في السنوات الأخيرة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من منصات لتبادل الأفكار والآراء إلى ساحات مفتوحة للصراع اللفظي، حيث باتت الشتائم والإهانات والتشهير جزءًا من المشهد اليومي. والمؤسف أن هذا الانحدار الأخلاقي لم يعد يقتصر على الشخصيات العامة أو القضايا السياسية، بل امتد ليطال الأعراض والمعتقدات والمقدسات، في مشهد يعكس أزمة حقيقية في ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
ليس الخلاف في الرأي هو المشكلة، بل على العكس، فالاختلاف دليل على حيوية المجتمع وتعدد الأفكار. لكن ما نشهده اليوم تجاوز حدود النقد المشروع إلى خطاب قائم على الكراهية والإذلال والتجريح، حتى أصبح البعض يعتقد أن ارتفاع صوته، أو قسوة ألفاظه، أو قدرته على الإساءة، هي انتصار لرأيه.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل ما زالت هذه الممارسات تندرج ضمن حرية التعبير، أم أنها أصبحت اعتداءً على كرامة الإنسان وحقه في الاحترام؟
إن حرية التعبير قيمة أساسية في أي مجتمع ديمقراطي، لكنها لم تكن يومًا مرادفًا للفوضى أو مبررًا لانتهاك حقوق الآخرين. فكما أن القانون يحمي حرية الرأي، فإنه يحمي أيضًا السمعة والكرامة، ويجرّم القذف والتشهير والتحريض على الكراهية والعنف. لذلك فإن الحديث عن تنظيم هذا الفضاء لا يعني بالضرورة تقييد الحريات، بل قد يكون خطوة لحماية المجتمع من خطاب يهدد تماسكه ويغذي الانقسام.
غير أن مسؤولية الدولة، مهما بلغت، لن تكون كافية إذا غابت المسؤولية الفردية. فالقوانين تستطيع أن تردع، لكنها لا تستطيع أن تزرع الأخلاق. وما لم يدرك المستخدم أن الكلمة مسؤولية، وأن الشاشة لا تعفيه من المحاسبة الأخلاقية والقانونية، فإن المشكلة ستبقى قائمة مهما تعددت التشريعات.
إن المجتمع الذي يفقد احترامه للكلمة، يفقد تدريجيًا احترامه للإنسان. وعندما يصبح السبّ والقذف لغةً يومية، ويتحول التطاول على الأعراض والمقدسات إلى وسيلة لحصد الإعجابات أو تصفية الحسابات، فإننا لا نكون أمام أزمة تواصل، بل أمام أزمة قيم.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يجب أن تتدخل الدولة؟ بل: كيف يمكن للدولة، وللمؤسسات التعليمية والإعلامية، وللأسرة، ولكل فرد، أن يعيدوا معًا بناء ثقافة الحوار القائمة على الاحترام، بحيث تبقى حرية التعبير مصونة، دون أن تتحول إلى غطاء للإهانة والتشهير والكراهية.
فحرية التعبير تنتهي عند حدود الاعتداء على كرامة الآخرين، لأن المجتمع الذي يحمي الكلمة، يجب أن يحمي الإنسان أولًا.

مارك الأعور
مغترب لبناني.
