لماذا تتناقض مصالح الساسة والدول الفاعلة مع خيارات الشعب اللبناني؟

في حال سُمِحَ للشعب اللبناني بتأكيد خياراته الوطنية، لأعلن صراحة أنّه يُريد وطنًا حرًّا سيّدًا مستقلاً، ساعيًا من خلال صداقاته عبر عالم الانتشار إلى تحقيق السلام الديمقراطي العادل، ضمن قانون للانتخابات النيابية يُعيد إرساء النظام الديمقراطي عملاً بالدستور، وكذلك السعي ـــ ضمن رغبة صادقة ـــ إلى تحقيق السلام العادل مع كلّ الدول وفق قرارات الشرعية الدولية. وتلك هي مصلحة الشعب اللبناني التي تتناقض مع مصالح طبقة حاكمة مأجورة تحكم خلافًا لأيّ نص شرعي ديمقراطي.

ومنذ سنين يُناضل شعبنا ولا يُوفّر أيّة مناسبة للتعبير عن قناعاته الوطنية والقومية، ويُكافح ضمن الأطر الممكنة محذِّرًا من خطر اتخاذ قرارات عشوائية تطال سيادته وكرامته ومؤسسات الدولة، وما تسبّبت به هذه القرارات من أضرار وعيوب بنيويّة في النظام السياسي اللبناني، انعكست على الاستقرار محليًا وإقليميًا ودوليًا.

في العلوم السياسية والاجتماعية يُشار إلى أنّ تغليب المصالح الخاصة على العامة يؤدّي حتمًا إلى تدمير الأوطان وتفكّك المجتمعات وإضعاف المؤسسات، حيث يتحوّل المسؤولون (العلمانيون والروحيون) إلى خدمة مصالحهم الضيّقة بدلًا من خدمة العامة، ممّا يُسبّب الفساد وتآكل ثقة الناس، وغياب العدالة، وانهيار النظام. وفي النهج السياسي اللبناني تطغى المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهذا معيار منتهج منذ الاستقلال، ويعكس انحراف النظام السياسي قبل الطائف وبعده عن الأهداف الجوهرية، وتحويلها إلى أهداف تُفصَّل على قياس أشخاص، ومجرّد تحقيقها لا يؤثّر إلاّ بالطرق السلبية على الوطن ومؤسساته الشرعية المدنية والعسكرية.

الواقع السياسي العام المعاش يدلّ على أنّ خيارات الشعب تتناقض مع مصالح الساسة والدول الفاعلة، وهذا أمر له مدلولاته السيئة على واقع الدولة ومؤسساتها وعلى الشعب. وقانونيًا، لم يُجز لأيّ مسؤول أن يُنفِّذ حقّه الخاص الواضح المعالم في قضيّة اقتضت المصلحة العامة.

إنّ حالة الخيارات الخاطئة لدى المسؤولين، كطريقة تفكير وسلوكيات في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، تستدعي محاولة فهم وتفسير أبعادها وتجلياتها في إنتاج خطابات وسياسات رعناء عمياء في إدارة الأزمات والصراعات حول مصير الأوطان. وصحيح أنّ تلك الحالة تنطوي على مدلولات واسعة بسبب أبعادها المتعدّدة (السياسية، الأحادية، الإلغائية، الإقطاعية، والسلوكية الأنانية)، ومع ذلك فقد تكون أحد العوامل المفسّرة لنشوب الأزمات والصراعات وتفاقمها بدلًا من احتوائها أو الحدّ من آثارها.

وللدلالة على ما أشرتُ إليه ـــ كباحث ـــ ليس من باب نكء الجراح أو التزلّف أو الاستغلال، لكن من باب الرؤية الوطنية الشمولية، أذكر وقائع الأحداث بإيجاز كلّي:

  • ظاهرة اتفاقية القاهرة وعدم قراءة متأنّية لخطورتها، وغياب مواجهتها ضمن الأطر الممكنة، الأمر الذي خلق رأيًا عامًا منقسمًا على ذاته.
  • ظاهرة الميليشيات التي نشأت منذ السبعينات ولغاية تاريخه، وخطرها على السيادة الوطنية، ممّا أجّج الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية.
  • ظاهرة التعاطي مع الإسرائيليين خلال أعوام الحرب، وما سبّبته من انتكاسة وجودية للذين فتحوا باب العلاقة معها، إذ انقلب عليهم الأمر بالطرق السلبية سياسيًا وقضائيًا وديمغرافيًا.
  • اتفاق الطائف وعناوينه التي تزامنت مع تدخلات أفضت إلى خسارة مكوّن لبناني حضوره في السياسة اللبنانية العامة.
  • خطر نظام الترويكا القائم بعد الطائف وأثره على الواقع اللبناني.
  • التدخل السوري وانعكاساته على الساحة اللبنانية.
  • القرار 1559 وجهل الذين واكبوه في التنفيذ.
  • التدخل الإيراني وآثاره على الساحة اللبنانية وما أدّى إليه مرحليًا.
  • وهنا يكمن الخطر القاتل: إذ يُحكى اليوم عن البدء بعملية تفاوض مع دولة إسرائيل، من دون الأخذ بالاعتبار واقع السياسة اللبنانية وتقصيرها السيادي والقانوني والدستوري، وهذا أمر ستكون تبعاته أشدّ وطأة من رهان العام 1982 وما تلاه.

فعليًا، كباحثين وكمركز أبحاث PEAC، وبالاستناد إلى تفاصيل ما أسلفته، يمكن التأكيد على أنّ هناك “عَمى بصيرة سياسية”، وهذا ما أدّى وسيؤدّي إلى حالات عدم إدراك الساسة للصواب والحقائق. وهي حالة ترافقها سلسلة من الانتهاكات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، راكمت جهلًا استراتيجيًا في الفكر السياسي لدى الساسة ولدى الأفراد الذين غُرّر بهم عبر شعارات خدمت مصالح ساسة الأمر الواقع، وأفادت اللاعبين الإقليميين والدوليين، كلٌّ بحسب طريقة استفادته من حركات الجهل السياسي لدى ساسة الأمر الواقع عن الحقائق والقيم الوطنية السيادية وحقوق الدولة والشعب أثناء تغييب صنع القرار الحرّ وإنتاج السياسات السليمة.

خيارات الشعب اللبناني سيادية بامتياز، وله نظرة ثاقبة في التحليل السياسي كأداة حيوية في فهم الأحداث والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية، واتخاذ القرارات المستنيرة التي تعتمد على الدستور والقوانين المرعية الإجراء وعلى مندرجات القوانين والأعراف الدولية. وهذا يؤكّد أنّه يجب علينا كمراكز أبحاث توخّي الحذر فيما يُطرح من مواضيع، كما يجب علينا أخذ المعلومات بدقة، والابتعاد عن الارتجال الذي يؤدّي إلى كوارث لا تُحمَد عقباها، وقد أشرتُ إليها.

فعلاً، إنّ خيارات الشعب اللبناني تتناقض مع مصالح الساسة والدول الفاعلة على المسرح السياسي.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC