لا شك أن معركة استخدام أطفالنا لوسائل التواصل الاجتماعي حُسمت منذ سنوات، عندما دخل الهاتف إلى غرفهم وصفوفهم وأوقات طعامهم، وأصبح رفيقهم الدائم، وربما المرجع الأكثر تأثيراً في تشكيل أفكارهم وسلوكهم ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين.
لكن إلى أي حدّ يمكن أن نترك طفولة كاملة تُدار بواسطة خوارزميات صُممت أساساً لجذب الانتباه وإطالة مدة الاستخدام وتحويل المشاعر والعلاقات الإنسانية إلى أرقام وبيانات وأرباح؟
لسنوات، تعامل العالم مع الحد الأدنى للعمر على منصات التواصل الاجتماعي كإجراء شكلي، لا أكثر. كان يكفي أن يكتب الطفل تاريخ ميلاد غير حقيقي، وأن يضغط زر الموافقة، ليدخل فضاءً رقمياً بالغ التعقيد، من دون أن يسأله أحد إن كان يملك النضج النفسي أو القدرة العقلية والعاطفية على التعامل مع ما سيشاهده.
أما اليوم، فتبدو دول كثيرة وكأنها بدأت تدرك، ولو متأخرة، أن ترك الأطفال وحدهم في هذا العالم المفتوح قد يكون شكلاً من أشكال التخلي عن المسؤولية.
خلال عامي 2025 و2026، اتجهت حكومات عديدة إلى فرض قيود عمرية على استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل الاجتماعي. واختلفت النماذج بين الحظر الكامل، واشتراط موافقة الوالدين، وإلزام المنصات بالتحقق من عمر المستخدم، وتقييد الخصائص التي تشجع التصفح المطول أو الاستخدام القهري.
فقد أقرت دولة الإمارات قواعد تمنع من هم دون 15 عاماً من إنشاء حسابات شخصية على منصات التواصل أو استخدامها، أما أستراليا فاختارت نموذجاً أكثر تشدداً، إذ دخل حظر استخدام منصات التواصل على من هم دون 16 عاماً حيز التنفيذ في ديسمبر/كانون الأول 2025. وأعلنت بريطانيا خططاً لتطبيق حظر مماثل ابتداءً من ربيع عام 2027، إلى جانب فرض قيود على بعض الخصائص المتاحة للمستخدمين في سن 16 و17 عاماً.
وسارت دول آسيوية في الاتجاه نفسه؛ ففرضت إندونيسيا قيوداً على استخدام من هم دون 16 عاماً للمنصات المصنفة عالية المخاطر، واتخذت ماليزيا إجراءات لمنع هذه الفئة العمرية من تسجيل حسابات جديدة. كما أقر البرلمان التركي تشريعاً يستهدف منع من هم دون 15 عاماً من استخدام وسائل التواصل، مع تحميل المنصات الرقمية وشركات الألعاب مسؤوليات إضافية.
وفي أوروبا، تتفاوت المقاربات من دولة إلى أخرى. فقد حاولت فرنسا حظر استخدام شبكات التواصل على من هم دون 15 عاماً، إلا أن المجلس الدستوري ألغى جوهر القانون في أغسطس/آب 2026، معتبراً أن بعض أحكامه تمس حرية التعبير والتواصل.
وتتجه إسبانيا إلى رفع السن الدنيا إلى 16 عاماً، بينما تدرس الدنمارك والنرويج وبولندا وسلوفينيا وضع الحد عند 15 عاماً. واتفقت أحزاب الائتلاف الحاكم في النمسا على مبدأ الحظر لمن هم دون 14 عاماً، فيما تخطط اليونان لمنع من هم دون 15 عاماً من استخدام بعض المنصات ابتداءً من عام 2027. أما البرتغال، فتميل إلى الجمع بين المنع وموافقة الوالدين، في حين تعتمد ألمانيا وإيطاليا بصورة أكبر على الموافقة الأبوية بدلاً من الحظر الكامل.
كذلك طُرحت مشروعات قوانين في نيوزيلندا وكندا لمنع من هم دون 16 عاماً من امتلاك حسابات على بعض خدمات التواصل. وفي البرازيل، اتُخذ مسار مختلف يقوم على ربط بعض حسابات القاصرين بوليّ قانوني، وتقييد خصائص مثل التصفح اللانهائي، من دون فرض حظر شامل على جميع من هم دون 16 عاماً. أما الولايات المتحدة، فلا تزال تفتقر إلى قانون فيدرالي موحد، على الرغم من إقرار عدد من الولايات تشريعات خاصة أو اقتراحها، ومواجهة بعضها طعوناً قضائية.
هذه الموجة العالمية لا تعني أن الحظر أصبح حلاً سحرياً، ولا أن تحديد سن قانونية سيعيد تلقائياً إلى الأطفال طفولتهم المسلوبة. فالطفل الذي يُمنع من إنشاء حساب يمكن أن يستخدم حساب شخص آخر، أو أن ينتقل إلى منصة أقل رقابة، أو أن يتحايل على وسائل التحقق كما كان يفعل سابقاً. لكن أهمية هذه الإجراءات تكمن في أمر آخر: إنها تنهي مرحلة التنصل الجماعي من المسؤولية.
فلسنوات طويلة، ألقت شركات التكنولوجيا المسؤولية على المستخدم، وحمّلت الأسر عبء المراقبة، واكتفت بوضع شروط استخدام تعرف مسبقاً أن الطفل يستطيع تجاوزها خلال ثوانٍ. وفي المقابل، وجدت العائلات نفسها أمام منصات عالمية تمتلك من أدوات التأثير النفسي وتحليل السلوك ما لا تستطيع الأسرة وحدها مواجهته.
لا يجوز أن يُطلب من الأب والأم أن يخوضا بمفردهما حرباً غير متكافئة مع شركات تعرف متى يشعر الطفل بالملل، وما الذي يثير فضوله، وأي محتوى يدفعه إلى التفاعل، وكيف يمكن إبقاؤه أمام الشاشة دقائق إضافية تتحول، مع مرور الوقت، إلى ساعات وأعوام.
الحظر قد يكون ضرورياً في بعض المراحل العمرية، لكنه يجب أن يكون جزءاً من سياسة أوسع للتربية الرقمية. فنحن لا نريد فقط طفلاً ممنوعاً من استخدام وسائل التواصل، بل نريد طفلاً يفهم كيف تعمل هذه الوسائل، وكيف تحاول التأثير فيه، وكيف يميز بين الحقيقة والتضليل، وبين التواصل الحقيقي والقبول الافتراضي، وبين قيمته الإنسانية وعدد الإعجابات التي يحصل عليها.
المعادلة ليست بسيطة بين حماية القاصرين وصون حرية التعبير والحق في التواصل. لكن صعوبة المعادلة لا تبرر تجاهلها، ولا تمنح شركات التكنولوجيا الحق في مواصلة العمل وفق النموذج القديم نفسه. لقد بُني جزء كبير من اقتصاد المنصات على الاستحواذ على الانتباه. والطفل، بطبيعته، أقل قدرة من البالغ على مقاومة الإشعارات والمكافآت السريعة والمقاطع القصيرة والتصفح الذي لا يصل إلى نهاية.
ومع ذلك، فإن القانون وحده لن ينقذ أطفالنا. يمكن للدولة أن تغلق حساباً، لكنها لا تستطيع وحدها ملء الفراغ الذي سيتركه. وإذا لم يجد الطفل بديلاً حقيقياً في الرياضة والفن والقراءة والطبيعة والعلاقات الأسرية والأنشطة الاجتماعية، فسيبحث مجدداً عن نافذة رقمية يعود من خلالها إلى العالم نفسه. لذلك، يجب ألا يكون الهدف سحب الهاتف من يد الطفل فحسب، بل إعادة الحياة إلى تلك اليد: كتاب تمسكه، أو آلة موسيقية تعزف عليها، أو كرة تلعب بها، أو يد أخرى تصافحها في علاقة إنسانية حقيقية.
المعركة المقبلة ليست بين الأطفال والتكنولوجيا، ولا ينبغي أن تكون كذلك. التكنولوجيا جزء من مستقبلهم، وستبقى حاضرة في تعليمهم وعملهم وعلاقاتهم. المعركة الحقيقية هي بين استخدام واعٍ للتكنولوجيا، واستخدام تحكمه الخوارزميات والمصالح التجارية.
ما تفعله الدول اليوم يمثل بداية ضرورية، لكنه ليس نهاية الطريق. نحتاج إلى قوانين تحاسب الشركات، وأدوات تحقق تحمي الخصوصية، ومدارس تدرّس الثقافة الرقمية، وأسر تستعيد الحوار مع أبنائها، ومجتمعات تقدم للأطفال حياة تستحق أن تُعاش خارج الشاشات.
لقد تأخر العالم كثيراً قبل أن ينتبه إلى أن الطفولة لا ينبغي أن تكون سوقاً مفتوحة. ربما بدأت الدول اليوم بسحب الهواتف من أيدي الأطفال، لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرتنا على أن نعيد إلى تلك الأيدي طفولتها، وإلى عيونها قدرتها على رؤية العالم بعيداً عن الشاشة، وإلى عقولها حقها في أن تنمو بهدوء، قبل أن تتولى الخوارزميات تشكيلها نيابةً عنا.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
