عن المسارات التفاوضية الفرعية.
وخلف هذه الأسباب اللوجستية، تكمن دوافع أكثر جوهرية تتعلق بطبيعة المرحلة والموازين السياسية. فهناك قراءة سياسية ترى أنّ تأجيل المفاوضات كان متوقعًا، إذ يصعب على رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تقديم أي تنازلات جوهرية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
كما أدّت التطورات الإقليمية إلى صرف الاهتمام الأميركي عن الملف اللبناني نحو ملفات أخرى، ولا سيما مع تصاعد التهديدات في البحر الأحمر، حيث باتت واشنطن تركّز على احتواء الأزمة الأوسع مع إيران بدلًا من الضغط لتحقيق تقدّم في مسار تفاوضي معقد وبطيء. وفي ظل هذا التصعيد، كان من الصعب على الرئيس عون، الذي أكد تمسكه بالثوابت الوطنية، أن يذهب إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع الكيان الإسرائيلي.
ولم يكن اجتماع السفيرين اللبناني والإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية مجرد بديل إداري، بل حمل دلالات دقيقة. فقد شدد المسؤولون الأميركيون على أنّ «الإطار الثلاثي» هو «الآلية الوحيدة الفعالة» للتعامل مع الملفات العالقة، ما يعكس رغبة واشنطن في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، رغم تعثّر المسار الرسمي، والحفاظ على نفوذها بصفتها الوسيط الوحيد.
وجاء الاجتماع، بحسب المصادر، لبحث «التطورات الأخيرة ومواصلة تنفيذ الاتفاق الإطاري»، وهو ما يشير إلى أنه كان بمنزلة جلسة تنسيقية لإدارة الأزمة الراهنة، لا جولة تفاوضية جديدة تهدف إلى تحقيق اختراق.
فالانتقال من مفاوضات رسمية على مستوى الوفود إلى اجتماع ثنائي بين سفيرين يخفض سقف التوقعات، ويعكس واقعًا مفاده أنّ الظروف الحالية لا تسمح بتحقيق تقدّم ملموس، لكنها لا تسمح أيضًا بقطع الخيط الدبلوماسي تمامًا.
موقف «حزب الله»: مقاطعة وتحفّظ
لم يقتصر المشهد السياسي على موقف الرئاسة اللبنانية، بل كان لموقف «حزب الله» دلالة واضحة. فقد قاطع الحزب زيارة الرئيس عون بالكامل، إذ لم يشارك أي من ممثليه السياسيين في استقبال رئيس الجمهورية، وهو ما عدّته مصادر سياسية رسالة احتجاجية واضحة.
كما أوضح عضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، النائب رائد برّو، أنّ منطقة علي الطاهر لا تخضع للقرار 1701، مشيرًا إلى أنّ وجود بنية تحتية للحزب في المنطقة «أمر آخر».
وتأتي هذه المقاطعة في وقت يجدّد فيه «حزب الله» رفضه نزع سلاحه وإجراء مفاوضات مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، ما يعكس اتساع الفجوة السياسية بينه وبين توجهات الرئاسة اللبنانية.
ويبقى السؤال البديهي: هل جاءت زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى مدينة النبطية، صبيحة السبت 12 أيلول 2026، لتشكّل حدثًا سياسيًا وميدانيًا بالغ الدلالة، يحمل في طياته أبعادًا متعددة تتجاوز كونها مجرد زيارة تفقدية، ويلامس جوهر المشهد اللبناني في لحظة مفصلية من تاريخه، حيث تتشابك خيوط الأزمة الأمنية مع التعقيدات السياسية، وتختلط آمال الأهالي بمرارة الواقع؟! وهل ستُترجم هذه الزيارة إلى خطوات عملية على الأرض تعيد الأمان والاستقرار إلى منطقة أنهكها التصعيد والدمار، أم ستبقى في إطار الرمزية السياسية التي قد لا تكفي لتلبية تطلعات الأهالي إلى العيش الكريم والآمن؟!

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
