ثمة شبه إجماع الآن بين المحللين ومراكز الأبحاث الدولية على أن منطقة المشرق المتوسطي، التي تضم المنطقة العربية والهضبة الإيرانية ـ التركية ـ الكردية، ويُضاف إليها الآن باكستان، تمرّ في مرحلة أخطار كبرى قد لا يكون ثمة شبيه لها منذ سقوط الدولة العثمانية غداة الحرب العالمية الأولى.
هذه المخاطر الكبرى تجري هذه الأيام على قدم وساق في خضم مرحلة انتقالية كبرى يشهدها النظام الدولي، بسبب تحوّل التكنولوجيا إلى أهم عامل تغيير في مملكة الجيو ـ بوليتيك، إضافة إلى مسألة تغيّر المناخ التي يعتقد باحث البنتاغون البارز توماس بارنيت، في كتابه The New American Map، أنها ستحدد مصائر الدول الكبرى والصغرى والإمبراطوريات قبل حلول منتصف القرن الحادي والعشرين.
قانون التفكك
حسناً. إذا كان شبه الاتفاق قائماً بالفعل على أن هذه المخاطر الكبرى ناجمة أساساً عن بداية عصر التكنولوجيا المتقدمة، ونهاية الترتيبات الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية، التي نسجتها أميركا، وعن عدم تبلور طبيعة النظام الدولي الجديد، فهل بالإمكان، على الأقل، تحديد سمة أساسية كبرى لهذه المخاطر بكلمة واحدة؟
كاتب هذه السطور يعتقد ذلك، حتى من دون الخوف من الوقوع في المبالغات أو الاستنتاجات غير العلمية أو المتسرعة. إنها، ببساطة، «مخاطر التفكك».
فالإمبراطورية الأميركية مهددة بالفعل الآن بالتفكك:
- في الداخل، بسبب انفجار الحروب الثقافية الخطيرة بين قومية مسيحية فقدت مبررات وجودها، وبين عولمة لم تعد أميركية، وتكاد تدمّر كل النسيج الاجتماعي الأميركي التعددي.
- وفي الخارج، بفعل تورط الولايات المتحدة، على نحو خطير، في مأزق الحرب الإيرانية. فإذا تقدمت إلى الأمام، ستغرق في وحول أسوأ من مستنقعات فيتنام، والآن أوكرانيا. وإذا ما تراجعت إلى الوراء، إلى حيث تريد التيارات الثورية الإيرانية المتشددة، أي الانسحاب من كل منطقة الخليج، سقط البترودولار، ومعه الدولار، وتقدّمت الصين نحو السيطرة على ستين في المئة من احتياطي العالم من الوقود الأحفوري، وبالتالي تجلس بكين سعيدة على عرش الزعامة العالمية الذي سيخلو حينها من شاغله الأميركي.
وكما في الولايات المتحدة، كذلك في إيران. إذ بات واضحاً الآن أن الثورة الإيرانية دخلت هي الأخرى، بعد العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي عليها، في مرحلة شبيهة بالمرحلة الأميركية الدقيقة: فهي غير قادرة على التراجع، قومياً ودينياً، إلى الوراء لتقديم التنازلات الاستراتيجية التي تطلبها واشنطن، وهي قد تغامر بكل شيء في حال تقدمت إلى الأمام نحو طموح إخراج الولايات المتحدة من منطقة الخليج.
والحصيلة في الحالين: احتمال تفكك إيران خطر قائم بالفعل.
في لبنان، تسير المخاطر هي الأخرى نحو احتمالات التفكك. كيف؟
إسرائيل تواصل تمديد احتلالها للجنوب بذريعة وجود سلاح حزب الله، والحزب يواصل المقاومة عبر حرب الغوار بذريعة وجود الاحتلال المتجدد.
وفي هذه الأثناء، يستمر الانقسام السياسي العمودي في المجتمع اللبناني، وتعجز الحكومة اللبنانية عن استخدام ورقة المقاومة، بفعل قطيعتها غير الحكيمة مع إيران، في مفاوضات وقف النار والانسحاب.
والحصيلة: تفكك سياسي ترفده انقلابات ديموغرافية غير مسبوقة، ما يفتح بطن الوطن اللبناني، ليس أمام مباضع «التقسيم»، بل أمام أنصال «التقاسم» الوظيفي بين القوى الإقليمية المحيطة للمناطق الجغرافية اللبنانية.
وبالطبع، هذا النموذج التقاسمي اللبناني سيتم تطبيقه بحذافيره، في حال نجاحه، في سورية والعراق ودول عربية أخرى، سبق للجنرال الأميركي ويسلي كلارك أن حذّر، في وقت مبكر، عام 2002، من أنها ستكون عرضة للتدمير والتشظي… والتفكيك.
الآن، إذا ما كانت فرضية التفكيك هذه صحيحة، فكيف نجابهها في إقليمنا المشرقي؟
قبل هذا السؤال، ثمة سؤال آخر يجب طرحه، وستعتمد عليه أي اقتراحات حلول ومخارج: هل نحن ونخبنا… نعي حقاً وجود مثل هذه المخاطر الداهمة؟

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
