كتاب «المتاهة اللبنانية» هو كتاب تاريخي سياسي من تأليف رؤوفين أرليخ، وهو جنرال صهيوني من أصل بولندي، مختص في الشؤون اللبنانية والسورية والفلسطينية. عمل لمدة ثلاثين عامًا في قسم مخابرات الكيان الإسرائيلي، وكان، بين عامي 1985 و2000، نائبًا لمنسق النشاطات الإسرائيلية في لبنان، أوري لوبراني.
صدر الكتاب قبيل انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من لبنان عام 2000، باللغة العبرية، بعنوان «سياسة الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي تجاه لبنان (1918-1958)». وصدرت الترجمة العربية في بيروت عام 2017، بترجمة الصحافي محمد بدير، في 871 صفحة. ويعكس عنوان «المتاهة» نظرة الكيان الإسرائيلي إلى لبنان بوصفه دولة شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، وفي الوقت نفسه يشير إلى المأزق الذي أوقع فيه لبنان جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوبه.
اعتمد المؤلف على مراسلات سرية ومواد أرشيفية إسرائيلية بحتة، ولم يقتصر على روايات شفهية فقط؛ إذ استند إلى مصادر متنوعة، منها: أرشيف الكيان والجيش الإسرائيلي، ومنظمة «الهاغاناه»، وشعبة الاستخبارات العسكرية، وحزب العمل، ومراسلات زعماء صهاينة مثل دافيد بن غوريون وموشيه شاريت، وكتب اليوميات والمذكرات والشهادات الشخصية، ومئات الكتب والمقالات بالعبرية والعربية، إضافة إلى المقابلات الشخصية التي أجراها المؤلف نفسه.
يناقش الكتاب علاقات سياسية لشخصيات لبنانية بارزة ورجال دين، كما يرى أن البيئة الطائفية اللبنانية كانت «تربة خصبة للاختراق»، حيث كانت المصلحة المادية تسبق الأيديولوجيا، ما جعل شراء الولاء ممكنًا. كما يبرز الكتاب الانقسام داخل الطائفة المارونية نفسها بين تيار انفصالي متحالف مع الكيان الإسرائيلي، وتيار مؤيد لقيام دولة لبنانية موحدة.
خصّص الكتاب 216 صفحة للحواشي والوثائق وحدها، ما يدعم مزاعمه بأدلة مكتوبة ومصوّرة، لكن من المهم التنبه إلى أن موضوعية هذه الوثائق نفسها قابلة للنقاش، فهي صادرة، بشكل رئيسي، عن أطراف صهيونية وإسرائيلية أحادية الجانب، وهو ما يفرض قراءة نقدية للأحداث كما هي موثقة من منظورها الخاص.
ولا تتوافر وثائق لبنانية أو عربية مقابلة تدعم أو تنفي ما ورد في الكتاب، ما يجعل التحقق من الوقائع أمرًا صعبًا.
الشخصيات المتداولة في الكتاب
يصنّف الكتاب الشخصيات بحسب طبيعة أدوارها ومدى تورطها مع الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي:
فاعلون إقليميون في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي:
- الملك عبدالله الأول بن الحسين (ملك الأردن): وردت الإشارة إليه في سياق الخطط الإقليمية، حيث ذُكر أن بن غوريون، بعد عدوان عام 1956، تحدث عن ضرورة تقسيم الأردن للوصول إلى العراق.
- جمال عبد الناصر (الرئيس المصري): ذُكر في سياق التحولات الإقليمية الكبرى وتأثير سياساته في موازين القوى في المنطقة.
القوى الاستعمارية والدولية التي كانت ترسم حدود النفوذ
- المسؤولون الاستعماريون الفرنسيون: يبرز دورهم بوصف فرنسا قوة انتداب على لبنان. ومنهم المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفينيل، الذي ناقش مع الرئيس إميل إده عام 1926 إعادة مناطق إلى سوريا. كما يشير الكتاب إلى أن الفرنسيين نصّبوا إده رئيسًا عام 1936، وإلى اتصالاتهم مع شخصيات لبنانية.
- المسؤولون الاستعماريون البريطانيون: يظهرون بوصفهم قوة مؤثرة، حيث يشير الكتاب إلى المفوض السامي البريطاني السير بيرسي كوكس في سياق الحديث عن شخصيات لبنانية.
- مسؤولون ودبلوماسيون فرنسيون: ورد اسم «السفير الفرنسي» في عدد من السياقات.
- شخصيات أميركية: وردت إشارات محدودة، مثل اقتراح بشارة الخوري إسكان موارنة من الولايات المتحدة في جنوب لبنان، ودراسة إلياهو إيلات في الجامعة الأميركية في بيروت.
ممثلو الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي قبل قيامه وبعده
- إلياهو ساسون: من أبرز الشخصيات الصهيونية الناشطة في لبنان. عمل موفدًا للقسم السياسي للوكالة اليهودية، وتفاوض مع شخصيات لبنانية بارزة، ونقل عروضًا مقابل خدمات سياسية وأمنية.
- إلياهو إيلات: درس في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1931 و1934، والتقى بشخصيات درزية وسياسيين لبنانيين.
- أوري لوبراني: منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان بعد عام 1982، وكتب مقدمة الكتاب معتبرًا أن لبنان «يجلس على موائد الغير».
- موشيه شاريت: من قادة الحركة الصهيونية، وقد كلّف إلياهو ساسون بمهامه في لبنان عام 1934.
- دافيد بن غوريون: التقى بالرئيس إميل إده في باريس صيف عام 1946.
- حاييم فايتسمان: رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك، والتقى بالرئيس إده عام 1937.
- رؤوفين شيلواح: من مؤسسي المخابرات الإسرائيلية، وقد رافق بن غوريون في لقائه مع الرئيس إده.
- يعقوب شمعون: ممثل الوكالة اليهودية الذي وقّع اتفاقًا مع ممثل البطريركية المارونية عام 1946.
الشخصيات اللبنانية
الفئة الأولى: رؤساء وحكام (أعلى مستوى من التورط):
- بشارة الخوري (أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال): بحسب الكتاب، الصفحة 52، اقترح، خلال لقاء مع وزير الكيان الإسرائيلي إلياهو ساسون عام 1941، الاعتراف بالكيان الإسرائيلي مقابل دعم لبنان، كما كشف الكتاب أبعادًا خفية في علاقاته الخارجية وطبيعة اتصالاته.
- رياض الصلح (أول رئيس وزراء): الشريك السياسي لبشارة الخوري. وثّق الكتاب أنه، طوال مسيرته السياسية، أجرى حوارات مع ممثلي الحركة الصهيونية. كما ورد أنه، في باريس، غداة إعلان قيام الكيان الإسرائيلي، أبدى استعداده للعمل من أجل تحقيق تفاهم عربي-يهودي.
- إميل إده (رئيس الجمهورية): وردت تفاصيل صادمة عن علاقته بالحركة الصهيونية، وتم توثيق محاضر اجتماعاته مع المسؤول الصهيوني طوبيا أرازي، كما وثّق الكتاب علاقته مع إلياهو ساسون.
- خير الدين الأحدب (رئيس وزراء): شخصية سياسية بارزة، وردت تفاصيل علاقته بالحركة الصهيونية في الكتاب.
- صائب سلام (رئيس وزراء): من عائلة سلام السياسية العريقة، وورد ذكره في سياق العلاقات مع الحركة الصهيونية.
الفئة الثانية: زعماء دينيون (التواصل الاستراتيجي):
- البطريرك أنطون عريضة (بطريرك الموارنة): وثّق الكتاب اتفاقه مع الوكالة اليهودية، حيث ورد أنه اقترح إقراضه مبلغًا كبيرًا من المال لدعم مشروعه، كما أرسل رسالة إلى موشيه شاريت تضمنت طلبًا ماليًا.
- المطران أغناطيوس مبارك (مطران بيروت للموارنة): داعٍ صريح إلى إقامة دولة مسيحية في لبنان، ما جعله نقطة تواصل مهمة للحركة الصهيونية.
- المطران عبدالله الخوري: من أبرز المطارنة الموارنة، وقد لعب دورًا بارزًا بوصفه ممثلًا للكنيسة المارونية في المحافل الوطنية والدولية آنذاك.
الفئة الثالثة: سياسيون وشخصيات عامة (اتصالات ومفاوضات):
- سليم سلام: من وجهاء بيروت، وورد أنه بدأ مفاوضات لبيع أراضٍ للوكالة اليهودية عام 1934.
- الشيخ حسين حمادة: شخصية سياسية وردت في سياق العلاقات مع الحركة الصهيونية.
- أحمد الأسعد: من الزعماء السياسيين في جنوب لبنان، وورد اسمه في سياق العلاقات.
- محمد العبدالله / جورج مشحور / راشد الريشاني: شخصيات وردت في تفاصيل الكتاب.
- إلياس حرفوش: صحافي وصاحب جريدة «الحديث اللبنانية»، وورد اسمه في تفاصيل الكتاب.
يُعدّ كتاب «المتاهة اللبنانية» وثيقة بحثية عميقة ومهمة، تكشف، من منظور الكيان الإسرائيلي، شبكة العلاقات والاتصالات التي نسجتها الحركة الصهيونية مع النخب اللبنانية على مدى أربعين عامًا. ورغم قيمته الأرشيفية، تبقى قراءته النقدية ضرورية لفهم محدودية مصادره ومنظوره الأحادي.
يتم توظيف مادة الكتاب، التي تستند إلى وثائق الكيان الإسرائيلي، في سياقين متضادين:
- كشف فضائح النخبة بـ«بيع وطنها» بوصف ذلك دليلًا على «خيانة» تاريخية، إذ يتم تداول هذه المواد بصورة انتقائية لإثارة الرأي العام. كما يتم التركيز على شخصيات من طوائف معينة، ما يغذي الصراع الداخلي بدلًا من معالجة التحديات المشتركة.
- كشف «مخططات العدو الإسرائيلي» تجاه لبنان، حيث يُطرح الكتاب بوصفه أداة لتأكيد أطماعه التوسعية.
وفي ظل الانقسام الحاد، فإن استخدام كتاب قائم على وثائق صادرة عن أجهزة ومؤسسات تابعة للعدو الإسرائيلي لاتهام شرائح لبنانية يشكّل استثمارًا في الفتنة، لا في الحقيقة أو المصلحة الوطنية. فالخطر لا يكمن في محتوى الكتاب ذاته، بل في تسليحه لضرب النسيج الداخلي في وقت هو بأمسّ الحاجة إلى التماسك.

راجي معرّاوي
متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.
