هل يحسم الإطار التنسيقي نتائج الانتخابات العراقية بعد غياب التيار الصدري؟ (3/3)

في ثلاثاء الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يتجه العراق نحو استحقاق انتخابي برلماني يُعاد فيه رسم خريطة القوى السياسية وسط متغيرات محلية وإقليمية عميقة. ورغم تأكيدات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات جاهزيتها الفنية والأمنية، تُلقي سلسلة من التحديات بظلالها على المسار: من مقاطعة التيار الصدري الأكبر عددياً في الشارع الشيعي، إلى اغتيال أول مرشح في موسم الحملات، وصولاً إلى ضغوط العقوبات الأمريكية على شبكات تمويل فصائل مسلحة، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلد منذ تشرين أول/أكتوبر 2019.

بعد أن عرضنا في الجزئين الأول والثاني صورة شاملة عن المرشّحين والنظام الانتخابي والتحضيرات اللوجستية، كما تأثير العقوبات الأميركية واغتيال المشهداني على مسار الانتخابات المرتقبة، نتطرّق في هذا الجزء الثالث والأخير إلى جولة تحليلية للمشهد الانتخابي.


الديمقراطية الإجرائية في مواجهة السياسة الواقعية

يقدّم استحقاق نوفمبر 2025 صورة بانورامية لمأزق الديمقراطية العراقية ما بعد 2003: ديمقراطية إجرائية متقنة في شكلياتها اللوجستية، لكنها عاجزة عن إنتاج تحول حقيقي في بنية السلطة أو تلبية تطلعات المواطن العادي. فبينما تُطبع ملايين أوراق الاقتراع بمعايير تضاهي أوراق النقد، وتُحدّث قواعد بيانات الناخبين بتقنيات بيومترية متطورة، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تنتج الانتخابات فعلاً تمثيلاً شعبياً حقيقياً، أم هي آلية لإعادة إنتاج النخب ذاتها بأقنعة وتحالفات متغيرة؟

التحول من نظام الدوائر الصغيرة في 2021 إلى التمثيل النسبي على مستوى المحافظات في 2025 ليس مجرد تعديل تقني، بل هو خيار سياسي عميق يعكس انتصار منطق “الاستقرار” على منطق “التغيير”. فالدوائر الصغيرة، رغم عيوبها، فتحت نوافذ لأصوات جديدة ووجوه غير تقليدية، بينما النظام الجديد يعيد الكرّة إلى ملعب الكتل الكبرى المدججة بالتنظيم والمال والنفوذ المؤسسي. هذا الخيار يُفهم في سياق رد فعل النخبة التقليدية على “صدمة 2021″، حين اخترق المستقلون وحراك تشرين جدران البرلمان بأعداد غير متوقعة، مهددين احتكار القوى التقليدية للعملية السياسية.

غياب الصدر، فراغ خلاق أم انهيار صامت؟

مقاطعة التيار الصدري (التيار الوطني الشيعي) تمثل أكثر من مجرد غياب كتلة كبيرة عن الصناديق؛ إنها تجسيد لأزمة ثقة أعمق بين قطاعات واسعة من الشعب العراقي والعملية السياسية برمتها. الصدر، الذي طالما لعب على وتر الشعبوية الدينية والوطنية المناهضة لإيران، يختار البقاء خارج اللعبة كاستراتيجية للحفاظ على “نقاء” صورته وعدم الانجرار إلى مستنقع المحاصصة الذي غرق فيه من قبل.

لكن هذا الغياب يطرح تساؤلات استراتيجية: هل سيؤدي إلى انهيار في نسبة المشاركة في معاقله التقليدية، ما يخلق أزمة شرعية للبرلمان القادم؟ أم سيفتح المجال لقوى جديدة محلية لملء الفراغ وإنتاج قيادات بديلة أقل ارتباطاً بالمركزية الصدرية؟ الأرجح أن النتيجة ستكون مزيجاً من الاثنين: انخفاض ملحوظ في التصويت في مدينة الصدر وبعض محافظات الجنوب، مع استفادة قوى الإطار التنسيقي من إعادة توزيع المقاعد، لكن دون قدرة على ملء الفراغ الرمزي والعاطفي الذي يتركه الصدر في الوجدان الشيعي الشعبي.

الأخطر هو أن المقاطعة قد تعزز لدى قواعد التيار الصدري شعوراً بالاغتراب عن الدولة ومؤسساتها، وتدفع بعضهم نحو أشكال احتجاج أكثر راديكالية أو عزلة سياسية تامة، ما يضعف النسيج الاجتماعي السياسي ويهدد الاستقرار على المدى المتوسط.

العنف الانتخابي: عودة شبح التسعينيات أم حوادث معزولة؟

اغتيال صفاء المشهداني يستدعي ذاكرة مظلمة من تاريخ العراق، حين كانت الاغتيالات السياسية جزءاً من المشهد اليومي. استخدام العبوات اللاصقة، على وجه التحديد، يحيل إلى تكتيكات جماعات مسلحة عملت في ذروة الفوضى الأمنية بين 2006 و2008. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل نحن أمام عودة ممنهجة للعنف السياسي كأداة للتأثير على نتائج الانتخابات، أم أن الحادثة معزولة ومرتبطة بنزاعات محلية أو ثأرية في منطقة الطارمية المعروفة بهشاشتها الأمنية؟

ما يثير القلق هو التوقيت والرمزية: استهداف مرشح من تحالف السيادة، الذي يمثل القوى السنية المعتدلة، في منطقة “حزام بغداد” حيث تتداخل الولاءات الطائفية والعشائرية والمصالح الاقتصادية غير الشرعية (تهريب، أراضٍ، مشاريع)، يشير إلى محاولة لترهيب صوت سياسي معين أو إرسال رسالة إلى القوى السنية بأن “الثمن” قد يكون باهظاً لمن يخرج عن “الخطوط الحمراء” لقوى أمنية موازية.

إذا تكررت مثل هذه الحوادث، فإن تأثيرها سيكون مدمراً ليس فقط على المشاركة الانتخابية، بل على مصداقية العملية برمتها محلياً ودولياً. فالمراقبون الدوليون والأمم المتحدة يضعون “بيئة آمنة للمرشحين والناخبين” كمعيار أساسي لتقييم نزاهة الانتخابات. والفشل في حماية المرشحين يعني فشلاً في أحد أركان الديمقراطية الأساسية: الحق في الترشح دون خوف.

العقوبات الأميركية: الحرب الناعمة على الاقتصاد السياسي للفصائل

العقوبات الأميركية على شبكات التمويل المرتبطة بالفصائل المسلحة تمثل شكلاً متطوراً من “الحرب الناعمة” التي تستهدف ليس الفصائل عسكرياً، بل قدرتها على تحويل القوة المسلحة إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام. فالفصائل مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق لم تعد مجرد ميليشيات، بل أضحت “دولاً موازية” داخل الدولة العراقية، تدير شبكات اقتصادية ضخمة (شركات إنشاءات، مقاولات حكومية، استثمارات زراعية، معابر حدودية)، وتستخدم هذه الموارد لتمويل الحملات الانتخابية وشراء الولاءات وبناء قواعد شعبية عبر الخدمات.

استهداف هذه الشبكات مالياً يهدف إلى تجفيف منابع القوة السياسية للفصائل دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. لكن الأثر الفعلي لهذه العقوبات يبقى محدوداً بسبب عاملين: أولاً، قدرة هذه الشبكات على التكيف والالتفاف عبر واجهات جديدة وقنوات نقدية محلية بعيدة عن النظام المصرفي الدولي؛ وثانياً، الحماية التي توفرها لها الحكومة العراقية الحالية، التي تعتمد على توازنات دقيقة مع هذه القوى ولا تملك القدرة أو الإرادة لمواجهتها بشكل مباشر.

الأهم هو البعد السياسي الرمزي: العقوبات تُستخدم في السجال الانتخابي لتشويه صورة الخصوم وتصويرهم كـ”عملاء لإيران” أو “منبوذين دولياً”، فيما يستغلها الطرف المستهدف لتعزيز سردية “المقاومة للهيمنة الأميركية” و”الاستقلال الوطني”. وفي بيئة سياسية عراقية مشبعة بالخطاب الهوياتي والطائفي، قد تنقلب العقوبات إلى رصيد انتخابي لصالح من استُهدف بها، بدلاً من أن تضعفه.

أزمة المشاركة: عندما تصبح اللامبالاة هي الصوت الأعلى

الإشكالية الأكبر التي تواجه انتخابات 2025 ليست التزوير أو العنف أو العقوبات، بل هي أزمة المشاركة واللامبالاة المتنامية. فالمواطن العراقي العادي، الذي عانى عقوداً من الحروب والحصار والاحتلال والطائفية والفساد، لم يعد يرى في الانتخابات أداة للتغيير، بل طقساً شكلياً تعيد فيه النخب نفسها إنتاج ذاتها بأقنعة مختلفة.

نسبة المشاركة في 2021، التي بلغت 36% فقط، كانت صرخة احتجاج صامتة من الشارع العراقي. ومع مقاطعة التيار الصدري في 2025، وخيبة أمل قطاعات واسعة من حراك تشرين الذي لم يتمكن من ترجمة زخمه الشعبي إلى تغيير سياسي حقيقي، يُتوقع أن تنخفض المشاركة أكثر، خاصة في المناطق الشيعية الجنوبية ومدينة الصدر.

اللامبالاة الشعبية ليست مجرد ظاهرة سلبية، بل هي شكل من أشكال الاحتجاج السياسي، رسالة من المواطن إلى النخبة مفادها: “لست مستعداً لمنحكم الشرعية بعد الآن”. وهذه الرسالة، إذا لم تُسمع، قد تتحول إلى انفجار احتجاجي جديد، أو إلى انزلاق نحو أشكال أخرى من التعبير السياسي خارج إطار الدولة ومؤسساتها.

معادلة القوة: من يكسب في لعبة صفرية؟

السؤال المركزي الذي تطرحه انتخابات 2025 هو: من سيكون الرابح الأكبر في ظل هذه المتغيرات؟ الإجابة المرجحة: الإطار التنسيقي، لكن ليس بالضرورة كجبهة موحدة، بل كمجموع مكوناته المتنافسة داخلياً.

غياب التيار الصدري يفتح المجال أمام قوى الإطار لتوسيع قاعدتها الانتخابية في مناطق كانت صدرية تقليدياً. والنظام الانتخابي الجديد يخدم الكتل الكبرى المنظمة مثل دولة القانون وبدر وعصائب أهل الحق، التي تمتلك شبكات حزبية وخدمية وأمنية قادرة على التعبئة والحشد. لكن هذا لا يعني أن الإطار سيحصل على أغلبية مريحة، بل سيبقى مضطراً للتحالف مع قوى سنية وكردية لتشكيل الحكومة، ما يعني استمرار منطق المحاصصة والصفقات البَعد-انتخابية.

على الجانب السني، يُتوقع أن يكون التنافس بين تقدم والسيادة والعزم محتدماً، وقد ينتج عنه توزيع متوازن نسبياً للمقاعد، ما يعطي هذه الكتل قوة تفاوضية في مرحلة تشكيل الحكومة، خاصة على ملفات المحافظات المحررة والمصالحة الوطنية وتوزيع المناصب السيادية.

أما القوى الكردية، فستواصل لعبها الدور التقليدي كـ “صانع ملوك” في بغداد، مستفيدة من التنافس الشيعي-الشيعي والسني-السني لتعظيم مكاسبها، خاصة على ملفات الموازنة والنفط والأراضي المتنازع عليها ورواتب موظفي الإقليم.

ما بعد الاقتراع: عودة إلى ماراثون المحاصصة

الحقيقة المرة هي أن نتائج الانتخابات، مهما كانت، لن تحسم شكل الحكومة القادمة أو برنامجها. فالتجربة العراقية أثبتت أن البرلمان ليس ساحة للتشريع والرقابة بقدر ما هو ساحة للمساومات وتوزيع الغنائم. وما سيحدث بعد 11 نوفمبر هو ماراثون طويل من المفاوضات السرية والعلنية، قد يستغرق أشهراً، لتشكيل ائتلاف حكومي قادر على الحصول على ثقة البرلمان.

في هذا الماراثون، لن تكون البرامج الانتخابية أو الشعارات هي الحاسمة، بل التوازنات الطائفية والإثنية، والضغوط الإقليمية (إيران، تركيا، السعودية، الإمارات)، والمصالح الاقتصادية للكتل والشخصيات النافذة، والتسويات الأمنية مع الفصائل المسلحة. وسينتج عن ذلك، على الأرجح، حكومة “توافقية” ضعيفة، عاجزة عن اتخاذ قرارات جريئة في مكافحة الفساد أو الإصلاح الاقتصادي أو تحسين الخدمات، لأن كل قرار سيصطدم بفيتوات متقاطعة من شركاء الائتلاف.

ديمقراطية بلا ديمقراطيين

انتخابات نوفمبر 2025 ليست معركة بين مشاريع وطنية متباينة أو رؤى استراتيجية متنافسة، بل هي إعادة ترتيب للكراسي على سطح سفينة لا تزال تبحر بلا بوصلة واضحة. العراق يملك كل مقومات الديمقراطية الشكلية: انتخابات دورية، وتعددية حزبية، وبرلمان منتخب، وحرية إعلام نسبية، لكنه يفتقر إلى الجوهر: ثقافة ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات دولة فاعلة ومستقلة، وسيادة للقانون، ونخبة سياسية تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية والطائفية والشخصية.

ما لم تحدث صدمة داخلية أو إقليمية كبرى تُجبر النخبة السياسية على إعادة تقييم جذرية لمنطق عملها، سيبقى العراق محكوماً بمنطق “إعادة الإنتاج”: انتخابات تنتج برلماناً ضعيفاً، يُنتج حكومة هشة، تُنتج إحباطاً شعبياً متزايداً، يُنتج احتجاجات دورية، تُخمد بالقمع أو بالاحتواء، ليعود القطار إلى محطة الانتخابات التالية، والدورة تستمر.

الأمل الوحيد يكمن في الذاكرة الحية لحراك تشرين، وفي الجيل الجديد الذي لا يحمل أعباء الانقسامات الطائفية القديمة، وفي قطاعات واسعة من المجتمع المدني والإعلام المستقل والنخب الشابة التي ترفض الاستسلام لمنطق اليأس. هؤلاء هم من قد يصنعون، على المدى البعيد، تحولاً حقيقياً في البنية السياسية العراقية، لكن ذلك يتطلب صبراً استراتيجياً وعملاً دؤوباً على بناء بدائل سياسية حقيقية، لا مجرد شعارات أو ردود أفعال.

انتخابات 2025، هي لحظة في مسار طويل، لحظة قد لا تغير الكثير اليوم، لكنها تُراكم خبرات وتجارب ستشكل، ربما، أساساً لتغيير أعمق في المستقبل. وإلى أن يأتي ذلك المستقبل، سيواصل العراقيون رحلتهم الشاقة نحو دولة يحلمون بها، دولة تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم وتوفر لهم حياة كريمة، دولة تبدو اليوم بعيدة، لكنها تبقى حلماً لا يموت.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.