ديوان المحاسبة يحسم ملف وزارة الاتصالات: تغريم وزراء وفتح مسار قضائي شامل

 

بدأت خيوط القضية في ملف مبنى قصابيان – الشياح، حين تقدّم مالك المبنى بشكوى لدى محامي الدولة في هيئة القضايا، مطالبًا بحقوقه المالية من وزارة الاتصالات التي استأجرت المبنى لصالح شركة “ميك 2” المملوكة من الدولة، دون أن تستعمله إطلاقًا، رغم دفع بدلات الإيجار لسنوات طويلة تجاوزت قيمتها عشرة ملايين دولار.

لاحقًا، كشفت وسائل الإعلام بالطرق الاستقصائية تفاصيل إضافية عن الملف، فسلّطت الضوء على شُبهات الهدر وسوء الإدارة داخل الوزارة والشركات المشغِّلة للاتصالات، ما فتح الباب أمام تحرّك الجهات الرقابية.

وفي عام 2020، قدّم المواطن وسيم منصور شكوى رسمية تضمّنت مستندات تشير إلى وجود رشاوى وتبييض أموال، ما دفع ديوان المحاسبة إلى فتح تحقيق شامل في القضية.

تحقيقات ديوان المحاسبة: من القرارات المؤقتة إلى الحكم النهائي

باشر ديوان المحاسبة تحقيقاته مطلع عام 2021، فاستمع إلى إفادات الوزراء المتعاقبين على حقيبة الاتصالات: نقولا صحناوي، بطرس حرب، جمال الجراح، محمد شقير، طلال حواط، وجوني القرم.

وفي عام 2023، أصدر الديوان قراره المؤقت الذي بيّن فيه حجم التجاوزات في عقدي إيجار مبنيي قصابيان والباشورة (البلوكين B وC)، تمهيدًا لإصدار القرار النهائي بعد استكمال التحقيقات والخبرات الهندسية والقانونية.

وجاء القرار النهائي في 25 تشرين الثاني 2025 ليؤكّد بالأرقام مسؤولية مباشرة على عدد من الوزراء السابقين، بعد ثبوت مخالفات مالية وإدارية جسيمة أدّت إلى خسائر بملايين الدولارات.

تفاصيل القرار النهائي

  • نقولا صحناوي: تغريمه بما يعادل راتبه غير الصافي عن 12 شهرًا، وإلزامه بدفع 8,078,146 دولارًا للدولة، لقاء مخالفات متعلقة بعقد إيجار مبنى قصابيان.
  • بطرس حرب: إعفاؤه من العقوبة، بعدما ثبت أنّ قراره بفسخ عقد الإيجار جنّب الخزينة خسائر تُقدَّر بنحو 20 مليون دولار.
  • جمال الجراح: تغريمه 11.3 مليون دولار لتسديده مبالغ غير مستحقّة لتجهيز مبنى الباشورة خلافًا لشروط العقد (Core and Shell).
  • محمد شقير: تغريمه 11.3 مليون دولار إضافية بسبب فشله في استرداد 22.6 مليون دولار دفعتها الوزارة لاستكمال المبنى قبل شرائه.
  • طلال حواط: تغريمه تغريمًا رمزيًا مع وقف تنفيذ العقوبة لعدم ثبوت سوء النية لديه.
  • جوني القرم: تغريمه 4.92 مليون دولار نتيجة النقص في عدد مواقف السيارات (123 موقفًا) في عقد بيع مبنى الباشورة، مما ألحق ضررًا بالخزينة.

كما شمل القرار شركة “زين” المشغِّلة لشركة “ميك 2″، إذ طُلب من وزير الاتصالات تحصيل 2.75 مليون دولار كتعويض عن ضرر ناتج عن مخالفة تعليمات فسخ العقد من قبل رئيس مجلس الإدارة بيتر كاليوبوليس.

ملف فساد مترابط وتشابكات مالية خطيرة

كشفت التحقيقات أن مبنى قصابيان، الذي استُأجر لمدة 12 سنة، لم يُستخدم مطلقًا رغم إنفاق ملايين الدولارات عليه، في وقت أظهرت التقارير الهندسية أنّه غير صالح للاستعمال بسبب تشققات وانهيارات في الجسور والخرسانة.

أما مبنى الباشورة فشهد سلسلة من الصفقات المتشابكة بين شركات AC Realty وسيتي ديفلوبمنت وفرنسبنك، تخللتها عمليات بيع وتمويل ورهن مشبوهة، رافقها تضارب مصالح واضح واحتمال وجود تبييض أموال ورشى، بحسب ما ورد في صفحات القرار.

وبيّنت التحقيقات أيضًا أنّ بعض العقود تم توقيعها بأسعار تفوق القيمة السوقية الفعلية للمباني، دون اعتماد معايير المنافسة والشفافية، ما حمّل الخزينة أعباء غير مبرَّرة.

المرحلة المقبلة: المتابعة القضائية والمساءلة النيابية

يشير القرار إلى أنّ الملف لم يُقفل بعد، إذ يتابعه حاليًا ديوان المحاسبة واللجنة النيابية الخاصة برئاسة نائب رئيس مجلس النواب إيلياس بو صعب، التي تحقق في شبهات إضافية —مع الوزراء أنفسهم— تتعلق بالهدر وسوء الإدارة في قطاع الاتصالات.

اليوم، وبعد صدور القرار النهائي، باتت الكرة في ملعب وزارة المالية التي يُطلب منها تحصيل المبالغ المقرَّرة على الوزراء والشركة المعنية، حفاظًا على حقوق الشعب والخزينة. وهنا على الوزارة أن تُثبت القول بالفعل، وأن تمضي في تطبيق قرار ديوان المحاسبة إلى النهايات المرجوّة، من استعادة المال العام وصولًا إلى المحاسبة القضائية لكل من تُساوره نفسه عدم الامتثال لتلك القرارات.

إن هذا القرار التاريخي يشكّل نقطة تحوّل في مسار المحاسبة في لبنان، ورسالة واضحة بأنّ زمن الإفلات من العقاب انتهى، وأن عهد المساءلة بدأ فعليًا. فكل من بدّد المال العام أو تورّط في الصفقات المشبوهة سيواجه القضاء والرقابة حتى النهاية.

تحية تقدير إلى ديوان المحاسبة والقضاة الشرفاء: عبد الرضا ناصر، محمد الحاج، وجوزف الكسرواني، الذين أثبتوا أنّ العدالة لا تزال ممكنة في دولة أنهكها الفساد.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.