بعد عقود طويلة من الاستقرار في ظل الحماية الخارجية، أولاً من بريطانيا، ثم من الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إثر لقاء الملك السعودي عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في البحيرات المرة بمصر، عادت عقارب الساعة فجأة، وبسرعة مريعة، إلى الوراء في منطقة الخليج: إلى لحظة بحث دول الخليج، الحديثة العهد بالاستقلال والصغيرة من حيث المساحة وعدد السكان، باستثناء المملكة العربية السعودية، عن ضمانات أمنية تكفل بقاءها.
السبب: انكشاف الغطاء الأمني الأميركي بفعل الثورة التكنولوجية الكبرى في الشؤون العسكرية، إذ بات في استطاعة دولة من العالم الثالث الصمود في وجه دولة عظمى، من خلال تقنيات المسيّرات والصواريخ الباليستية المنخفضة الكلفة، كما تُظهر نماذج إيران وأوكرانيا وأذربيجان، واللائحة تطول.
كيف ستعالج دول الخليج هذه المشكلة الأمنية الجديدة ـ القديمة؟
لو لم يتعرض النظام الإقليمي العربي للانهيار بعد حرب عام 1967، وحروب الكويت وسوريا والعراق ولبنان، لكان الجواب بسيطاً: مظلة الأمن القومي العربي المشترك هي الحل.
ولو لم تخض إيران وتركيا، طوال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، معارك محاولات تجديد إمبراطوريتيهما الصفوية والعثمانية، لكان في إمكانهما، بالتعاون مع مصر والسعودية ودول المغرب العربي الكبير، وضع لبنات اتحاد مشرقي ـ متوسطي شبيه بالاتحاد الأوروبي.
لكن ما هو مطروح الآن، في أفضل الحالات، يتمثل في اقتراح سلطنة عُمان إقامة نظام إقليمي يضم دول الخليج إلى جانب إيران والعراق، فيما تكتفي اقتراحات أخرى، من بينها طرح أنور قرقاش في دولة الإمارات العربية المتحدة، بالإقرار بأن الحلول الدبلوماسية الإقليمية هي السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة الأمنية ـ السياسية الراهنة.
أما كيفية تحقيق ذلك، فلا تزال من دون تحديد.
كذلك، لم يثبت أن «اتفاق مكة» السعودي ـ التركي ـ الباكستاني أسس بالفعل، ولو لخطوط عامة، نظاماً إقليمياً جديداً يوفّر الأمن، ولا سيما بعد التطورات الدراماتيكية في اليمن.
والحصيلة؟
ستكون الحصيلة خطيرة إذا لم تبادر جامعة الدول العربية، بقيادة مصر والسعودية وبدعم من المغرب والجزائر وبقية الدول العربية، إلى طرح مشروع تكامل إقليمي مع إيران وتركيا، له بُعد حضاري وثقافي بقدر ما له من أبعاد أمنية واقتصادية واستراتيجية.
فمن دون ذلك، لن تكون دول الخليج العربي، المكشوفة استراتيجياً في الوقت الراهن، قادرةً على إبرام أي اتفاقيات ذات شأن تحفظ أمنها ووجودها، لا مع إيران ولا مع أي دول إقليمية أخرى.
والأهم أن أزمة الخليج الأمنية، في غياب مثل هذا المشروع، ستكون على موعد مع مواجهات عسكرية وأمنية مديدة تمتد عبر جغرافيتها الإقليمية. وستتعلق هذه المواجهات، هذه المرة، بمصيرين اثنين كبيرين:
1 ـ مصير الزعامة الأميركية للعالم، المستندة إلى السيطرة على البحار والمحيطات والمضائق، والتي تتعرض الآن لتحدٍّ داهم في مضيق هرمز وباب المندب، وصولاً إلى المحيط الهندي والبحر المتوسط.
2 ـ مصير إيران، ليس بوصفها نظاماً أثبت قوته وتجذّره في المجتمع فحسب، بل أيضاً بوصفها كياناً دولتياً موحّداً.
فإذا نجح التخطيط الأميركي ـ الإسرائيلي الهادف إلى تقسيم إيران، كما كشف عنه الجنرال ويسلي كلارك عام 2007، باعتباره جزءاً من مخطط لتدمير سبع دول شرق أوسطية، فسيشكّل ذلك وبالاً حقيقياً على دول الخليج، على الصعد الديموغرافية، في الدرجة الأولى، والأمنية ـ الاستراتيجية والاقتصادية.
ففي حين أن إيران المنتصرة ستثير أسوأ المخاوف الأمنية الخليجية، فإن إيران المهزومة والمفككة ستكون أشد خطراً وتهديداً، بما لا يُقاس.
ربما بات واضحاً الآن أن أزمة الأمن في الخليج العربي لها أبعاد استراتيجية إقليمية ودولية كبرى، تستدعي حلولاً استراتيجية كبرى.
وهذه الحقيقة تعيد، موضوعياً، الاعتبار إلى مسألة الأمن القومي العربي، على الرغم من كل الكوارث التي حاقت به. لكن هذه المرة، ليس في إطار التنافس والصراع مع القوميتين الإيرانية والتركية، بل في إطار تعزيز موازين الحوار بين دول الخليج العربي وإيران، وأيضاً تركيا وباكستان.
والكرة الآن في ملعب جامعة الدول العربية ومصر. وهي، بالمناسبة، كرة تاريخية ومصيرية وفق جميع المعايير.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
