نهاية «نهاية التاريخ» وعودة الجيوبوليتيك

الإمبراطورية الأميركية «حليمة» عادت إلى عاداتها القديمة

كيف نفهم ما يجري الآن بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في أوكرانيا؟ وبين الصين واليابان في المحيط الهادئ؟ وبين روسيا والصين وإيران، من جهة، والغرب، من جهة أخرى، في الشرق العربي–الإسلامي؟ وأخيرًا، بين الهند والصين وأميركا وروسيا في جنوب آسيا ووسطها؟

هذه الأسئلة مهمة لسببين: الأول أن هذه ليست صراعات أيديولوجية، بل جيوسياسية وجيواقتصادية في معظمها. ومثل هذه الصراعات كان يُفترض أنها اختفت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وبزوغ عهد العولمة النيوليبرالية الكاسح رسميًا في أوائل تسعينيات القرن العشرين. كما كان يُفترض أن الشكل الجديد للصراعات الدولية سيتخذ طابع التعاون والتنافس الاقتصاديين فقط، في إطار قوانين العولمة المثبّتة في منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

هذا كان معنى نظرية «نهاية التاريخ» التي أطلقها المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، والتي استندت إلى فكرة مفادها أن سقوط الأيديولوجيا الشيوعية وانتصار أيديولوجيا الرأسمالية الليبرالية والديمقراطية الليبرالية قد أنهيا ديالكتيك صراع الأفكار لصالح الأخيرة.

استعار فوكوياما هذا التعبير من الفيلسوف الألماني هيغل، الذي استخدمه في أوائل القرن التاسع عشر على النحو الآتي: «إن نجاح نابليون بونابرت في سحق الجيش البروسي بالكامل في معركة جينا الخاطفة عام 1806 أسدل الستار على حرب الأفكار، وجسّد انتصار الثورة الفرنسية على أفضل جيش أعدّته أوروبا ما قبل الثورات. وقد قرع ذلك أجراس نهاية التاريخ؛ لأنه، في المستقبل، كما شدّد هيغل، لن تكون قادرة على المنافسة والبقاء على قيد الحياة إلا الدول التي تتبنّى مبادئ فرنسا الثورية وتقنياتها».

وبالمثل، اعتبر فوكوياما أن انتصار الرأسمالية الليبرالية على الشيوعية السوفييتية أفضى، ليس فقط إلى نهاية الصراع الأيديولوجي، بل أيضًا إلى نهاية الصراعات الجيوسياسية، وفسح المجال واسعًا أمام ولادة العولمة الرأسمالية الليبرالية و«القرية العالمية الواحدة». ولذلك، فإن أي دولة تريد المنافسة والبقاء عليها الالتزام بقواعد الرأسمالية الليبرالية المنتصرة. وقد تراجع فوكوياما نسبيًا، في ما بعد، عن الزوايا الحادة لهذه النظرية في كتابه The Great Disruption.

وقد أيّد هذا الرأي بشأن نهاية التاريخ بعض اليساريين الماركسيين أيضًا، مثل أنطونيو نيغري ومايكل هارت، اللذين وضعا مؤلفًا ضخمًا تحت عنوان «الإمبراطورية»، أي إمبراطورية العولمة. وقالا فيه إن انتصار الرأسمالية أنهى الحروب بين الإمبرياليات، أي الحروب الجيوسياسية في العالم، وإن الثورة، أو الحركة الانقلابية، الحاصلة على صعيد الإنتاج الرأسمالي المعاصر وعلاقات القوة العالمية الراهنة، ستمكّن المشروع الرأسمالي من الجمع بين السلطتين الاقتصادية والسياسية، أي من تحقيق نظام رأسمالي خالص وحقيقي.

وهذه أيضًا نهاية للتاريخ.

لكن، بعد تفاقم الأزمات التي تشبه صراعات القرن التاسع عشر الجغرافية، على حد تعبير جون كيري، في أوروبا، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، والشرق الأوسط، وإفريقيا، بدأ المحللون الغربيون، وبأعداد متزايدة، يعيدون النظر في نظرية نهاية تاريخ الصراعات الجيوسياسية.

ويأتي على رأس هؤلاء المفكر الاستراتيجي الأميركي وولتر راسل ميد، الذي نشر دراسة مهمة في دورية «فورين أفيرز»، حملت العنوان المثير: «عودة الجيوسياسة» (The Return of Geopolitics).

أما الأفكار الرئيسة في الدراسة، فهي:

  • كانت الأعوام الأخيرة سنوات مضطربة وصاخبة للغاية، اجتاحت خلالها الصراعات الجيوسياسية مجددًا المسارح الرئيسة في العالم؛ من سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم وغزو أوكرانيا، إلى مطالب الصين في المياه الساحلية ورد اليابان عليها من خلال تبنّي استراتيجية قومية صارمة، وصولًا إلى استخدام إيران تحالفاتها للسيطرة على الشرق الأوسط. وهكذا، أطلّ الطراز القديم من القوة برأسه مجددًا في العلاقات الدولية.
  • تعتبر الولايات المتحدة وأوروبا هذه التطورات مقلقة، وتفضّلان القفز فوق مسائل الجغرافيا والقوة العسكرية الجيوسياسيتين لمصلحة تحرير التجارة والحوكمة العالمية، ومنع انتشار الأسلحة النووية، وحقوق الإنسان، وتغيّر المناخ، وما إلى ذلك. وبالتالي، فإن الانجرار مجددًا إلى بؤر هذا الطراز القديم من الصراعات من شأنه أن يغيّر طابع السياسات الدولية الراهنة.
  • لكن الغربيين أخطأوا في قراءتهم للتاريخ؛ فالانتصار الأيديولوجي للرأسمالية الليبرالية لم يعنِ انتفاء القوة الصلبة أو اختفاءها، ولا انتهاء صراعات الحدود، ولا زوال الحاجة إلى القواعد العسكرية ومناطق النفوذ. ذلك أن الصين وروسيا وإيران لم تقبل، في أي وقت، بالتسوية الجيوسياسية التي أعقبت الحرب الباردة، وهي تبذل، بصورة مطّردة، جهودًا حثيثة وقوية لقلبها. وهذه العملية لن تكون سلمية. وسواء نجح المراجعون أم لا، فإن جهودهم هزّت بالفعل موازين القوى وغيّرت ديناميكيات السياسات الدولية.
  • صحيح أن الاختلافات عميقة بين هذه الدول الثلاث؛ فروسيا تخشى صعود الصين، كما أن لروسيا وإيران، خلافًا للصين، مصلحة في ارتفاع أسعار النفط وفي استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تتفق الأطراف الثلاثة على أمر واحد، هو ضرورة تغيير الوضع القائم. فروسيا تريد إعادة جمع شتات الاتحاد السوفييتي السابق؛ إذ قسّمت جورجيا، ولا تزال تحاول دفع أرمينيا إلى فلكها، وأحكمت قبضتها على شبه جزيرة القرم، ودخلت إلى أوكرانيا. أما الصين، فلا تنوي مواصلة أداء دور ثانوي طويلًا في الشؤون العالمية، ولا تقبل استمرار السيطرة الأميركية على آسيا. في المقابل، تريد إيران تغيير النظام الإقليمي القائم في الشرق الأوسط. وتشكل أميركا عقبة أمام هذه المشاريع جميعها، التي بدأت بالفعل تقوّض النظام الجيوسياسي الذي نشأ بعد الحرب الباردة.
  • خسر الرؤساء الأميركيون حرية الحركة في ما يتعلق بتعميق النظام الليبرالي، وسيكونون، من الآن فصاعدًا، أكثر اهتمامًا بإنقاذ الأسس الجيوسياسية لهذا النظام.
  • وأخيرًا، صحيح أن مدّ التاريخ يسير، على حد تعبير وولتر ميد، في خط لا رجعة عنه نحو الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، وأن شمس المفاهيم القديمة الخاصة بالقوة ودورها ربما بدأت بالفعل تغيب خلف التلال، إلا أن شمس هذا التاريخ لا تزال ساطعة في روسيا والصين وإيران.

منطق مقنع؟

الأرجح أن الأمر كذلك. وهذا ما تدل عليه بجلاء سياسات إدارة ترامب الراهنة، التي تتركّز في معظمها على أن العولمة الأميركية والأوروبية، القائمة على الإدماج الاقتصادي والثقافي «الناعم» لجميع الدول في منظومة العولمة، لم تكن ناجحة، وأن التحديات التي بدأت تفرضها روسيا، والصين نسبيًا، فضلًا عن التوترات الكبرى الراهنة بين حضارات الشرق الأقصى ومنطقة الباسيفيك، أي الصين والهند واليابان، باتت تفرض العودة بقوة إلى توجّهات الجيوبوليتيك «الصلبة».

وهذا الانقلاب ليس قاصرًا على الجمهوريين الأميركيين، الذين يمثّلون، عادةً وتاريخيًا، مصالح المجمّع العسكري–الصناعي–النفطي، بل يطاول أيضًا أبرز القادة الديمقراطيين، الذين يقولون الآن إنه بات يتعيّن إعادة إشهار سلاح إمبراطورية العولمة، وإطلاق جيوشها في وجه جميع القوى الصاعدة، من سيبيريا إلى بحار الصين، أي عمليًا في قارة أوراسيا بأسرها.

ثم، من قال إن تركيز الإدارات التي سبقت ترامب على الوجه الإدماجي الاقتصادي والثقافي للعولمة كان يعني إغماد السيف العسكري لإمبراطورية العولمة نهائيًا؟ كل ما في الأمر أن الإدارات الديمقراطية، بعد عام 2003، كانت تعمل على «تنظيف الحطام» الذي خلّفته إدارة بوش في العراق وأفغانستان، بعدما فشلت الحروب العسكرية الأميركية، التي حققت نجاحات أولية في هذين البلدين، في أن تتجسّد في إنجازات سياسية واستراتيجية مستقرة.

وعلى أي حال، فإن عودة المقاتلات والقاذفات الأميركية إلى سماء المنطقة العربية–الإسلامية، من إيران والخليج العربي إلى فلسطين، وربما قريبًا إلى لبنان وسوريا، كانت إيذانًا واضحًا بأن مرحلة «تنظيف الركام» انتهت أو تكاد، وأن الإمبراطورية «حليمة» بدأت تعود تدريجيًا إلى عاداتها القديمة، المتأصلة بعمق في جذور البنية الرأسمالية العالمية: أي سياسات القوة واستراتيجيات الجيوبوليتيك.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.