ما بين ظلّ الحرب ووهج الصفقة… الممرّ الضيّق بين طهران وواشنطن

في لحظةٍ تتعانق فيها النار بالدبلوماسية، ويصبح الصمت لغة المفاوضات، يتحرك العالم على حافة الهاوية بين خيارين: صواريخ تُشعل الشرق، أو صفقة تُعيد رسم خريطته من جديد.

هكذا يبدو المشهد بين طهران وواشنطن اليوم، لا حرب تُعلن، ولا سلام يُولد، بل خيط رفيع من التفاهمات السرّية، تُنسجه عواصم الظل بين برلين وموسكو وبكين، تحت عين أمريكية تراقب من خلف الضباب.

منذ أسابيع، بدأت ملامح ما يمكن تسميته بـ”التواصل الصامت” بين إدارة البيت الأبيض والجمهورية الإسلامية. ليس اعترافًا، بل محاولة لترويض العاصفة. هناك من في واشنطن يدرك أن الحرب مع إيران ليست نزهة في صحراء الخليج، بل زلزال سياسي سيمتدّ من مضيق هرمز حتى المتوسط. ولذلك، وُلدت فكرة التفاوض عبر القنوات الخلفية: الروس يضغطون، والألمان يمررون الرسائل، والصينيون يلوّحون بفكرة “الصفقة الشاملة” التي تضمن استقرار الأسواق قبل استقرار الشرق الأوسط.

أما في طهران، فالمعادلة واضحة: تحدثوا عن النووي ما شئتم، لكن اقتربوا من الصواريخ وستُغلق الأبواب إلى الأبد. فالصواريخ بالنسبة لإيران ليست سلاحًا هجوميًا بقدر ما هي “ذاكرة بقاء”، صنعتها التجارب والحصار والحروب المتتالية. والغرب، برؤيته الأمنية الضيقة، يريد نزع أنياب المارد قبل أن يُعيد التفاوض على ثوبه الجديد في المنطقة.

في خلفية الصورة، تلعب موسكو دور المايسترو الصامت. فهي لا تريد حربًا جديدة تُنهك حلفاءها وتُشعل أسعار الطاقة، لكنها أيضًا تبحث عن صفقة شاملة تضعها في قلب القرار الدولي، بعدما خسر الغرب بوصلته في أوكرانيا وغزة على السواء.

أما الصين، فتتحرك بحذرها المعتاد، تدعم الحوار وتُغذّيه بصبر التجار، وهي تعرف أن كل صفقة كبرى في الشرق تمرّ عبرها، ولو في صمت.

اللافت أن إدارة واشنطن الحالية تبدو أكثر واقعية من سابقتها، وأكثر قلقًا من أي مواجهة مباشرة. فالعالم يئنّ من فائض الأزمات: حرب باردة جديدة في أوروبا، وتوتر متصاعد في بحر الصين، وانفجار محتمل في الشرق الأوسط. في ظل هذا كله، لا تريد الولايات المتحدة أن تفتح جبهة جديدة مع طهران، بل تبحث عن اتفاق يجمّد النار دون أن يُطفئها، يرضي حلفاءها في تل أبيب دون أن يغضب خصومها في موسكو وبكين.

لكن السؤال يبقى: هل يمكن لأي صفقة أن تولد في ظل لعنة الجغرافيا ومكر التاريخ؟ الشرق الأوسط لا يعرف سلامًا بلا ثمن، ولا حربًا بلا وكلاء. كل الأطراف تحارب وتفاوض في الوقت نفسه، والجميع يخشى أن يكون “الاتفاق القادم” مجرد هدنة قبل العاصفة. ربما ما يحدث الآن هو إعادة كتابة للعبة التوازنات الكبرى، حيث تُختبر إرادات الدول لا عبر الصواريخ فحسب، بل عبر القدرة على قراءة الزمن القادم.

في النهاية، قد لا يكون السؤال: من سيتنازل أولًا؟ بل: من سيفهم أولًا أن زمن القوة العمياء انتهى، وأن العالم بات يدار من وراء الكواليس، لا من فوهات البنادق؟

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.