من يعبر الجسر فوق المياه المضطربة؟

ظلّ الشرق الأوسط لعقودٍ بركانًا خامدًا، تتلاطم حممه تحت السطح ضمن ميزان الردع والتسويات المؤقتة، إلى أن جاء السابع من أكتوبر ففتح فوهته على اتساعها.

لم يكن الحدث مجرد جولة عسكرية أخرى، بل لحظة كاشفة أعادت طرح أسئلة قديمة حول جوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وحول موقع الولايات المتحدة والغرب، وحول الدور المتبدّل للإعلام في زمن المنصّات المفتوحة.

في هذا السياق، جاءت المقابلة التي أجراها الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون مع السياسي الأميركي مايك هاكابي لتضيف طبقة جديدة من الجدل. هاكابي، المعروف بانتمائه إلى التيار الإنجيلي المحافظ الداعم لإسرائيل، لم يتردد في مقارنة ما تقوم به إسرائيل في غزة بما فعلته الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان، في محاولة لتخفيف وطأة الكارثة عبر منطق المقارنة: إذا كانت واشنطن قد فعلت ما هو أشد، فلماذا تُدان إسرائيل؟

غير أن هذا المنطق، بدل أن يبرّئ، يكشف أزمة أعمق في الوعي السياسي الغربي؛ إذ يحوّل المأساة إلى مسابقة في حجم الدمار، ويجعل من «السوابق» مبررًا أخلاقيًا للاستمرار. الأخطر في حديث هاكابي لم يكن المقارنة فحسب، بل إشارته إلى أن إسرائيل تخوض حربًا على «ثماني جبهات»، ليضيف إلى الجبهات العسكرية جبهة الإعلام. هنا تتبدّى الحقيقة الأبرز: لم يعد الإعلام مجرد ناقل للخبر، بل أصبح ساحة صراع قائمة بذاتها.

منصّات التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الرواية الرسمية، وأتاحت للصور الخارجة من غزة أن تصل مباشرة إلى الرأي العام العالمي. لذلك، لم يكن استهداف الصحافيين ومنع الإعلام الأجنبي تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا على إدراك عميق لخطورة الصورة حين تفلت من السيطرة. «الجبهة الثامنة» ليست مجازًا، بل توصيفًا دقيقًا لعصر تتكافأ فيه الكاميرا مع البندقية في التأثير؛ بل ربما تتجاوزها.

التحوّل اللافت أيضًا كان في مواقف بعض الإعلاميين الغربيين. فالإعلامي البريطاني بيرس مورغان، الذي عُرف سابقًا بميله الواضح إلى الدفاع عن إسرائيل، بدا أكثر نقدًا في تغطيته الأخيرة للحرب، ما أثار سجالات واسعة. وسواء اتفقنا مع تحوّله أم اختلفنا، فإن مجرد تغيّر النبرة يعكس تبدّلًا في المناخ العام، وضغطًا متزايدًا من جمهور لم يعد يكتفي بالرواية الواحدة.

في الخلفية، يقف تيار يُعرف سياسيًا بـ«المسيحية الصهيونية»، وهو تيار إنجيلي أميركي يربط دعمه لإسرائيل بتفسيرات لاهوتية ذات طابع نبوئي. هنا يتقاطع الديني مع السياسي بصورة شديدة الحساسية. فالصهيونية حركة قومية حديثة، بينما اليهودية ديانة متعددة الاتجاهات، والمسيحية تيارات ومدارس لاهوتية متباينة.

غير أن التداخل بين التأويل الديني والقرار السياسي يمنح الصراع بُعدًا عقائديًا يزيده تعقيدًا ويصعّب تسويته.

في بريطانيا، تجلّى التوتر بين الأمن وحرية التعبير في الجدل القانوني حول حظر منظمة «Palestine Action»، وما أعقبه من طعون قضائية. مثل هذه القضايا تعكس اختبارًا حقيقيًا للأنظمة الديمقراطية: إلى أي حد يمكن للدولة أن تقيّد الاحتجاج باسم الأمن؟ وأين يقف القضاء حين تتعارض السلطة التنفيذية مع مبادئ الحريات العامة؟ إنها معركة موازية تدور داخل مؤسسات القانون، لا في ساحات القتال.

أما في الولايات المتحدة، فيظل اسم دونالد ترامب حاضرًا في المشهد، بما يمثّله من مقاربة تقوم على منطق الصفقات وإعادة تعريف التحالفات وفق المصالح المباشرة. سياساته السابقة تجاه القدس والاستيطان أعادت رسم خطوط الانحياز الأميركي، وأثّرت بعمق في مسار الصراع. السؤال اليوم ليس فقط ماذا سيفعل السياسيون، بل كيف سيتشكّل الرأي العام الذي يمنحهم الشرعية أو يسحبها.

وسط هذا المشهد المضطرب، تحضر أغنية Bridge over Troubled Water لثنائي Simon & Garfunkel كاستعارة بليغة. الجسر في الأغنية ليس منصة صراع، بل وعدًا بالنجاة وسط العاصفة. لكن من سيعبر الجسر في واقعنا السياسي؟ هل هم الذين يراجعون مواقفهم تحت ضغط الحقائق والصور، أم أولئك الذين يضاعفون رهانات القوة مهما ارتفعت الكلفة الإنسانية؟

المنطقة تقف اليوم عند مفترق تاريخي. أي تصعيد إقليمي أوسع، خصوصًا إذا انزلقت الأطراف إلى مواجهة مباشرة بين قوى كبرى، قد يعيد رسم النظام الدولي برمّته. الولايات المتحدة، التي قادت النظام العالمي منذ الحرب الباردة، تواجه اختبارًا حقيقيًا: هل ستستمر في موقع الهيمنة الأحادية، أم تتكيّف مع عالم متعدّد الأقطاب تتراجع فيه قدرتها على فرض الرواية كما تفرض العقوبات؟

في النهاية، المسألة ليست مباراة بين إعلاميين أو سجالًا بين سياسيين، بل سؤال أخلاقي وسياسي أعمق: هل يمكن لنظام دولي يقوم على موازين القوة وحدها أن يحقق سلامًا مستدامًا؟ أم أن «الجسر» الحقيقي لن يُبنى إلا حين تستعيد العدالة مكانتها، والقانون الدولي هيبته، والإنسان قيمته، بعيدًا عن حسابات الجغرافيا والعقيدة وألاعيب السياسة؟

المياه مضطربة، والجسر معلّق فوقها. والعبور لن يكون نزهة.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.