موظفو القطاع العام بلا مظلة: أين قرارات الدولة؟

يبدو أنّ ملف موظفي القطاع العام سقط من جدول أولويات الحكومة اللبنانية. فمع تصاعد المخاطر الأمنية واتساع رقعة التوتر، لم يصدر عن مجلس الوزراء أو الجهات المعنية أي قرار واضح ينظّم عمل الإدارات العامة أو يحدّد آلية التعامل مع واقع استثنائي يفرض نفسه يومياً على الموظفين.

اللافت أنّ هذا الغياب يرتبط بشكل واضح بغياب رؤية متكاملة لإدارة القطاع العام في زمن الحرب. ففي تجارب سابقة، كانت الدولة تتحرّك سريعاً لتخفيف الدوام، أو اعتماد أنظمة عمل استثنائية، أو وضع خطط طوارئ تراعي المخاطر الأمنية وصعوبة التنقل والضغوط المعيشية. أما اليوم، فلا يوجد إطار موحد، ولا توجيهات رسمية، بل واقع ضبابي تُترك فيه الإدارات والموظفون لاجتهادات فردية، تختلف من مؤسسة إلى أخرى.

هذا الواقع يضع موظف القطاع العام أمام معادلة معقّدة: الحضور إلى العمل في ظل مخاطر أمنية متزايدة، أو التغيب وتحمل تبعات إدارية قد تشمل الاقتطاع أو المساءلة. وفي الحالتين، لا يوجد قرار رسمي يمنح الموظف غطاءً قانونياً واضحاً، أو يحدّد كيفية التعامل مع ظروف الحرب.

ولا يقتصر تأثير هذا الغياب على الموظفين فقط، بل يتعداه ليشمل أداء الإدارات العامة نفسها. فالتفاوت في القرارات بين إدارة وأخرى يخلق حالة من الفوضى التنظيمية غير المعلنة، ويؤدي إلى تراجع في انتظام العمل، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات الجهوزية والاستمرارية.

في المقابل، اقتصرت الإجراءات الصادرة حتى الآن على قرارات مالية متفرقة، كزيادات أو تعويضات ظرفية، لكنها تبقى حلولاً جزئية لا تعالج جوهر المشكلة، ولا تأخذ في الاعتبار المخاطر اليومية التي يواجهها الموظفون. فالمسألة لا ترتبط بالأجور وحده إنما بآلية عمل القطاع العام في ظروف استثنائية تتطلب قرارات تنظيمية واضحة.

تطرح هذه الصورة سؤالاً أبعد من إطار الإدارة: أين دور الدولة في الأوقات الحرجة؟ فالدولة التي لا تبادر إلى تنظيم عمل مؤسساتها في زمن الحرب، تترك موظفيها أمام خيارات فردية، وتضعف قدرتها على الحفاظ على استمرارية المرفق العام.

بين الحرب والأزمة الاقتصادية، يجد موظف القطاع العام نفسه في موقع هش، يتحمّل مخاطر يومية من دون مظلة رسمية واضحة، ومن دون خطة تُنظّم عمله أو تحميه. وفي وقت يفترض أن تتكثّف القرارات، يبدو أن هذا الملف يُدار بغياب القرار، ما يفتح الباب أمام مزيد من الإرباك في قطاع يشكّل أحد أعمدة الدولة الأساسية.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.