تتفاقم في إدارات المدارس الخاصة، ولا سيّما الكاثوليكية منها، أزمةٌ خفية تتخذ طابعًا ماليًا وإداريًا في آنٍ معًا، عنوانها الأبرز «مجالسُ الأهل». هذه الهيئات التي أُنشئت لتنظيم العلاقة بين الأهل والإدارة وضمان الشفافية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى واجهاتٍ شكلية تُستغل لتغطية قراراتٍ مُسبقة، أو لتثبيت مصالح متبادلة بين بعض الأعضاء والإدارات.
فالروابط الشخصية التي تتكوّن بمرور الوقت بين الطرفين، أفرغت المجلس من مضمونه القانوني، وحوّلته من جهاز رقابيّ مستقل إلى أداة تبرير وتواطؤ، ما أسقط عنه صفته الوظيفية وضرب في الصميم مبدأ الحياد الذي يُفترض أن يحكم عمله.
وبدل الاستمرار في التجميل الكلامي حول «تنظيم العلاقة» بين مجالس الأهل وإدارات المدارس الخاصة، بات من الضروري الاعتراف بأن الرقابة الحالية مجرّد شعارٍ فضفاض لا يُمارَس فعليًا. فالمسألة لم تعد مسألة تنسيق أو تواصل، بل غيابٌ كامل لآلية رقابية حقيقية، ولا سيّما في الشؤون المالية حيث تغيب الشفافية وتحضر التبريرات.
إن ما يقوم به مجلس الأهل اليوم لا يرقى إلى مستوى الرقابة، بل هو ممارسة مطّاطة تتداخل فيها العلاقات الشخصية بالمصالح المتبادلة، حتى أصبح من الواجب فرض رقابةٍ على الرقابة نفسها. فاستمرار هذا الواقع يعني بقاء المدارس الخاصة في منطقة رمادية قانونيًا وأخلاقيًا.
من هنا، فإن الحاجة لم تعد إلى اجتماعات ومجاملات، بل إلى إطار قانوني واضح وحازم يحدّد حدود الصلاحيات وآليات المحاسبة، ويضع حدًا نهائيًا للفوضى المُقنّعة باسم «التعاون التربوي».
إن الوظيفة الأساسية التي أُنشئت من أجلها مجالس الأهل قد انحرفت عن مسارها بشكل كامل. فالهدف المعلن، وهو تعزيز العلاقات بين الأهل والإدارة، وتحسين البيئة التعليمية، وإشراك الأهل في القرارات التربوية، لم يعد سوى واجهة شكلية؛ فيما تحوّلت العلاقات إلى صفقاتٍ تجارية مشتركة بين المجلس والمدرسة حصريًا.
هذه التحوّلات تتيح تمرير مصالح الإدارة على حساب أولياء الأمور غير المشاركين في المجلس، وتحوّل المجلس من جهاز رقابي مستقل إلى شريكٍ تجاري يبرم الاتفاقات مع الشركات ويُنظّم المعارض، بما في ذلك المعارض الميلادية التي تتطلّب شفافيةً ومراقبة مالية صارمة.
والنتيجة ليست مجرد تضارب مصالح، بل إفساد كامل للعلاقة الوظيفية بين المدرسة ومجلس الأهل، بحيث يصبح المجلس جزءًا من المنظومة المالية للمدرسة بدل أن يكون ضابطًا ومراقبًا لها، ما يفتح الباب أمام صفقات مالية مشبوهة وممارسات مخالفة للقانون، ويُقوّض مبدأ الحياد والمساءلة الذي يُفترض أن يحكم عمله.
لم تعد بعض مجالس الأهل في المدارس الخاصة، وخصوصًا في الأوساط الثرية، هيئاتٍ رقابية تربوية كما يُفترض بها أن تكون، بل تحوّلت إلى نُوادٍ اجتماعية مُقفلة تجمع العائلات النافذة في علاقاتٍ شِكليّة تتغذّى من المناسبات والاحتفالات. فالانتماء إلى المجلس أصبح وسامَ «برستيجٍ» اجتماعي أكثر منه مسؤولية تربوية، ما أفقده جديّته ومصداقيته.
وقد شكّلت انتخابات هذا العام لمجالس الأهل ظاهرةً لافتة تمثّلت في تزايد الحملات والإعلانات الانتخابية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وهو أمر قد لا يُعدّ خرقًا مباشرًا للقوانين، غير أنّه يمثّل انحرافًا بيّنًا عن روح التشريعات التربوية التي تقوم على الحياد والتعاون بين الأهل والإدارة، لا على التنافس والاستعراض.
وقد تجاوز بعض المرشحين هذا الإطار إلى استخدام وسائل إعلام تفتقر إلى المصداقية والموثوقية لبثّ مقالاتٍ مشبوهة تستدرج الرأي العام وتُحرّك عواطف الأهالي بدل أن تخاطب وعيهم ومسؤوليتهم التربوية.
هذه البنية «الأرستقراطية» جعلت من المجلس أداةً لتعزيز المكانة الاجتماعية بدل حماية حقوق الأهل، فاختلطت المصالح الشخصية بالقرارات التربوية، وضاع مبدأ الحياد والمساءلة بين الأعضاء أنفسهم.
إنّ ما نشهده اليوم هو تشويه متعمّد للوظيفة الأصلية لمجالس الأهل، حيث تُدار الاجتماعات بعقلية العلاقات العامة، لا بمنطق الرقابة والمحاسبة، فيما يتحوّل العمل التربوي إلى واجهة أنيقة لتبادل النفوذ والمصالح. وهكذا يفقد المجلس شرعيته الأخلاقية قبل القانونية، وتُختزل رسالته في «البرستيج»، لا في خدمة التربية.
إنّ ما أعرضه في هذا المقال لا يهدف إلى تهميش مجالس الأهل التي أدّت واجبها بشرف، مثل مجلس أهالي «برمّانا هاي سكول» الذي استحصل في 9 تشرين الأول على حكمٍ قضائي بوقف زيادة الأقساط، فشكّل نموذجًا نقيًا للمجلس الحقيقي.
غير أنّ المثال المشرّف لا يُلغي المشهد القاتم، كما أنّ النموذج الفاسد لا يبرّر تعميم الإدانة. فبين القلّة التي التزمت رسالتها والأكثرية التي انحرفت عنها، تضيع الحقيقة التربوية ويُمسخ الدور الذي من أجله وُجدت مجالس الأهل أصلًا.

شفيق حبيب
ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.
