تقف مدينة “سبتة” على الساحل الشمالي للقارة الإفريقية شاهدةً على نزاعٍ تاريخي عابر للقرون، تدور رحاه بين أحكام الجغرافيا وتوازنات السياسة. فعلى الرغم من وقوعها الجغرافي داخل الأراضي الإفريقية واحتضان المملكة المغربية لها من جميع جهاتها البرية، تظل المدينة خاضعة للسيادة الإسبانية، لتشكّل واحدةً من أكثر النقاط تجاذباً جيوسياسياً بين مدريد والرباط، وأحد أبرز خطوط التماس الفاصلة بين الاتحاد الأوروبي والقارة السمراء.
وتعود جذور الواقعة إلى أكثر من خمسة قرون، حين احتلت البرتغال المدينة عام 1415 في إطار حملاتها البحرية للتوسع في شمال إفريقيا والسيطرة على طرق التجارة في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. ومع اتحاد العرشين الإسباني والبرتغالي في القرن السادس عشر، انتقلت إدارة “سبتة” إلى إسبانيا، قبل أن تعترف البرتغال رسمياً بهذه السيادة بموجب معاهدة لشبونة عام 1668. ومنذ ذلك الحين، بقيت المدينة تحت الإدارة الإسبانية، إلى أن أصبحت لاحقاً مدينةً تتمتع بالحكم الذاتي، كما انضمت، بحكم تبعيتها لإسبانيا، إلى الاتحاد الأوروبي، مع احتفاظها بوضع اقتصادي خاص يجعلها خارج الاتحاد الجمركي الأوروبي ونظام الضريبة على القيمة المضافة.
في المقابل، ترفض المملكة المغربية الاعتراف بمدينة “سبتة” وشقيقتها “مليلية” كأراضٍ إسبانية، وتعتبرهما ثغرين محتلين، وترى أن استمرار الوجود الإسباني في المدينتين يتعارض مع مبادئ تصفية الاستعمار التي أقرتها الأمم المتحدة، بينما تتمسك مدريد بما تصفه بالشرعية التاريخية، مؤكدةً أن “سبتة” لم تكن مستعمرةً بالمعنى القانوني، بل جزءاً من الدولة الإسبانية منذ قرون، وأن غالبية سكانها يحملون الجنسية الإسبانية ويتمسكون بالانتماء إليها.
ولم يبقَ هذا الخلاف في إطار البيانات السياسية أو اللقاءات الدبلوماسية، بل تحولت هذه المدينة إلى واحدة من أكثر البوابات حساسيةً على الحدود بين إفريقيا وأوروبا. فالمدينة تمثل، بالنسبة لآلاف المهاجرين من دول إفريقيا، أقصر طريق للوصول إلى الأراضي الأوروبية، الأمر الذي دفع السلطات الإسبانية إلى تشييد أسوار معدنية شاهقة وتعزيزها بالأسلاك الشائكة وأجهزة الاستشعار والكاميرات الحرارية وأنظمة المراقبة الإلكترونية، في محاولة للحد من عمليات العبور غير النظامية.
غير أن هذه الإجراءات الأمنية لم توقف محاولات الهجرة، فكثير من المهاجرين يخاطرون بحياتهم عبر تسلق الأسوار أو السباحة في البحر أو الاختباء داخل المركبات، مدفوعين بواقع اقتصادي قاسٍ وصراعات مسلحة وانعدام فرص العيش الكريم في بلدانهم. وهكذا تحولت “سبتة” إلى نقطة تختصر الفجوة الهائلة بين عالمين: أحدهما يبحث عن الأمن والازدهار، والآخر يهرب من الفقر والحروب وعدم الاستقرار.
وخلال شهر حزيران عام 2022، تجلّى البعد المأساوي لهذه الأزمة عند معبر “مليلية” المجاور لـ”سبتة”، عندما حاول مئات المهاجرين اقتحام السياج الحدودي دفعةً واحدة. وأسفرت المواجهات العنيفة عن مقتل 23 مهاجراً، وفق الأرقام الرسمية المغربية. وأثارت تلك الأحداث انتقادات دولية واسعة، وسط اتهامات باستخدام القوة المفرطة والتقصير في عمليات الإنقاذ والإسعاف، ومطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة لكشف حقيقة ما جرى ومحاسبة المسؤولين.
ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى تجدّد المشهد بصورة أكثر مأساوية، إذ شهدت مدينة “سبتة”، خلال الأيام الأخيرة، موجة عبور جماعية غير مسبوقة انتهت بسقوط عشرات الضحايا، حيث تراوحت التقديرات بين نحو 57 و67 قتيلاً نتيجة الغرق والتدافع أثناء محاولات الوصول إلى المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة الانتقادات الموجهة لسياسات إدارة الحدود الأوروبية، وأن “سبتة” و”مليلية” ما زالتا تمثلان إحدى أخطر بوابات الهجرة غير النظامية وأكثرها كلفةً على الأرواح البشرية.
كما تطرح موجات العبور الجماعي إلى “سبتة” تساؤلات لدى بعض الأوساط الأمنية حول ما إذا كانت هذه التحركات قد تُستغل لاختبار قدرة السلطات الإسبانية على ضبط الحدود أو لإدخال عناصر ذات أهداف غير مشروعة. غير أن هذه الفرضيات لم تثبت بصورة قاطعة في الأحداث الأخيرة، وتبقى محل نقاش بين الخبراء، في حين تؤكد معظم الدراسات أن الدافع الرئيسي للمهاجرين هو البحث عن الأمان أو تحسين ظروفهم المعيشية.
واليوم، لا تبدو “سبتة” مجرّد مدينة صغيرة متنازع عليها، بل أصبحت مرآةً تعكس أزمات العالم المعاصر ونزاعات السيادة والهجرة والأمن وحقوق الإنسان والتفاوت الاقتصادي. وبينما تتمسك إسبانيا بحقها التاريخي، ويواصل المغرب المطالبة باستعادة المدينة، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف في هذا الصراع، يدفع حياته ثمناً لحدود رسمها التاريخ وأبقتها السياسة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
