لفتني خلال الأيام والأسابيع الأخيرة سلسلة من التصريحات والمواقف، تبدو للوهلة الأولى متفرقة، وربما لا يجمع بينها شيء مباشر. لكن وضعها في سياقها الزمني والسياسي يفرض التوقف عندها، ليس من باب بناء نظرية مؤامرة أو الجزم بأن حربًا يجري التحضير لها، وإنما لأن السياسة كثيرًا ما ترسل إشاراتها قبل أن تتضح اتجاهاتها.
- رامي مخلوف يحذر من «مجزرة» في جبل محسن.
- وئام وهاب يذهب أبعد، فيتحدث عن آلاف العسكريين العلويين الموجودين في لبنان، وعن إمكانية دخولهم سوريا، وعن قدرة حزب الله على الوصول إلى حمص والساحل.
وقبل ذلك، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تحدث علنًا عن الرئيس السوري أحمد الشرع وحزب الله، وقال إنه ناقش معه مسألة التعامل مع الحزب، بل رأى أن السوريين قد يكونون أكثر قدرة من إسرائيل على ذلك. وقد أكد الشرع، في المقابل، أنه لا يريد تدخلاً عسكريًا سوريًا في لبنان.
وفي الوقت نفسه ترتفع لهجة حزب الله، فيما يفتح أمينه العام نعيم قاسم، بصورة تبدو متناقضة ظاهريًا، الباب أمام لقاء القيادة السورية الجديدة. وقد ظهرت بالفعل خلال الأيام الأخيرة إشارات متبادلة إلى إمكان فتح مسار حوار بين دمشق والحزب.
ثم جاء تطور ربما يكون أهم من جميع التصريحات: التفاهم السوري–الروسي الجديد.
ففي 9 آب 2026 أعلنت دمشق التوصل إلى مذكرة تفاهم مع موسكو بشأن مستقبل الوجود الروسي في حميميم وطرطوس، بعد مفاوضات طويلة، مع ترتيبات لإعادة أصول مدنية إلى الإدارة السورية وإعادة تنظيم المنشآت العسكرية الروسية. وبعد أيام دخل الرصيف الرابع في ميناء طرطوس مرحلة التشغيل التجاري السوري. وأعلنت الخارجية الروسية أن الاتفاق يمثل مرحلة جديدة في العلاقات مع دمشق.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام ضجيج سياسي متفرق، أم أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة رسم خطوط القوة بين سوريا ولبنان بعد أن حسمت موسكو شكل علاقتها مع دمشق الجديدة؟
لماذا الآن؟
السؤال عن التوقيت ليس تفصيلًا. مذكرة التفاهم السورية–الروسية تعني، قبل أي شيء آخر، أن موسكو اختارت التعامل مع الواقع السوري الجديد.
قد تختلف مع دمشق، وقد تتمسك بمصالحها، وقد تحتفظ بحضور عسكري وفق الترتيبات الجديدة، لكنها لم تعد تتعامل مع السلطة الجديدة باعتبارها حالة مؤقتة تنتظر سقوطها وعودة النظام السابق. وهذا تطور استراتيجي.
فإذا كانت بعض القوى والشخصيات المرتبطة بالنظام السابق تراهن على أن روسيا قد تعيد النظر في موقفها من دمشق الجديدة، فإن الاتفاق يضعف مثل هذا الرهان.
روسيا تريد مصالحها. ودمشق تريد تثبيت سيادتها. والطرفان توصلا إلى تسوية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا يبقى للقوى التي خسرت النظام القديم ولم تعد تستطيع الرهان على موسكو لإعادته؟ ربما تكون إحدى الأوراق المتبقية هي ورقة الأقليات، وفي مقدمتها الورقة العلوية. لكن هذا استنتاج تحليلي، وليس لدينا حتى الآن دليل يثبت وجود غرفة عمليات واحدة تدير هذه الرسائل أو تربط أصحابها بعضهم ببعض.
مخلوف: لماذا جبل محسن؟
هنا يصبح كلام رامي مخلوف أكثر إثارة للاهتمام. لماذا جبل محسن تحديدًا؟ ولماذا التحذير من «مجزرة»؟
جبل محسن ليس مجرد حي طرابلسي. إنه مكان يحمل ذاكرة ثقيلة من الصراع بينه وبين باب التبانة، ومن امتداد الحرب السورية إلى طرابلس، ومن الانقسام بين مؤيدي النظام السوري ومعارضيه. ولذلك فإن استحضار «الخطر على العلويين» في جبل محسن قادر، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة، على استدعاء ذاكرة كاملة كان اللبنانيون، والطرابلسيون خصوصًا، يأملون أنها أصبحت وراءهم.
وهنا يصبح السؤال واجبًا: إذا كان مخلوف يمتلك معلومات أمنية جدية عن هجوم يجري التحضير له، فما مصدرها؟ من سيهاجم جبل محسن؟ ومتى؟ وبأي قوة؟ ومن أين ستأتي؟ ولماذا لم نسمع حتى الآن من المؤسسات الأمنية اللبنانية ما يتناسب مع خطورة هذا السيناريو؟
الأخطر: وكأن لا دولة في لبنان وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأخطر في هذه السجالات كلها.
هناك دولة لبنانية. وهناك جيش. وهناك مخابرات جيش. وهناك أمن عام وأمن داخلي وأجهزة أمنية متعددة. وحتى الآن، لا تتوافر علنًا تقارير رسمية لبنانية تؤكد أن قوة عسكرية تستعد لمهاجمة جبل محسن، أو أن آلاف المقاتلين يستعدون للعبور إلى حمص.
صحيح أن لبنان شهد سابقًا ملاحقات مرتبطة بأشخاص من النظام السوري السابق، وأن تقارير تحدثت عن تحركات ووجود لعناصر سابقة في لبنان. كما سبق للدولة اللبنانية أن أعلنت رفض استخدام أراضيها منصة لتهديد أمن سوريا. لكن هذا شيء، والحديث عن آلاف العسكريين وعن اجتياح حمص والساحل ومجزرة في جبل محسن شيء آخر تمامًا.
والغريب أننا نسمع سياسيين وشخصيات تتحدث عن الجغرافيا اللبنانية والسورية، وعن تحريك آلاف الرجال، وعن دخول مدن، وكأن الحدود بلا دولة، ولبنان بلا جيش، وسوريا بلا جيش، وكأن قرار الحرب والسلم أصبح مادة مفتوحة لكل من يظهر أمام شاشة.
إذا كان ما يقال صحيحًا، فنحن أمام قضية أمن قومي لبناني. وإذا كان غير صحيح، فنحن أمام قضية لا تقل خطورة: صناعة الخوف الطائفي بواسطة معلومات غير مثبتة. وفي الحالتين، على الدولة أن تتكلم.
وئام وهاب… ماذا تعني رسالة حمص؟
يذهب كلام وئام وهاب إلى مكان أبعد بكثير. فالحديث المتداول والمنسوب إليه لا يكتفي بالدفاع عن العلويين، بل يتحدث عن قوة عسكرية علوية موجودة في لبنان وعن إمكانية دخولها سوريا وعن حزب الله وحمص والساحل.
وثمة تسجيل منشور لكلام وهاب عن قدرة حزب الله على السيطرة على حمص والساحل، لكن الأرقام المتداولة عن حجم القوة العلوية لا تتوافر لها، حتى الآن، مصادقة مستقلة من مصدر عسكري لبناني أو سوري. ولذلك يجب التعامل معها بوصفها ادعاءً سياسيًا لا حقيقة أمنية ثابتة.
ولكن لماذا حمص؟ لأن حمص ليست مجرد مدينة سورية. موقعها يجعلها عقدة جغرافية تصل دمشق بوسط سوريا والساحل، وتقع بالقرب من المجال الحدودي اللبناني. ومن هنا فإن إدخال حمص والساحل وحزب الله في خطاب واحد يرسم، نظريًا، مسرحًا جغرافيًا واسعًا يمتد من لبنان إلى الداخل السوري. وهذا وحده كافٍ لجعل الكلام خطيرًا.
مخلوف ووهاب: خطابان متعاكسان يؤديان إلى النتيجة نفسها
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. رسالة مخلوف تقول، بصورة أو بأخرى: العلويون مهددون.
أما الرسالة المنسوبة إلى وهاب فتقول: العلويون يمتلكون قوة، وهناك من يستطيع التحرك عسكريًا دفاعًا عنهم.
الأولى تنتج الخوف. والثانية تنتج الردع. لكن الخوف والردع قد يصبحان وجهين لمعادلة واحدة. لأن الجماعة التي تعتقد أنها مهددة تبحث عن السلاح، والجماعة المقابلة عندما ترى السلاح تعتبره دليلًا على أن مخاوفها كانت صحيحة.
وهكذا تبدأ الحروب الأهلية أحيانًا قبل أن يقرر أحد رسميًا بدء الحرب.
وماذا يريد ترامب من الشرع؟
هنا تدخل الولايات المتحدة إلى الصورة.
في 17 حزيران كشف ترامب أنه تحدث مع الشرع عن التعامل مع حزب الله، وذهب إلى القول إن السوريين يستطيعون القيام بذلك بصورة أفضل من إسرائيل. لكن الشرع رفض، وفق ما نقلته رويترز، فكرة التدخل العسكري السوري في لبنان لما قد تسببه من مخاطر طائفية.
وهذه واقعة مهمة جدًا لأن حزب الله كان طوال عقود ينظر إلى سوريا باعتبارها عمقًا استراتيجيًا وطريقًا للإمداد وحليفًا سياسيًا وعسكريًا. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة جذريًا. لم تعد دمشق حليفًا للحزب. ولم يعد الطريق السوري مضمونًا. والولايات المتحدة تريد من السلطة الجديدة ممارسة مزيد من الضغط عليه. وهنا يمكن فهم جزء من القلق الموجود لدى الحزب.
هل تستطيع دمشق فعلًا الدخول في حرب مع حزب الله؟
نظريًا تستطيع الأطراف تهديد بعضها بما تشاء.
عمليًا، الأمر مختلف.
سوريا الخارجة من حرب طويلة لديها من المشكلات الداخلية ما يكفيها. والشرع نفسه أكد عدم رغبته في التدخل العسكري في لبنان. والدخول في مواجهة واسعة مع حزب الله قد يفتح على سوريا أبوابًا مذهبية وإقليمية لا تستطيع دمشق ضمان نهايتها.
لذلك من الممكن أن يكون الضغط الأميركي وسيلة لزيادة الضغط على الحزب أكثر منه خطة عمليات عسكرية جاهزة. لكن الحزب لا يستطيع تجاهل الاحتمال بالكامل.
وماذا عن إيران؟
ظهرت في الأيام الأخيرة روايات عن تحذير إيراني شديد اللهجة لدمشق من التدخل ضد حزب الله في لبنان، ووصل بعضها إلى الحديث عن رد عسكري إيراني على سوريا. لكن هنا يجب أن نتوقف.
وجدت هذه الرواية متداولة في مصادر إعلامية ومنصات مرتبطة بمحاور سياسية مختلفة، ومنها تقرير حديث يتحدث عن تحذير إيراني، لكنني لم أجد حتى الآن بيانًا رسميًا إيرانيًا أو تأكيدًا مستقلًا من وكالة دولية كبرى يسمح لي بالتعامل مع تفاصيل التهديد المتداولة بوصفها حقيقة ثابتة. لذلك من الأدق القول:
هناك حديث متداول عن رسالة تحذير إيرانية، أما مضمونها الدقيق ودرجة صحتها فيحتاجان إلى توثيق إضافي.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن المقالة التحليلية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإعادة نشر حرب نفسية.
نعيم قاسم: التصعيد والحوار في الوقت نفسه
ثم يأتي موقف نعيم قاسم ليزيد الصورة تعقيدًا.
فمن جهة، يرفع حزب الله سقف خطابه ويؤكد استمراره في المقاومة ويرفض الضغوط المفروضة عليه. ومن جهة أخرى، أعلن قاسم أخيرًا أنه لا يمانع لقاء القيادة السورية، وهو تحول مهم إذا قورن بتاريخ العلاقة العدائية بين الحزب والسلطة السورية الجديدة. وقد تناولت مصادر متعددة خلال الأسبوع الأخير محاولات استكشاف إمكانية فتح حوار بين الجانبين.
هل هناك تناقض؟ ليس بالضرورة. فقد يكون ما نشهده نموذجًا كلاسيكيًا من التفاوض تحت سقف الردع.
الحزب يقول لدمشق: نستطيع الحوار. لكنه يقول في الوقت نفسه: لا تتعاملوا معنا باعتبارنا طرفًا ضعيفًا يمكن إنهاؤه بسهولة. وهذه ممارسة مألوفة في السياسة الدولية: رفع السقف قبل الجلوس إلى الطاولة.
السيناريو الأول: كل ما نشهده حرب أعصاب
وهذا، حتى الآن، أحد السيناريوهات الأكثر عقلانية. لا حرب مقررة. لا اجتياح لحمص. لا هجوم على جبل محسن. بل رسائل متبادلة هدفها تحسين المواقع قبل التسويات المقبلة.
روسيا تفاوض دمشق. واشنطن تضغط على دمشق في ملف حزب الله. حزب الله يحاول تثبيت خطوط حمراء. وإيران لا تريد خسارة آخر أوراقها في المشرق. وشخصيات مرتبطة بالبيئة السابقة للنظام السوري تبحث عن موقع في الخريطة الجديدة.
في هذه الحالة يكون التصعيد الإعلامي جزءًا من المفاوضات، لا مقدمة للحرب.
السيناريو الثاني: إعادة تشكيل «المسألة العلوية»
هذا أخطر. فبعد سقوط الأسد وأحداث الساحل، يوجد خوف حقيقي داخل قطاعات من المجتمع العلوي.
لكن السؤال هو: من سيمثل هذه المخاوف سياسيًا؟ هل ستنجح الدولة السورية الجديدة في إدماج العلويين داخل الدولة؟ أم ستظهر قوى تقدم نفسها حامية لهم؟ وهل سيبقى الأمر سوريًا، أم سيجري ربط الساحل السوري بحمص ثم بجبل محسن في لبنان؟
إذا حدث الثاني، فنحن أمام محاولة لإنشاء جغرافيا سياسية للخوف العلوي عابرة للحدود. وهنا يصبح لبنان جزءًا من أزمة سورية جديدة.
السيناريو الثالث: حادث أمني محدود يفلت من السيطرة
هذا، برأيي، أخطر من سيناريو الحرب المخطط لها.
الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار كبير. قد يبدأ الأمر باعتقال. أو مداهمة. أو إطلاق نار على الحدود. أو مجموعة مسلحة تعبر من جهة إلى أخرى. أو حادث في جبل محسن. أو اشتباك في البقاع.
ثم يبدأ تبادل الاتهامات. وتتحرك الجماعات. وتدخل العصبيات المذهبية. وتجد الدول نفسها أمام أزمة لم يقرر أحد أصلًا إنشاءها. ولهذا ينبغي التعامل مع الخطاب الحالي بحذر بالغ.
السيناريو الرابع: ضربة استباقية
وهذا الاحتمال لا يمكن استبعاده نظريًا، لكنه حتى الآن الأقل ثبوتًا.
إذا اقتنع حزب الله بأن هناك مشروعًا حقيقيًا لخنقه تدريجيًا من الجنوب بواسطة إسرائيل، ومن الداخل عبر الدولة اللبنانية، ومن الشرق عبر سوريا الجديدة، فقد تظهر داخل حساباته فكرة أن الانتظار يجعل وضعه أسوأ. وهذه معضلة معروفة في حسابات الردع: إذا كنت ستقاتل في النهاية، فهل تقاتل الآن أم عندما تصبح أضعف؟
لكن أي مغامرة عسكرية واسعة باتجاه سوريا ستكون شديدة الخطورة على الحزب نفسه. فهي قد تمنح دمشق شرعية الدفاع عن أراضيها. وقد تزيد الدعم الأميركي لها. وقد تفتح الباب أمام تدخل إسرائيلي أكبر. وقد تضع الدولة اللبنانية أمام واقع لم يعد بالإمكان تجاهله.
ولذلك فإن وجود منطق استراتيجي محتمل للضربة الاستباقية لا يعني أن الحزب اتخذ قرارًا بها.
لا يوجد حتى الآن دليل علني يسمح بهذا الاستنتاج.
السيناريو الخامس: التسوية
وربما يكون هذا السيناريو أقل إثارة إعلاميًا، لكنه الأكثر أهمية. قد يكون كل رفع السقوف الذي نشاهده تمهيدًا لتسوية.
حزب الله يحتاج إلى معرفة ما الذي تريده سوريا منه. وسوريا تريد ضمان حدودها ومنع أي نشاط عسكري ضدها انطلاقًا من لبنان. ولبنان يريد، أو يفترض أن يريد، منع استخدام أراضيه لضرب سوريا. وروسيا تريد استقرار التسوية التي عقدتها مع دمشق. والولايات المتحدة تريد إضعاف حزب الله. وإيران تريد الحفاظ على ما تبقى من نفوذها.
وعندما تكون مصالح الجميع متعارضة بهذه الصورة، تصبح المفاوضات أحيانًا أقل كلفة من الحرب. ولهذا لا ينبغي أن نقرأ كل تهديد باعتباره إعلان حرب.
قد يكون بعض التهديدات تحديدًا محاولة لمنعها. ولكن أين لبنان من كل ذلك؟
هذه بالنسبة إليّ القضية الأساسية. نتحدث عن جبل محسن، وعن البقاع، وعن الحدود، وعن آلاف العسكريين السوريين المزعوم وجودهم في لبنان، وعن حزب لبناني قد يدخل سوريا، وعن سوريا قد تتدخل ضد حزب لبناني، وعن إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا. ويبقى السؤال: أين الدولة اللبنانية؟
إذا كان في لبنان تنظيم عسكري سوري بهذا الحجم، فعلى الدولة أن تقول ماذا تعرف عنه. إذا كانت هناك معلومات عن هجوم على جبل محسن، فعلى الأجهزة الأمنية أن تتحرك وتطمئن الناس. وإذا لم تكن هناك معلومات، فعليها أيضًا أن تقول ذلك. لأن الصمت أمام خطاب الخوف يسمح للشائعة بأن تتحول إلى واقع سياسي. ولا يجوز أن يكون قرار الحرب والسلم بين لبنان وسوريا بيد حزب أو زعيم أو رجل أعمال سوري أو شخصية سياسية تظهر على شاشة.
الحدود مسؤولية الدولة. وأمن جبل محسن مسؤولية الدولة. وأمن البقاع مسؤولية الدولة. وأي سوري موجود على الأراضي اللبنانية، مهما كان انتماؤه، يخضع للقانون اللبناني.
هذه ليست مسألة موقف من الأسد أو الشرع أو حزب الله. إنها مسألة وجود دولة من عدمه.
الأسابيع المقبلة…
لا أعتقد أن المعطيات المتوافرة اليوم تسمح بالقول إن حربًا سورية–لبنانية أو مواجهة بين دمشق وحزب الله أصبحت حتمية. بل الأدلة المتوافرة لا تزال ترجح أن أبواب السياسة مفتوحة، خصوصًا مع الحديث عن إمكان التواصل بين الحزب والقيادة السورية.
لكن من الخطأ أيضًا تجاهل تراكم الإشارات. مخلوف يتحدث عن جبل محسن. وهاب يتحدث عن حمص والساحل وحزب الله. ترامب تحدث مع الشرع عن الحزب. موسكو حسمت تسوية جديدة مع دمشق بشأن وجودها العسكري. حزب الله يرفع سقف خطابه، لكنه يترك باب التواصل مع دمشق مفتوحًا. وتدور روايات عن رسائل إيرانية تحذيرية لا تزال تفاصيلها بحاجة إلى توثيق مستقل.
كل واحدة من هذه الوقائع منفردة قد لا تعني الكثير. لكن اجتماعها في مساحة زمنية ضيقة يستحق المراقبة. ليس لأن الحرب مؤكدة. بل لأن البيئة التي تسمح بالخطأ في الحسابات أصبحت موجودة.
والمشكلة في منطقتنا أن الحروب لم تبدأ دائمًا لأن الجميع أرادوها؛ بعضها بدأ لأن كل طرف اعتقد أن الطرف الآخر لن يذهب حتى النهاية. لذلك ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل ستقع الحرب؟ بل: هل بدأ بعض اللاعبين يتصرفون على أساس احتمال وقوعها؟
والفارق بين السؤالين كبير جدًا. فإذا كانت هذه التصريحات مجرد رفع للسقوف قبل التسوية، ستتراجع اللهجة عندما تبدأ المفاوضات الجدية. أما إذا بدأت الأسابيع المقبلة تحمل تحركات عسكرية غير اعتيادية على الحدود، أو ضبط مجموعات منظمة وأسلحة، أو عمليات تسلل، أو استنفارًا في مناطق لبنانية حساسة، أو تغيرًا نوعيًا في خطاب دمشق وحزب الله، فعندها ينبغي إعادة قراءة كل ما قيل خلال هذه الأيام. وحينها قد نكتشف أن تصريحات بدت لنا متفرقة لم تكن متفرقة تمامًا.
فهل تحمل الأسابيع المقبلة ما لم يكن في الحسبان؟ لا توجد اليوم أدلة كافية للقول نعم. لكن ثمة ما يكفي بالتأكيد لكي نتوقف، ونراقب، ونسأل.
والأهم من كل ذلك أن نتذكر أن لبنان ليس أرضًا سائبة، وجبل محسن ليس ورقة في صراع سوري، والحدود ليست ملكًا لحزب أو جماعة. أو هكذا يفترض أن يكون الأمر عندما تكون هناك دولة، وأعتقد أن لدينا دولة…

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
