الستة دولارات أشعلت 17 تشرين… فلا تستهينوا بفاتورة الهاتف

من تشريج الأيام والدولارات إلى الضرائب والرسوم: هل يكون «تعافي الدولة» من جيب المواطن؟ ولماذا لا تبدأ حكومة نواف سلام بالإيرادات الضائعة والمنافسة وكسر الاحتكار قبل المسّ بدخول اللبنانيين؟

عندما أشعلت عشرون سنتًا غضبًا أكبر منها

في 17 تشرين الأول 2019، كانت عشرون سنتًا في اليوم، أي نحو ستة دولارات شهريًا، الشرارة التي أطلقت غضبًا كان يتراكم منذ سنوات. عُرفت يومها بـ«ضريبة الواتساب»، وتراجعت الحكومة عنها سريعًا، لكن اللبنانيين لم يعودوا إلى منازلهم؛ لأن القضية لم تكن ستة دولارات، ولا «واتساب»، ولا حتى الهاتف. كانت أزمة دولة كاملة، وشعورًا متراكمًا بأن السلطة، كلما احتاجت إلى المال، عرفت الطريق الأقصر: جيب المواطن.

لا حاجة إلى تحميل الستة دولارات مسؤولية ما جرى بعد ذلك، ولا إلى اختصار 17 تشرين أو استقالة حكومة سعد الحريري بها. لكن درس تلك اللحظة لا يزال صالحًا: لا تستهينوا برقم صغير عندما يؤخذ من جيب مواطن بلغ حدود الاحتمال.

الهاتف يعود إلى الواجهة

اليوم يعود الهاتف إلى قلب النقاش مع المعلومات المتداولة عن احتمال وقف تشريج «الأيام والدولارات» وحصر التعبئة ببطاقات محددة. وحتى صدور قرار رسمي واضح، لا يجوز تقديم الأمر على أنه أصبح نافذًا. لكن إذا تحوّل إلى قرار وكانت نتيجته أن يدفع المشترك أكثر للمحافظة على خطه، فالسؤال يصبح مشروعًا: هل هذا هو الإصلاح؟ وهل تتعافى الدولة على حساب مستوى معيشة مواطنيها؟

الهاتف لم يعد ترفًا. إنه وسيلة العمل والتعليم والمصرف والمستشفى والتواصل مع الأبناء والمغتربين. ولذلك لا نحتاج إلى بيانات إنشائية من وزارة الاتصالات، بل إلى عملية حسابية بسيطة: كم يدفع المشترك اليوم سنويًا للمحافظة على خطه، وكم سيدفع بعد النظام الجديد؟

إذا كان سيدفع أقل، فلتنشر الوزارة الأرقام وليكن القرار موضع ترحيب. أما إذا كان سيدفع أكثر، فلتسقط الزيادة قبل أن تولد.

لماذا يتساوى الغني والفقير في الضريبة؟

لكن القضية أكبر من فاتورة الهاتف. إنها في العقل المالي الذي يحكم علاقة الدولة بالمواطن. لماذا يتساوى صاحب الملايين وصاحب الحد الأدنى للأجور أمام رسم مقطوع واحد؟ الدولار الإضافي لا يساوي شيئًا تقريبًا في ميزانية الثري، لكنه قد يكون خبزًا أو دواء أو جزءًا من قسط مدرسة في ميزانية أسرة تحسب مصروفها حتى آخر الشهر.

العدالة الضريبية ليست أن يدفع الجميع الرقم نفسه، بل أن تتوزع الأعباء وفق القدرة على تحملها. أما الرسوم المقطوعة على الخدمات الأساسية، فهي بطبيعتها أشد وطأة على أصحاب المداخيل الصغيرة، لأن النسبة التي تقتطعها من دخلهم أكبر بكثير.

وهنا تكمن المشكلة: الدولة لا تأخذ من المواطن مرة واحدة. تأخذ منه على الهاتف، ثم تلاحقه الرسوم والضرائب البلدية والعقارية والخدمات، فيما تنتظره أقساط المدرسة أو الجامعة والكهرباء والمولد والنقل والسكن. قد تبدو كل زيادة منفردة صغيرة، لكن اجتماعها يحولها إلى نزف يومي صامت للدخل.

جيب المواطن ليس وزارة مالية رديفة

لا يمكن أن تكون فلسفة التعافي بهذه البساطة: الدولة تعجز فيدفع المواطن، المؤسسة ترتفع كلفتها فيدفع المواطن، والخزينة تحتاج إلى إيرادات فيدفع المواطن.

المواطن اللبناني دفع أصلًا من راتبه ومدخراته وقدرته الشرائية ثمن انهيار لم يكن هو من صنعه. وإذا بقيت الدولة كلما احتاجت إلى إيراد جديد تمد يدها إلى الحلقة الأسهل، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام نقل العجز من حسابات الدولة إلى ميزانية الأسرة.

جيب المواطن ليس وزارة مالية رديفة، والفقراء ليسوا الاحتياطي النقدي الأخير للدولة.

تقشّف يحمي فئات ويحمّل الغالبية الكلفة

قبل أن تفرض الدولة دولارًا جديدًا على خدمة يستخدمها الجميع، من حق الناس أن يسألوا: أين الأموال التي يمكن تحصيلها من أماكن أخرى؟ ماذا عن تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي؟ ماذا عن الأملاك العامة البحرية وبدلات إشغالها؟ ماذا عن إدارة أملاك الدولة وعقاراتها؟ وماذا عن مراجعة الإعفاءات والحوافز والامتيازات الممنوحة لقطاعات ومؤسسات مختلفة، ومنها المؤسسات السياحية، لمعرفة ما إذا كانت تحقق للاقتصاد منفعة تبرر فعلًا ما تتنازل عنه الخزينة؟

المطلوب ليس معاقبة السياحة أو الاستثمار، فلبنان يحتاج إليهما أكثر من أي وقت مضى. المطلوب قاعدة مختلفة: لا إعفاء بلا جدوى اقتصادية قابلة للقياس، ولا انتفاع من ملك عام بلا بدل عادل، ولا امتياز دائم لا يخضع للمراجعة.

فالتقشف الذي يطال الجميع بالطريقة نفسها ليس عادلًا في مجتمع شديد التفاوت. والأسوأ أن يتحول إلى سياسة تحمي فئات قادرة على حماية مصالحها، ثم توزع الفاتورة على الغالبية لأنها الأقل قدرة على الاعتراض.

افتحوا المناقصات قبل جيوب الناس

وهنا نصل إلى قطاع الاتصالات نفسه. قبل التفكير في زيادة ما يدفعه المشترك، لماذا لا تبدأ الحكومة من بنية القطاع وكلفته وإدارته ومنافسته؟

حكومة الرئيس نواف سلام بدأت بالفعل خطوة في هذا الاتجاه. ففي 5 آذار 2026 أعلنت الهيئة المنظمة للاتصالات مسارًا لاختيار مستشار دولي يمهّد لعملية تنافسية لاختيار مشغّل أو مشغّلين من القطاع الخاص لإدارة وتشغيل شبكتي MIC1 وMIC2، أي «ألفا» و«تاتش». وكانت الأهداف المعلنة تحسين الكفاءة ونوعية الخدمة وتحديث الشبكات وتعزيز الحوكمة والشفافية وإيرادات الدولة.

لكن المسار تعثر، وألغيت عملية الشراء في آب بسبب «عدم كفاية الاعتمادات المالية».

وهنا تصبح المفارقة مؤلمة: إذا لم توجد الاعتمادات لفتح باب المنافسة، فهل يصبح جيب المواطن هو الاعتماد الوحيد المتوافر دائمًا؟

اكسروا الاحتكار… لا قدرة المواطن

المشكلة ليست في اسمي «ألفا» و«تاتش»، ولا المطلوب بيع شبكتي الخليوي أو التفريط بملكية الدولة. المشكلة أن اللبناني لا يعيش في سوق تنافسية حقيقية يستطيع فيها الانتقال إلى مشغّل آخر إذا وجد خدمة أفضل وسعرًا أقل.

فلتؤمّن الحكومة الاعتمادات اللازمة، ولتعد إطلاق المناقصة بشفافية، ولتفتح الباب أمام مشغّلين مؤهلين يتنافسون: من يخفض كلفة الخدمة؟ من يقدم إنترنت أفضل؟ من يوسع التغطية؟ من يستثمر أكثر في الشبكة؟ ومن يؤمن للدولة أفضل مردود بأقل كلفة على المواطن؟

احتفظوا بملكية الدولة إن كانت هذه هي السياسة المعتمدة، لكن اكسروا احتكار الإدارة والتشغيل بالمنافسة. وانشروا دفاتر الشروط والعروض والعقود ومؤشرات الأداء أمام الرأي العام. عندها تستطيع الحكومة أن تقول للبناني: أصلحنا القطاع أولًا، وخفضنا كلفته، وهذه هي الأرقام.

كي لا تصبح حكومة سلام حكومة جباية أخرى

وهنا التحدي السياسي أمام نواف سلام. ليس المطلوب مقارنته بحسان دياب، فالظروف والتجربتان مختلفتان، لكن ثمة درسًا ينبغي ألا يُنسى: الحكومات التي تصل تحت عنوان الإنقاذ يمكن أن تستهلك رصيدها سريعًا عندما تصبح صورتها لدى الناس مرتبطة بالضرائب والرسوم ورفع الأسعار بدل الإصلاح.

حسان دياب جاء تحت عنوان الإنقاذ، لكنه وجد حكومته وسط انهيار مالي واجتماعي هائل، وأصبح المواطن يرى الدولة من نافذة أزماته اليومية. وليس من مصلحة نواف سلام أن تنتهي حكومته إلى صورة مشابهة: جاءت بالإصلاح، ثم لم يشعر المواطن من إصلاحاتها إلا بما خرج من جيبه.

سلام أمامه فرصة مختلفة: أن يجعل الإصلاح مواجهة مع الخلل والامتياز والهدر والاحتكار، لا مواجهة مع القدرة الشرائية للناس. فالثقة لا تبنى عندما تطلب الدولة من المواطن شد حزامه للمرة العاشرة، بل عندما يراها تشد حزام مؤسساتها أولًا.

لا تختبروا صبر الناس بعشرين سنتًا جديدة

لا أحد يستطيع أن يقول إن التاريخ سيكرر 17 تشرين، ولا أن تغييرًا في تشريج الهاتف سيخرج اللبنانيين مجددًا إلى الشوارع. مثل هذا الادعاء سيكون مبالغة. لكن السياسة ليست فقط حساب الإيرادات؛ إنها أيضًا قراءة المجتمع ومعرفة حدود احتماله.

في 2019، بدت عشرون سنتًا في اليوم رقمًا صغيرًا على طاولة الحكومة. وفي الشارع كانت شيئًا آخر تمامًا، لأنها جاءت فوق جبل من الغضب.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تقرأه حكومة نواف سلام جيدًا: ليست المشكلة دائمًا في قيمة الزيادة، بل في مَن يدفعها، وكم مرة دفع قبلها، ولماذا يشعر أنه يدفع دائمًا بينما يفلت آخرون من الفاتورة.

فإذا كان تغيير نظام التشريج سيخفّض الكلفة، فليُعلن بالأرقام. وإذا كان سيزيدها، فلتسقط الزيادة قبل أن تولد.

افتحوا المنافسة قبل جيوب الناس، حصّلوا حقوق الدولة قبل فرض حقوق جديدة عليها، واكسروا الاحتكار لا قدرة المواطن.

فالستة دولارات لم تصنع 17 تشرين، لكنها تركت درسًا لا يحتاج إلى كثير من التفسير: عندما تبدأ الدولة إصلاحها من جيوب الناس، قد تصبح عشرون سنتًا أكبر بكثير من عشرين سنتًا.

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.