النفط الإيراني… من ثروة إلى قنبلة موقوتة

يتحوّل الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية من مجرّد أداة ضغط إلى فخٍّ استراتيجي مُحكم الإغلاق، حين يُسدّ باب التصدير على نحوٍ كامل، فلا يعود ممكناً تصريف النفط حتى بلا مقابل، لأن الغاية لم تعد إدارة سوق أو تعديل موازين عرض وطلب، بل فرض الاختناق الشامل الذي يدفع إيران إلى ما هو أبعد من مجرّد مواجهة عجز اقتصادي عابر، نحو حافة الانهيار الوظيفي لقطاعها الحيوي.

ولا تنحصر خطورة المشهد الراهن في تقلّص الصادرات النفطية فحسب، بل تتجلى، على نحوٍ أشدّ فتكاً، في بلوغ لحظة “الامتلاء القسري” للخزانات؛ تلك اللحظة المفصلية التي ينقلب فيها النفط من ركيزة سيادية ومصدر قوّة إلى عبء تقني ضاغط يهدد بتقويض البنية التحتية للصناعة الأم في البلاد.

وعندما تُغلق المنافذ البحرية في وجه الموانئ الإيرانية الاستراتيجية المطلة على خليج عُمان وبحر العرب—من بندر عباس إلى جاسك وتشابهار—تبدأ الساعة الرملية بالانحدار السريع، إذ يستمر تدفّق الإنتاج من الآبار بوتيرة لا تجد لها متنفساً، في ظل امتلاء الخزانات البرية واحتشاد الأسطول العائم من الناقلات العملاقة التي ترسو بلا حراك، ككتل فولاذية طافية مثقلة بالنفط الخام.

هذا الانسداد الميكانيكي يضع المهندسين وصنّاع القرار في طهران أمام معضلة تقنية لا تُحلّ بقرار إداري أو إجراء فوري؛ ذلك أن إيقاف إنتاج الحقول النفطية، ولا سيما الحقول المتقادمة، ينطوي على مخاطر جيولوجية جسيمة، إذ قد يؤدي التوقف المفاجئ إلى انهيار الضغط داخل المكامن وتلف البُنى الجيولوجية، بما يفضي إلى فقدان دائم للقدرة الإنتاجية لتلك الآبار، أو على الأقل إلى تدهور حاد في كفاءتها عند إعادة تشغيلها لاحقاً.

وعليه، يتحول الحصار من أزمة تصدير ظرفية إلى تهديد بنيوي مباشر لمستقبل الثروة النفطية ذاتها، حيث تجد الدولة نفسها محاصرة بين خيارات قاسية لا يقلّ مرارها بعضها عن بعض: إما حرق كميات هائلة من الخام هدراً، أو المجازفة بتدمير الحقول، في ظل رقابة بحرية خانقة تُفرغ محاولات التهريب أو “البيع الشبح” من جدواها وتدفعها إلى هامش شبه معدوم.

أما على المستوى الجيوسياسي، فإن ارتدادات هذا الاختناق تتجاوز الجغرافيا الإيرانية لتضع أمن الطاقة العالمي على حافة اختلال خطير؛ فإيران، المدفوعة إلى زاوية ضيقة، لن تقبل بأن تكون الطرف الوحيد الذي يتحمّل كلفة الشلل، ما يعزّز احتمالات اللجوء إلى خيار “الهروب إلى الأمام” عبر تصعيد عسكري يستهدف استقرار الملاحة في الإقليم برمّته، استناداً إلى معادلة صريحة: إمّا أن تتكافأ فرص التصدير للجميع، أو يُحرم منها الجميع بلا استثناء.

وفي هذا السياق، يرتفع منسوب “علاوة المخاطر” في الأسواق العالمية، بما يفتح الباب أمام موجات متتالية من الارتفاعات السعرية الحادة في سوق النفط، تُثقل كاهل الاقتصادات شرقاً وغرباً، وتضع القوى الكبرى أمام معادلة معقّدة: كيف يمكن الاستمرار في خنق النظام الإيراني من دون تفجير استقرار سلاسل الإمداد العالمية؟

ومن هنا، ينزلق الصراع تدريجياً نحو منطق مواجهة استنزافية قاسية تُحسم بمنطق “عضّ الأصابع”، حيث يراهن كل طرف على قدرة الطرف الآخر على التحمّل، وعلى لحظة الانكسار الأولى.

ففي حين تراهن واشنطن على أن التآكل الداخلي والضغط التقني المتصاعد على البنية النفطية سيدفعان طهران إلى التراجع، تراهن طهران، في المقابل، على أن النظام العالمي لن يصمد طويلاً أمام تداعيات انفلات أسعار الطاقة أو خطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

ومع اقتراب الخزانات من حدودها القصوى، وتلاشي آفاق التسوية، تدخل الأزمة طورها الأكثر خطورة، أي طور الانفجار الحتمي؛ إذ إن دولة تُمنع من تصدير شريان حياتها، فيما منشآتها الحيوية تحت التهديد الدائم، قد تجد في خيار التصعيد العسكري كلفةً أقل من الاستسلام لاحتضار بطيء، ما يجعل لحظة الامتلاء الكامل للخزانات النفطية نقطة تحوّل مفصلية، قد تُطلق شرارة إعادة تشكيل توازنات دولية لا تزال ملامحها غامضة ومفتوحة على كل الاحتمالات.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.