لا تقف الأسئلة المطروحة حول التفتيش المركزي عند حدود حادثة داخلية أو خلاف إداري محدود، بل تمتد إلى ملف أكثر خطورة يتصل بكيفية تعامل الجهاز الرقابي مع كاشفي الفساد، ولا سيما أولئك الذين يتقدّمون بملفات موثقة تتعلق بإدارات حساسة.
هنا نتكلم عن مسار متراكم من الكتب والشكاوى والمستندات التي يقول أحد كاشفي الفساد (شاكر طالب) إنها وُضعت في عهدة التفتيش المركزي، كما أُحيلت أو أُبلغت بها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، من دون أن تؤدي، وفق روايته، إلى نتائج ملموسة أو إلى مسار تحقيق واضح وشفاف رغم أنها موثقة. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مصير هذه الملفات، والسبب الذي حال دون ترجمتها إلى إجراءات فعلية أو نتائج واضحة.
وفق ما يورده طالب، فإن المشكلة لم تتوقف عند حدود «تنييم الملفات» أو عدم البت بها، إنما انتقلت إلى ما يعتبره حملة ضغط وانتقام شخصي بحقه، بدأت بعد علم التفتيش المركزي بالكتب التي تقدّم بها. ويؤكد أنه صاحب شكوى وليس مشكوّاً منه، وأن تاريخه في مجال كشف الفساد موثق لدى الجهات الرقابية. كذلك فقد ذهب رئيس التفتيش إلى حدّ حرمان طالب من تقديم أي شكوى جديدة، استناداً إلى نص يعود إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء عام 1983، في وقت يقول طالب إن الفوضى والفساد والتزوير استمرّت منذ ذلك الحين من دون رقابة فعلية. فهل يتحوّل كاشف الفساد من صاحب حق في الحماية والمتابعة إلى طرف مستهدف بسبب الملفات التي فتحها؟
تتخذ هذه القضية بعداً أكثر حساسية عندما يربط طالب بين الشكاوى التي تقدّم بها وبين تعامل أحد المفتشين مع ملفاته. ففي كتاب موجّه إلى رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية، بواسطة المحامي علي عباس (وكيل طالب القانوني)، تمّ عرض مخالفة صادرة عن المفتش إحسان الحسن للقوانين، على خلفية دعوته للاستماع إلى طالب رغم وجود شكوى مقدّمة من الأخير بحق المفتش نفسه أمام التفتيش المركزي وأمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
وتكشف الوثيقة أن النزاع يعود إلى ملف عالق مع هيئة إدارة السير منذ عام 2018. كما تشير إلى أن طالب كان قد تقدّم بشكوى لدى التفتيش المركزي بحق المفتش المذكور، سُجّلت برقم 2025/1816 تاريخ 6/11/2025، طالباً بموجبها كفّ يد المفتش عن النظر في الملفات المقدمة منه، بسبب وجود نزاع شخصي معه.
لا تقف المسألة عند هذا الحد. فالكتاب نفسه يورد أن طالب تقدّم أيضاً بشكوى أمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بحق المفتش ذاته، وأن تحقيقاً حصل لدى الهيئة، حيث أفاد المفتش، بحسب ما جاء في المستند، بأنه لم يعد له علاقة بأي ملف يعود لطالب. وهذه النقطة، إذا ثبتت وفق الأصول، تُدخل الملف في دائرة أكثر دقة تتصل بمبدأ الحياد وتضارب المصالح داخل جهاز رقابي يفترض أن يكون محكوماً بأعلى درجات الانضباط والشفافية.
هذا وقد صدر قرار عن الهيئة يطلب أخذ رأي رئيس التفتيش المركزي في المسألة، وهو ما يعزّز الانطباع بأن هناك خللاً أو التباساً جدياً في الملف.
لكن المفارقة هي في أن طالب فوجئ لاحقاً بإبلاغه، عبر تطبيق واتساب، الساعة السادسة والنصف صباحاً (أي خارج الدوام الرسمي) من قبل المفتش إحسان الحسن نفسه، بموعد جلسة للاستماع إليه في بيروت بتاريخ 21/5/2026. ويشير الكتاب الموجّه إلى رئيس التفتيش المركزي إلى أن هذا الاستدعاء لم يكن الأول من نوعه في الملف نفسه، وأن استدعاء طالب من طرابلس إلى بيروت رتّب عليه أعباء وتعطيلاً، في وقت يورد فيه المستند أن جميع المعنيين الآخرين بالملف يتم الاستماع إليهم عادة في طرابلس.
وتذهب المراسلة إلى أبعد من ذلك، إذ تصف هذا المسار بأنه ينطوي، وفق رواية المستدعي، على كيدية وتعسف ومحاولة للتشفي وإلحاق الضرر به، خصوصاً أنه سبق أن أدلى بعدة إفادات في الملف نفسه. كما يتحدث الكتاب عن استدعاء أشخاص يعملون مع طالب، ما يثير مخاوف من توسيع دائرة الضغط عليه وعلى محيطه المهني.
في ختام الكتاب، يطلب وكيل طالب من رئيس التفتيش المركزي استدعاء المفتش إحسان الحسن، وإلزامه برفع يده عن كل الملفات العائدة إلى المستدعي، بسبب وجود نزاع شخصي معه، ولكونه سبق، بحسب نص الكتاب، أن تعهد أمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بعدم النظر في أي ملف يعود إليه. كما يبدي طالب استعداده للمثول أمام أي مفتش آخر إذا اقتضت الحاجة، مع التذكير بأن الملف يعود إلى عام 2018، ما يطرح سؤالاً إضافياً حول سبب عدم ختم التحقيق فيه منذ فترة طويلة.
ولا يتعلق الأمر هنا بصحة أو عدم صحة المخالفة المنسوبة إلى طالب، فذلك شأن يفترض أن يخضع لتحقيق إداري مستقل. إنما السؤال يتصل بضمانات الحياد: هل يجوز أن يتولى مفتش موضع نزاع وشكوى النظر في ملفات الشخص الذي يشتكي منه؟
إن هذا المسار، إذا ثبتت معطياته في التحقيقات المختصة، يجب أن يحث على إعادة النظر بوظيفة التفتيش المركزي نفسها. هل توجد آلية واضحة داخل التفتيش المركزي لاستقبال الشكاوى؟ هل تُسجَّل هذه الشكاوى وفق أصول إدارية واضحة؟ هل يحصل أصحابها على أرقام للمتابعة؟ هل تُحال الملفات إلى المفتشين المختصين ضمن مهل محددة؟ وهل تتمتع هذه الملفات بالحماية اللازمة لمنع تحويل المبلّغ إلى ضحية رد فعل إداري أو شخصي؟
على أي حال، لا يقف هذا المناخ عند حدود هذا الملف وغيره من القضايا المشابهة. فثمة واقعة أخرى لا تقل دلالة تفتح الباب أمام أسئلة إضافية حول آليات التعامل الداخلي داخل هذه المؤسسة الرقابية، وطريقة إدارة الشكاوى عندما يكون أحد أطرافها قريباً من دوائر القرار.
وتتعلق هذه الواقعة بما حصل مؤخراً بين السيدة نسرين علية وسكرتيرة رئيس التفتيش المركزي، حيث تفيد المعطيات بوقوع تلاسن بين الطرفين تطوّر إلى اعتداء جسدي على علية. وتشير المعلومات إلى أن الأخيرة، وبناءً على توجيه أو طلب من رئيس التفتيش المركزي، تقدّمت بشكوى بحق السكرتيرة المعنية قبل أن يتبيّن لاحقاً أن السكرتيرة حظيت بحماية إدارية حالت دون مثولها أمام التحقيق أو دون استكمال المسار التأديبي الداخلي بصورة طبيعية.
فإذا كان التفتيش المركزي، بوصفه جهازاً رقابياً معنياً بملاحقة المخالفات داخل الإدارات العامة، عاجزاً عن ضمان مسار واضح وشفاف في شكوى داخلية بين موظفين أو عاملين ضمن محيطه الإداري، فكيف يمكنه أن يطمئن الرأي العام إلى صرامة آلياته في مراقبة سائر الإدارات؟
إن ناقوس الخطر يدق اليوم داخل التفتيش المركزي، لأن مجموعة ممارسات متراكمة باتت تطرح الكثير من التساؤلات المقلقة. أما تجاهل الإجابات فلن يؤدي إلا إلى تكريس الانطباع الأخطر: أن من يفترض به كشف الخلل قد بات هو نفسه بحاجة إلى من يفتش في داخله لمعالجة خلله.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
