عشية جلسة مجلس النواب… هل يُعاد فتح باب أقفله المشرّع عام 2009؟

اقتراح تجديد ولاية رئيس الجامعة اللبنانية بين استمرارية المؤسسة… واستمرارية الأشخاص

قبل ساعات من انعقاد الجلسة التشريعية لمجلس النواب، يعود ملف الجامعة اللبنانية إلى واجهة النقاش العام، لكن هذه المرة من باب تعديل قانوني قد يعيد رسم قواعد الوصول إلى أعلى منصب أكاديمي في الجامعة الوطنية.

فعلى جدول أعمال الجلسة اقتراح قانون يرمي إلى تعديل الفقرة الرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 66/2009، بما يسمح لرئيس الجامعة اللبنانية بأن تكون ولايته الممتدة خمس سنوات قابلة للتجديد، بعدما كان المشرّع قد حظر التجديد المتتالي منذ سبعة عشر عاماً.

وبين من يرى في الاقتراح تصحيحاً يفرضه واقع الجامعة اللبنانية، ومن يعتبره تراجعاً عن فلسفة تشريعية كرّست تداول المسؤولية ومنعت احتكار المواقع الأكاديمية، يطرح الملف سلسلة من الأسئلة القانونية والمؤسساتية التي تتجاوز شخص رئيس الجامعة الحالي، لتطال مفهوم الحوكمة داخل الجامعة اللبنانية نفسها.

وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل نحن أمام تعديل تشريعي عام يهدف إلى إصلاح إدارة الجامعة، أم أمام معالجة ظرفية فرضها استحقاق انتهاء ولاية الرئيس الحالي؟

تعديل يبدو بسيطاً… لكنه يغيّر فلسفة القانون

في ظاهره، لا يتجاوز الاقتراح استبدال عبارة قصيرة بأخرى. فبدلاً من النص الحالي الذي يحدد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد انقضاء ولاية كاملة، يقترح المشروع أن تصبح الولاية «خمس سنوات قابلة للتجديد».

غير أن هذا التعديل، بحسب البعض، يغيّر طبيعة الولاية القانونية. فالمسألة هنا باتت تتعلق بإمكان بقاء الشخص نفسه في موقع رئاسة الجامعة لولايتين متتاليتين، وربما لفترة أطول إذا لم يحدد القانون سقفاً لعدد مرات التجديد. فلماذا ألغى المشرّع التجديد عام 2009؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى فلسفة القانون رقم 66/2009. فقبل صدوره، كان قانون تنظيم الجامعة اللبنانية رقم 75/1967 يسمح بتجديد ولاية رئيس الجامعة، كما كان يسمح بتجديد تعيين العمداء ومديري الفروع. إلا أن المشرّع، وبعد سنوات من التجربة، اتجه عام 2009 إلى خيار مختلف، فألغى التجديد المتتالي بالنسبة للجميع، وكرّس مبدأ المداورة في المواقع الأكاديمية والإدارية العليا.

ولم يقتصر الأمر على رئيس الجامعة لا بل شمل أيضاً عمداء الكليات ومديري الفروع. أي أن القانون أعاد بناء هرم السلطة داخل الجامعة على قاعدة تداول المسؤوليات. ومن هنا يطرح معارضو الاقتراح سؤالاً بديهياً: إذا كانت المداورة ضرورية لمنع تمركز السلطة لدى العمداء ومديري الفروع، فلماذا تصبح غير ضرورية عند رئيس الجامعة، وهو صاحب أوسع الصلاحيات؟

خمس سنوات… هل هي غير كافية؟

تستند الأسباب الموجبة للاقتراح إلى أن ولاية الرئيس، المحددة بخمس سنوات، لا تكفي لتنفيذ المشاريع والخطط الاستراتيجية. غير أن هذا التبرير يثير أكثر من علامة استفهام. فرئيس الجامعة لا يُنتخب على أساس برنامج انتخابي ملزم، ولا يمنحه القانون ولاية مرتبطة بمشروع شخصي. بل إن القانون ينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تستمر بخططها، لا بأشخاصها.

وإذا كانت المشاريع تتوقف بانتهاء ولاية الرئيس، فهل المشكلة في مدة الولاية، أم في ضعف البناء المؤسسي نفسه؟

ثم إن المقارنة تبدو حاضرة. فإذا كانت ست سنوات تكفي لرئيس الجمهورية، وأربع سنوات تكفي للحكومة أو المجلس النيابي، فما الذي يجعل خمس سنوات غير كافية لرئاسة مؤسسة عامة؟

ظروف استثنائية… أم تأخر السلطة؟

الشق الثاني من الأسباب الموجبة يستند إلى الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي قد تعيق تعيين رئيس جديد. لكن القانون الحالي سبق أن عالج هذه الحالات. فهو يفرض بدء إجراءات التعيين قبل شهرين على الأقل من انتهاء الولاية، كما ينظم حالات الغياب والشغور والإنابة.

ولذلك يسأل معارضو الاقتراح: هل المشكلة في القانون، أم في عدم تطبيقه ضمن المهل المحددة؟ فإذا كانت السلطة التنفيذية لم تبادر إلى إطلاق آلية التعيين في الوقت المناسب، فهل يكون الحل تعديل القانون، أم إلزام الإدارة بتطبيقه؟

مجلس الجامعة… الغائب الأكبر

وربما تكون هذه النقطة الأكثر حساسية في الملف. فالقانون ينص صراحة على أن مجلس الجامعة هو الذي يتولى: دراسة طلبات الترشيح؛ النظر في الاعتراضات؛ اختيار خمسة مرشحين؛ ورفعهم إلى وزير التربية.  لكن مجلس الجامعة غير موجود حالياً. وهذا يعني أن أحد أهم أركان العملية القانونية لإنتاج رئيس جديد غائب بالكامل. بل إن المادة 17 من قانون تنظيم الجامعة تنص على أن مجلس الجامعة يبدي الرأي في أي تعديل يطال قانون الجامعة وأنظمتها. وهنا يبرز سؤال آخر: كيف يُعدَّل قانون الجامعة في غياب الجهة التي ألزم القانون نفسه بأخذ رأيها؟

وهنا تبرز إشكالية أخرى أكثر تعقيداً. ففي ظل غياب مجلس الجامعة، يمارس رئيس الجامعة بعض صلاحيات المجلس، بعد اقتران مقرراته بموافقة وزير التربية. وإذا أصبح الرئيس الحالي، بعد تعديل القانون، مؤهلاً لإعادة الترشح، فإن السؤال يصبح قانونياً قبل أن يكون سياسياً: هل يجوز أن يكون الشخص مرشحاً، وفي الوقت نفسه جزءاً من الآلية التي تدير مرحلة الترشيح؟

ولا يعني ذلك اتهاماً بوقوع مخالفة، لكنه يطرح مسألة تضارب مصالح تستوجب ضمانات واضحة، لأن مجرد اجتماع هاتين الصفتين قد يثير طعوناً قانونية وسياسية لاحقاً.

السؤال الأكثر حضوراً في النقاش يتمثل في سبب استثناء رئيس الجامعة وحده. فإذا كانت فلسفة قانون 2009 قائمة على المداورة، وإذا كانت ما تزال مطبقة على عمداء الكليات ومديري الفروع، فما المعيار الذي يبرر إعادة فتح باب التجديد للرئيس وحده؟ وهل نحن أمام إصلاح شامل لقانون الجامعة، أم أمام تعديل يطال موقعاً واحداً فقط؟

وجهة نظر أخرى: القانون لا يمدد… بل يفتح باب المنافسة

في المقابل، يرفض المحامي الدكتور جاد طعمه، وكيل الجامعة اللبنانية، توصيف الاقتراح بأنه تمديد أو تجديد حكمي للرئيس الحالي. ويعتبر أن المشروع لا يمنح الرئيس ولاية جديدة تلقائياً، بل يتيح له فقط العودة إلى المنافسة، شأنه شأن أي أستاذ آخر يستوفي الشروط القانونية.

ويشرح أن رئيس الجامعة لا يُنتخب مباشرة، بل يُعيَّن بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، بعد اختيار خمسة مرشحين ورفع أسمائهم إلى المجلس، ما يعني أن تعديل القانون لا يؤدي حكماً إلى بقاء الرئيس الحالي.

كما يرى أن توقيت الاقتراح يرتبط باقتراب انتهاء الولاية، وبصعوبة إنجاز التعيينات في الظروف اللبنانية الراهنة، معتبراً أن الجامعة ليست في أفضل أوضاعها لاستقبال إدارة جديدة تحتاج إلى وقت لفهم تعقيدات المؤسسة.

وفي ما يتعلق بغياب مجلس الجامعة، يحمّل طعمه السلطة التنفيذية مسؤولية هذا الواقع، موضحاً أن تشكيل المجلس يعود إلى مجلس الوزراء، وأن رئيس الجامعة طالب مراراً بتعيينه.

إلا أن طعمه، في المقابل، يبدي ملاحظات واضحة على الأسباب الموجبة للاقتراح، ويعتبر أنها لم تُصغ بصورة كافية، وكان من الأفضل أن تستند إلى الظروف الاستثنائية التي رافقت الولاية الحالية، لا إلى فكرة استكمال المشاريع، لأن الإدارة العامة تقوم على مبدأ استمرارية المرفق العام، لا على استمرارية الأشخاص.

كما يلفت إلى أنه، لو كان مشرّعاً، لفضّل تقصير مدة الولاية إلى ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، بحيث لا تتجاوز الولاية الإجمالية ست سنوات، بدلاً من الإبقاء على خمس سنوات قابلة للتجديد.

أسئلة تنتظر إجابات

بغض النظر عن الموقف المؤيد أو المعارض، تبقى مجموعة من الأسئلة الجوهرية معلقة: لماذا يُستثنى رئيس الجامعة وحده من مبدأ المداورة؟  هل أجريت دراسة تقييمية لتطبيق قانون 2009 قبل اقتراح تعديله؟  لماذا لا يُعاد تشكيل مجلس الجامعة قبل تعديل قانونه؟  كيف ستُدار آلية الترشيح في ظل غياب المجلس؟  ما الضمانات التي تمنع أي تضارب محتمل في المصالح؟  وهل يشكل هذا الاقتراح بداية إصلاح شامل لقانون الجامعة، أم مجرد تعديل يفرضه استحقاق آني؟

لا يتعلق النقاش بكفاءة رئيس الجامعة الحالي أو بأي مرشح محتمل، بل بمبدأ قانوني يحكم واحدة من أهم المؤسسات الوطنية. فالجامعة اللبنانية، بوصفها الجامعة الرسمية الوحيدة في البلاد، يفترض أن تقوم على قواعد مستقرة لا تتغير تبعاً للأشخاص أو الظروف. ومن هنا، فإن السؤال الذي سيواجه مجلس النواب خلال جلسته يوم غد يتمحور حول ما إذا كان يُعاد رسم قواعد تداول السلطة الأكاديمية لأن التجربة أثبتت ضرورة ذلك، أم لأن استحقاقاً معيناً فرض إعادة النظر فيها؟

إن الجواب عن هذا السؤال سيرسم حدود العلاقة بين استمرارية المؤسسات واستمرارية الأشخاص، وبين التشريع بوصفه قاعدة عامة، والتشريع الذي يُولد تحت ضغط الاستحقاقات.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.