في لحظات التحول الكبرى في الشرق الأوسط، تتكشف هشاشة بعض الدول بسرعة مذهلة. لبنان اليوم يقف في قلب هذه اللحظة، وكأنه ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها حسابات القوى الإقليمية والدولية. لم يعد الحديث عن توتر على الحدود أو ضربات متبادلة، بل عن واقع يتآكل فيه مفهوم السيادة تدريجيًا، بينما تتوسع الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وسط صمت دولي يثير الكثير من التساؤلات.
ما يجري لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل، مع الحضور الأمريكي المباشر وغير المباشر، تحولت إلى إطار عام تتحرك داخله الجبهات الفرعية. ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية المعقدة، أصبح إحدى هذه الجبهات الأكثر حساسية.
الضربات الإسرائيلية التي تتوسع داخل العمق اللبناني لم تعد مجرد عمليات محدودة كما كان يحدث في مراحل سابقة. بل تحولت إلى نمط متكرر من العمليات العسكرية التي تستهدف مواقع وبنية تحتية ومناطق نفوذ مرتبطة بالصراع الإقليمي. هذه الضربات لا تعكس فقط رسالة عسكرية، بل تعكس أيضًا محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
المفارقة أن هذا التصعيد يحدث في ظل غياب شبه كامل للضغط الدولي الفاعل. العالم مشغول بأزمات متعددة، والاهتمام الدولي يتوزع بين ملفات أخرى أكثر حضورًا على الساحة الإعلامية والسياسية. في هذا الفراغ، تتحرك القوى العسكرية بحرية أكبر، وتصبح الدول الهشة مثل لبنان أكثر عرضة للانكشاف.
لبنان اليوم يبدو كأنه يقف على خط تماس دائم. دولة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وانقسام سياسي حاد، ومؤسسات تعاني من ضعف غير مسبوق. في مثل هذا المناخ، تصبح قدرة الدولة على حماية سيادتها محدودة للغاية، ويبدو الأمن القومي وكأنه خيمة في شارع مزدحم، تتعرض للدهس من كل الاتجاهات دون أن يلتفت إليها أحد.
الخطورة لا تكمن فقط في الضربات العسكرية نفسها، بل في ما يمكن أن تقود إليه. فالتصعيد المتدرج غالبًا ما يبدأ بضربات محدودة، لكنه قد يتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع إذا اختلت حسابات الردع بين الأطراف. وفي منطقة مشبعة بالتوترات مثل الشرق الأوسط، يمكن لأي خطأ في التقدير أن يشعل مواجهة أكبر مما يتوقع الجميع.
هذا المشهد يرتبط أيضًا بسؤال أكبر حول مستقبل الأمن الإقليمي. فالحرب الدائرة حاليًا بين إيران وإسرائيل تحمل في داخلها ملامح حرب استنزاف طويلة. إيران، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية، تمتلك قدرة واضحة على إدارة الصراعات الممتدة عبر أدواتها الإقليمية، وهو ما يجعل أي مواجهة مفتوحة تتحول إلى صراع طويل النفس.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على توازن الردع في المنطقة. هذه المعادلة الصعبة تجعل الصراع يتحرك في مساحة رمادية بين التصعيد والاحتواء، وهي مساحة غالبًا ما تدفع الدول الضعيفة ثمنها الأكبر.
ومن هنا تتضاعف المخاطر على لبنان. فكلما اتسعت رقعة الضربات، وكلما استمر الغياب الدولي الفاعل، زادت احتمالات أن يتحول البلد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى في المنطقة. عند هذه النقطة لا يصبح الحديث عن عمليات محدودة، بل عن استنزاف طويل يضغط على مجتمع يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.
التداعيات لا تتوقف عند الحدود اللبنانية. فاستمرار هذا الوضع يهدد بإرباك الأمن الإقليمي بأكمله. ارتفاع التوتر العسكري ينعكس على أسواق الطاقة، وعلى حركة الملاحة في ممرات حيوية مثل البحر الأحمر والخليج، كما يفتح الباب أمام موجات جديدة من التوترات السياسية والاقتصادية في المنطقة.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة دقيقة. استمرار الضربات وتوسعها في ظل غياب ردع سياسي دولي واضح قد يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث تصبح الحروب المحدودة نمطًا دائمًا من إدارة الصراع.
في النهاية، لا تختبر هذه الحروب قوة الجيوش فقط، بل تختبر أيضًا قدرة الدول على حماية تماسكها الداخلي. ولبنان، في ظل الظروف الراهنة، يبدو كأنه يقف وحده في مواجهة عاصفة إقليمية أكبر من قدرته على الاحتمال.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يظل لبنان مجرد ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين، أم أن المنطقة ستدرك في النهاية أن استباحة الدول الهشة قد تقود إلى انفجار أوسع لا يمكن السيطرة عليه؟

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
