هل يمكن لمكالمة هاتفية من حدّاد في عكار أن تُسقط هيبة مؤسسة دينية وتُفكّك كتلة نيابية وتفرض اسم رئيس للحكومة؟ الجواب في لبنان هو “نعم”، فما بدأ كحادثة احتيال فردية سرعان ما تحول إلى ظاهرة كاشفة تعكس عمق الأزمة البنيوية في الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدينية والسياسية.
وها هي التطورات الأخيرة تصوغ الظاهرة من جديد في قالب نموذج مُركب يكشف أن الاحتيال لم يكن مجرد تكتيك لتحقيق مكاسب مادية بل آليّة فاعلة ومؤثرة في قلب صناعة القرار الوطني لدرجة أن “مكالمة هاتفية” من حدّاد في عكار استطاعت أن تحرف مسار التكليف الحكومي وتفكك كتلاً نيابية وتزلزل أركان أقدس المؤسسات الدينية.
قضية “الأمير الوهمي” ليست مجرد عملية نصب عابرة بل هي تشريح عملي لآليات صناعة القرار و”شراء” النفوذ في دولة باتت فيها الهشاشة النظامية أداةً للابتزاز والاختراق، فالتطورات التي تلت كشف النقاب الأوّلي لم تأتِ لتنفي هذا التشخيص، بل جاءت لتؤكده وتضيف عليه طبقات جديدة من العورات المفضوحة، لتصل إلى خلاصة مفادها أن القضية تجاوزت حالة “الاختراق” إلى حالة “الاستبدال”، حيث حلّ النظام الوهمي الموازي محلّ مؤسسات الدولة الفاشلة في تقديم الخدمة التي يتوق إليها السياسي الطامح وهي الشرعية الخارجية.
المكالمة التي غيّرت المسار من الهاتف إلى القرار الدستوري
الشخصية المحورية تتمثل في المواطن اللبناني العكاري المدعو مصطفى الحسيان “أبو عمر”، والذي يعمل حدّاد سيارات، وانتحل لسنوات صفة “أمير سعودي” أو “مسؤول رفيع في الديوان الملكي”. لكن الجديد الذي أضافته تحقيقات الأسابيع الأخيرة هو أن هذه الصفة الوهمية لم تكن تُستخدم فقط لاستدراج الأموال من الطامحين، بل تحولت إلى عملة سياسية استخدمت في صفقات أعلى قيمة تتمثل بصفقات الولاء والتزكية السياسية واستطاعت حل الأزمة المصرفية من خلال تأمين السيولة النقدية خلافاً لتعاميم حاكم مصرف لبنان التي لطالما تذرعت فيها جمعية المصارف لمنع أصحاب الحقوق من الوصول الى ودائعهم.
الرواية التي كشفها النائب أحمد الخير، والمتعلقة باجتماع “تكتل الاعتدال الوطني” لحسم اختيار مرشح رئاسة الحكومة، تقدم دليلاً دامغا على تحول الاحتيال من “جريمة مال” إلى “جريمة سيادة”، فمن خلال اتصال هاتفي واحد نُقل على مسمع النواب وتضمن “توجيهات غير مباشرة” بعدم تسمية نجيب ميقاتي، جرى حسم خلاف داخلي عميق وتحويل الإجماع نحو خيار نواف سلام.
هنا ينتقل التحليل من سذاجة الضحايا إلى تشريح آلية صناعة القرار المريضة. الاجتماع النيابي وهو في أعلى تجلياته السيادية، تحول إلى مسرح لتنفيذ “أوامر” مصدرها جهة غير رسمية وغير موجودة أصلاً.
المفارقة المأساوية لا تكمن في انخداع النواب بل في ما وراء هذا الانخداع: فما تم كشفه ليس سذاجتهم فحسب بل ثقافة سياسية راسخة قائمة على انتظار الإشارة من الخارج، حتى لو كان مصدرها مجهولاً.
قول النائب الخير “إنه حاول الاتصال فوراً بالسفير السعودي للتحقق” يؤكد أن الشك كان وليد اللحظة، لكنه لم يمنع زملاءه من المضي قدماً في تنفيذ “التوجيهات”.
إنه شرخ بين من يحتفظ بحد أدنى من المناعة الوطنية ويتمسك بالقناة الرسمية لمحاولة الاستعلام وبين من استكان تماماً لوباء “التبعية الوهمية”.
الانهيار من الداخل: حين يتحوّل المَقدَس الطائفي إلى غطاء للوهم
الآلية التي اعتمدها الحدّاد العكاري خلال سنوات طوال كانت تركن على الاتصالات الهاتفية من رقم أجنبي فقط لا غير. أما مجالات الاختراق المذهلة فنحدث ولا حرج. الفئة المستهدفة التي طافت صفاتها على السطح حتى الساعة هم نواب ووزراء سابقون وطامحون. وقد توسعت هذه المجالات الآن بشكل يفضح اختراقاً أعمق، فلم يعد الأمر متعلقً بسياسيين أفراد بل امتد إلى الإيحاء بالقدرة على التأثير في قلب المعادلة بتكليف رئيس الحكومة وامتدت نيران القضية إلى أروقة دار الفتوى، فدعا عضو المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى المنتخب القاضي حمزة شرف الدين مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان الى الاستقالة دون التقليل من شأن استطاعة تحرير وديعة باتصال هاتفي تضمن تمنٍّ من صاحب المصرف.
هذا الهجوم ليس مجرد خلاف شخصي، بل هو القشرة التي انكسرت لتظهر تحتها توترات كامنة داخل المؤسسة، ويكشف كيف تحوّل “الغطاء” الديني الذي وفّره مقرّبون مثل الشيخ خلدون عريمط إلى أداة فعّالة لإضفاء المصداقية على الوهم. إن الصراع الذي ظهر بين خطاب “حماية المرجعية” والتي نادى بها علناً مفتي حاصبيا الشيخ حسن دلي، والرسالة المباشرة العلنية “المطالبة بالإصلاح والاستقالة”، يعكس أزمة عميقة تهدد الهيبة المتبقية للمؤسسة الدينية السنية.
يتجلى عمق الاختراق إلى الشهادات المدلى بها من قبل نواب عكار والتي أدت إلى تفكك كتلة الاعتدال الوطني، بانسحاب النائبين وليد البعريني وأحمد رستم، مما يظهر أن الفضيحة تعمل كـ”حامض” يذيب روابط الولاءات الهشة أساساً، ويكشف أن “الشراكة السياسية” كانت قائمة على أسس واهية لم تتحمل اختبار الصدقية.
ويتساءل المرء سؤال حق: كم “أبا عمر” آخر يعمل في دهاليز السياسة اللبنانية دون أن ينكشف؟ وهل يحتاج النظام اللبناني إلى محتالين ليكشف عوراته أم أن العورات أصبحت نظاماً قائماً بذاته؟
من “الصفقات السياسية” إلى احتمال “المأزق القانوني”
تندرج الوقائع المثارة في هذه القضية ضمن عدة جرائم، وقد تصل الأمور للادعاء بجرائم التأثير في الأحكام القضائية والرشوة. هذه التطورات القضائية الأخيرة تدفع الملف إلى مرحلة أكثر خطورة وجدية. ومسألة توقيف الشيخ خالد السبسبي (المقرّب من الشيخ القاضي خلدون عريمط) وتوسيع دائرة الاستدعاءات يشيران إلى أن القضاء بدأ يلمس خيوط شبكة أوسع.
الأهم هو الحديث الجدي عن احتمال إحالة الملف إلى محكمة الجنايات استناداً إلى مواد قانونية تتعلق بـ”تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة” أو “تشكيل عصابة أشرار”.
هذا التصعيد القانوني المحتمل ينقل القضية من خانة “الاحتيال البسيط” بالاستيلاء على الأموال من نواب الأمة لقاء إيهامهم بجدية مشاريع تعيينهم وزراء أو رؤساء حكومة، إلى خانة الجرائم الجنائية الخطيرة التي تمس أمن الدولة وسيادتها.
كل هذا يُفاقم المأزق القائم، فكيف يمكن إثبات الوقائع إذا كان “الضحايا” (النواب) سينكرون خوفاً من الفضيحة والمساءلة عن مصادر أموالهم؟ كيف يفهم البيان الحذر للرئيس نجيب ميقاتي تعليقاً على ما يجري والذي دعا إلى “طي صفحة الماضي” والتركيز على عمل الحكومة متجنباً ذكر القضية مباشرة، ما يمكن قراءته كتعبير عن رغبة قطاع سياسي واسع في احتواء التداعيات وعدم الذهاب إلى النهاية في التحقيق، فقد يكون مسلسل “الأمير أبو عمر” بدأ في مرحلة مبكرة في الحياة السياسية اللبنانية.
وهنا يطفو السؤال الأكثر إيلاماً: أيهما أقوى في لبنان، سلطة القانون أم سلطة الطائفة؟ التحقيقات في دار الفتوى ستكون اختباراً عملياً للإجابة، ذلك أن “الحصانة الطائفية” التي حذر منها النص الأصلي تظهر الآن على أرض الواقع بشكل صارخ عبر الانقسام العلني داخل دار الفتوى، مما يجعل أي تحقيقات جادة في تداخل المؤسسة الدينية أكثر حساسية وتعقيداً.
تُعيدنا الفضيحة إلى سؤال أساسي مفاده: هل يمكن اعتبار السياسيين الذين دفعوا الأموال أو غيّروا أصواتهم مجرد “ضحايا” احتيال؟ أم أن سلوكهم يجعلهم شركاء موضوعيين في تعطيل السيادة؟ القانون قد يعاملهم كأطراف مخدوعة لكن القاموس السياسي والأخلاقي يضعهم في موقع المسؤولية عن تفريطهم بتمثيل الأمة واستبدالها بـ”توجيهات” وهمية. هذه الإشكالية هي التي تجعل أي محاسبة حقيقية مهمة شائكة لكنها ضرورية ولا ينفصل هذا المأزق القانوني عن اللعبة الإقليمية الأكبر، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، سيادة مُسقطة تُتاجر بها النخب وتتصارع عليها العواصم.
اللعبة الإقليمية: هل كان “أبو عمر” أداةً في حرب بالوكالة؟
أكدت التقارير الإعلامية أن كشف النقاب عن هذه الجريمة جاء بعد متابعة سعودية وبتوجيه رسمي من المملكة العربية السعودية. هذه التطورات تؤكد البعد الإقليمي للملف مما يزيد في مسألة تعقيده.
إفادة النائب الخير عن اتصاله بالسفير السعودي وليد بخاري فور الواقعة، وبيان بهية الحريري أنها نبهت السفارة سابقاً، يطرحان سؤالاً محرجاً عن سبب التأخر في تحرك الجانب السعودي الرسمي إن كان عالماً أن وراء الأكمة ما وراءها. ما يفتح الباب لتكهنات وتحليلات أبرزها ما ورد في بعض التقارير عن احتمال وجود صراع أجنحة داخل المشهد السعودي نفسه، أو حتى احتمال قيام جهات إقليمية منافسة باستغلال “أبو عمر” كأداة لاختراق المشهد اللبناني والتأثير في سياساته ضد إرادة الرياض الرسمية.
هذه الفرضية، وإن كانت تنتظر أدلة قضائية قاطعة، فإنها تفتح نافذة على منطق صراع إقليمي يُعامِل لبنان كساحة خلفية وسياسييه كأوراق رخيصة قابلة للاستهلاك.
المؤكد أن “أبو عمر” لن يكون الأخير طالما بقي لبنان سوقاً مفتوحةً تُباع فيها الولاءات وتُشترَى الذمم وتُستبدل فيه الشرعية الوطنية بإيماءات وهمية من خلف الهاتف.
النظام في الدولة قائم على الوهم
ثمة سؤال وجداني: “أيعقل أن نجد العديد من الحدادين العاملين في الساحة السياسية اللبنانية؟” أهناك “أبو باتريك الفرنسي” و”أبو دونالد الأميركي” ممن يؤثرون في قرارات نواب الأمة اللبنانية. كافة التطورات الحاصلة تجعلنا أقرب للاعتقاد أن الجواب سيكون: نعم، يعقل.
أكثر من ذلك لم يعد الأمر “ابتزازاً مالياً” بالمعنى الضيق بل أصبح “إدارة وتوجيهاً”.
لقد نجح النظام الموازي الذي أنشأه عريمط والحسيان ومن عاونهم وساندهم بإيجاد سوقاً رائجة لمنتجاتهم هي أكثر إنتاجية من التجارة في العالم الرقمي، فهم ابتدعوا “بيع الوهم المُؤسَساتي”.
منتجات هذا النظام كانت “الغطاء الخارجي، الشرعية الدينية المزيفة والتزكية السياسية”.
وجد هذا النظام زبائنه بين النواب والوزراء لأن الدولة الحقيقية عاجزة عن تقديم أي من هذه “الخدمات” بشكل شرعي ومستقر.
كأنما لبنان تحوّل إلى مسرح كبير حيث الممثلون الأساسيون يقفون في الخلفية بينما يدير دفة الأحداث مخرج وهمي من كواليس الورشة. هكذا تبدلت الأدوار فلم يعد “أبو عمر” يخترق النظام القائم بل صار النظام نفسه هو الاختِراق – وهم مؤسساتي كبير يقوم على تبادل الوعود الوهمية والولاءات المشتراة.
فضيحة “أبو عمر” المتطورة تظهر أن “عصر الحضيض” ليس استعارة بلاغية بل هو وصف دقيق للواقع الحالي في لبنان.
إنه العصر الذي تصبح فيه المكالمة الهاتفية من حدّاد أكثر فاعلية في حسم الخيارات الوطنية من المناقشات البرلمانية والدستورية، وهو العصر الذي تتحول فيه المؤسسة الدينية من مرجعية روحية إلى ساحة صراع على النفوذ وتغطية الوهم.
العصر الذي ينكشف فيه أن جزءاً من النخبة الحاكمة (إن صحّت التسمية) لا يحتاج حتى إلى دعم خارجي حقيقي، بل يكفيه وهم هذا الدعم كي يتحرك بنشاط وفاعلية ويقدم الدعم المالي بسخاء مقطوع النظير.
هل نحن أمام طيّ الصفحة أم العبور إلى المجهول؟
ليست هذه المرة الأولى التي يقع فيها لبنان ضحية الوهم لكنها المرة الأولى التي يصبح فيها الوهم نظام حكم متكامل. الملف اليوم أمام محكمة التاريخ أكثر منه أمام المراجع القضائية اللبنانية.
الاختبار لم يعد فقط لقدرة القضاء اللبناني المشهود له على المحاسبة، بل لإرادة النظام السياسي الطائفي بأكمله في إنقاذ ما تبقى من مصداقيته.
ثمة طريقان أمام هذا النظام: الأول هو الطريق الذي تمتهنه الطبقة السياسية في لبنان أي “منطق الصفقة” من أجل “طيّ الصفحة”، وهذا الطريق هو الأسهل والأكثر ستراً والأكثر توقعاً، حيث يتم احتواء التحقيقات وتعويض “الضحايا” من أصحاب الضجيج لدفن الملف مع الإبقاء على البيئة الخصبة ذاتها منتظرين “أبا عمر” جديداً في شكل آخر.
أما الطريق الثاني فهو طريق المواجهة مع الذات، والاعتراف بالخطأ لكنه طريق شائك ويتطلب جرأة استثنائية، لأن نتيجته ستكون الإصرار على محاكمة شفافة تصل إلى كل المتورطين حتى أولئك الذين لم تكشف أسماؤهم بعد، بغض النظر عن مناصبهم أو غطائهم الطائفي، وفتح تحقيق إداري جدي في دار الفتوى لا سيما في ما يتعلق بالقرارات ذات الصلة بالأوقاف الاسلامية التي أحدثت ضجيجاً خلال السنوات الماضية، ومعنى ذلك مساءلة سياسية علنية في المجلس النيابي خلال جلسات تحقيق برلمانية لحفظ هيبة النواب ومجلس النواب والكشف عن ثغرة السيادة التي كشفتها الواقعة.
الخطر الحقيقي لم يعد في “أبو عمر” الموقوف، ولا حتى في شبكته التي قد يتم تفكيكها. الخطر الحقيقي هو أن تتحول هذه الفضيحة الاستثنائية، بكل ما كشفت من علل عميقة ومخيفة إلى مجرد “مسلسل إعلامي” آخر لم يكن أحد ليتصوره حتى في عالم الخيال، تتم متابعته بلهفة في حلقاته الأولى ثم يُنسى فيما تبقى الآلة الفاسدة التي صنعته تدور، مؤكدة أن الدولة اللبنانية في صيغة نظامها الحالي، هي التربة المثالية لزراعة الأوهام.
قضية “أبو عمر” ليست محطة عابرة في مسلسل فضائح لبنان، بل هي المرآة التي تكسر صمت الدولة-الوهم، والإصلاح لن يبدأ بمحاكمة حدّاد أو قاضٍ منحرف، بل بمراجعة جذرية لسبب سقوط نخبة كاملة في فخّ صوت على الهاتف.
تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً، أن “أبو عمر” لم يخترع النظام الوهمي بل اكتشفه وعمل به، بينما كان الآخرون يعيشونه دون أن يعترفوا.
السؤال الذي يبقى معلقاً في هواء لبنان المثقَل بالفضائح: متى يفيق اللبنانيون من سباتهم ليكتشفوا أن “الأمير الوهمي” لم يكن سوى مرآة لملكهم العاري؟
لبنان الذي كان مهدَ القداسة وموئل القديسين غدا – في بعض تجلياته – سوقاً للمتاجرين بالقداسة نفسها لذلك التطهير لم يعد خياراً متاحاً بل واجب وطني ملحّ.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
