ديناميكيات حافة الهاوية

افتتاحية الأسبوع

يستقبل الشرق الأوسط أسبوعاً جديداً وهو يترنّح على حافة تحوّل استراتيجي بنيوي، تتداخل فيه جبهات الاستنزاف العسكري مع قنوات الدبلوماسية الخلفية، وتقترب فيه الحسابات الإقليمية من لحظة الاصطدام بالتوازنات الدولية بصورة هي الأعنف منذ سنوات. ولم تُشكل أحداث الأسبوع الفائت مجرّد سياقات أمنية منفصلة، بل تجلّت كحلقة مترابطة في عملية إعادة هندسة جيوسياسية لخرائط النفوذ وموازين القوى في المنطقة، مدفوعةً برياح التحوّلات العالمية المتسارعة وتآكل النظام الدولي أحادي القطبية، حيث يتصاعد بالتوازي التنافس الجيو – اقتصادي والتكنولوجي المحموم بين واشنطن وبكين، في وقتٍ تُواصل فيه حرب الاستنزاف الروسية – الأوكرانية قضم القدرات العسكرية والاقتصادية للمنظومة الأوروبية دون أفق لمنظومة أمنية بديلة. ووسط هذا الفراغ الدولي، يرتسم الشرق الأوسط مجدداً كمركز ثقل وبؤرة ارتكاز في الصراع العالمي، بعدما تحوّلت معادلات الردع في ساحاته إلى مُتغيّر حرج يَتَحكّم بأسواق الطاقة العالمية وأمن الملاحة الحيوية وسلاسل الإمداد الدولية.

وعلى وقع هذا الهيجان الإقليمي، تصدّر لبنان واجهة الحدث الجيوسياسي إثر تعرّضه للموجة الأعنف من الأحزمة النارية والقصف الإسرائيلي الممنهج منذ أسابيع وخاصة في الثمانية وأربعين الساعة الأخيرة، حيث استهدفت غارات الجيش الإسرائيلي المكثفة عمق البقاع والشريط الحدودي في الجنوب، مُحدثةً دماراً واسعاً في البنية التحتيّة الحرجة وخسائر بشرية جسيمة، في خطوة سعت تل أبيب من خلالها إلى فرض عقيدة عسكرية جديدة ترتكز على حريّة الحركة الميدانية المطلقة وكسر الخطوط الحمر، بمعزل عن مسار المساعي الدبلوماسية الدولية الصاخبة. ولم تتأخر طهران في تلقّف هذه الرسائل النارية، إذ تعاطت مع التصعيد كجزء من استراتيجية الضغط الأقصى المتجدّد التي تستهدف أذرعها الإقليمية وحلفاءها في “محور المقاومة”، فسارعت الدبلوماسية الإيرانية إلى تمرير رسائل مشفرة مباشرة وغير مباشرة إلى البيت الأبيض، رهنَتْ فيها مستقبل مسارات التفاوض القائمة بمدى لجم العمليات العسكرية الإسرائيلية ضدّ لبنان، ملوّحةً بورقة التجميد الشامل للمحادثات كأداة ضغط استراتيجية لدفع إدارة واشنطن نحو ممارسة نفوذها الفاعل على القرار الإسرائيلي المأزوم.

وأثبتت المعطيات الميدانية للأسبوع المنصرم أن الهجمات الإسرائيلية لم تكن مجرّد ردّ فعل تكتيكي، بل تندرج ضمن استراتيجية حافة الهاوية لتثبيت وقائع جغرافية جديدة، مؤكدة أن قواعد الاشتباك التقليدية التي أَمّنت استقراراً هشاً لسنوات قد دُفنت إلى غير رجعة، وأن المنطقة تدحرجت إلى مرحلة السيولة الأمنية الشاملة، حيث تلاشت المسافات الفاصلة بين المواجهات الموضعية والحروب الإقليمية المفتوحة، وباتت فتائل الانفجار مرتبطة عضوياً ببورصة التفاوض الأميركي – الإيراني. وتوازياً مع العمليات العسكرية، اتجهت البوصلة السياسية نحو سويسرا، حيث احتضن منتجع “بورغنستوك” على بحيرة “لوسيرن” خلف أبواب مغلقة مفاوضات بالغة الأهمية جمعت الوفدين الأميركي والإيراني، برعاية قطرية وباكستانية لافتة، في محاولة صياغة صفقة حزمة واحدة تشمل إحياء المقاربات التسوويّة للملف النووي، وهندسة أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وتفكيك الألغام الموقوتة في ساحات الاشتباك الإقليمية وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.

وتكشف القراءة البراغماتية العميقة لهذه المحادثات أن الشياطين تكمن في تفاصيل الاشتباك الجيوسياسي الممتد، فالخلاف لم يعد هندسياً محصوراً بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، بل تشظّى ليشمل العمق الاستراتيجي الإيراني ونفوذ طهران العابر للحدود من بغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت ومروراً بصنعاء، مما يجعل من إنتاج “اتفاق إطار” أمراً معقداً وشديد الحساسية.

ويحمل هذا الأسبوع مؤشرات قوية على استمرار حالة الاستعصاء الاستراتيجي والترقب الحذر، فالمفاوضات محكومة بجولات شاقة من “عضّ الأصابع”، فيما ستبقى الجبهات في لبنان مشتعلة رهينة منطق الرسائل المتبادلة بالدم والنار لتحسين الشروط التفاوضية على الطاولة السويسرية، مع بقاء مضيق هرمز وممرات الطاقة تحت رحمة أوراق الضغط الاقتصادي المتبادل.

وتُثبت معطيات المرحلة الراهنة بما لا يدع مجالاً للشك، أن الشرق الأوسط لا يمرّ بأزمة عابرة أو توتر حدودي مؤقت، بل يمر بمخاض تاريخي لإعادة صياغة النظام الإقليمي الجديد. وبين منطق فرض الوقائع بالقوة العسكرية ومنطق المقايضات الدبلوماسية، تتبدى الحقيقة الاستراتيجية الثابتة في أن المنطقة لم تقترب بعد من نقطة التوازن الاستراتيجي ولا زالت بعيدة عن ذلك، وأن الأيام القليلة المقبلة حُبلى بتطورات جيوسياسية غامضة، ستترك بصماتها العميقة على هوية المنطقة وعقودها المقبلة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.