مصر ولبنان: عناق الأرز والنيل في مواجهة عواصف الشرق الأوسط

منذ انطلاق شرارة الأحداث المأساوية في أكتوبر 2023، انزلق الشرق الأوسط في أتون صراع مفتوح أعاد رسم خرائط الألم والتوتر في المنطقة. وفي قلب هذه العاصفة، يقف لبنان الشقيق، بجماله الجريح وتاريخه العريق، يدفع ضريبة الجغرافيا السياسية وتعقيدات الداخل. فقد استمرت الدولة اللبنانية ومؤسساتها في حالة من الشلل وعدم الاستقرار، مقيدة بعجز مزمن عن تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الضرورية لإنقاذ اقتصادها المنهك.

وفي خضم هذا المشهد القاتم، وبخاصة بعد تصاعد الهجمات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت سيادة لبنان وأرواح أبنائه، برز الدور المصري كمنارة للأمل وحصن منيع يساند الدولة اللبنانية. إن الموقف المصري هنا يتجاوز لغة المصالح السياسية الباردة، ليرتقي إلى لغة إنسانية وأخوية رفيعة المستوى، تؤكد أن نبض بيروت يُسمع في قاهرة المعز، وأن استقرار أرض الأرز هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.

جراح الداخل وعواصف الخارج: لبنان في مفترق الطرق

لم تكن تداعيات صراع ما بعد أكتوبر 2023 إلا عبئاً إضافياً أثقل كاهل دولة تعاني أصلاً من تصدعات عميقة. فقد تفاقمت الأزمات اللبنانية على مسارين متوازيين:

  • الشلل المؤسسي والغياب الإصلاحي: استمرّ الفراغ الرئاسي وتآكلت قدرة المؤسسات الدستورية على اتخاذ قرارات حاسمة، مما أدى إلى تعثر كامل في تنفيذ أي إصلاحات هيكلية اقتصادية أو سياسية طالب بها المجتمع الدولي. هذا العجز ترك المواطن اللبناني وحيداً في مواجهة انهيار العملة، وغلاء المعيشة، وتراجع الخدمات الأساسية.
  • العدوان والتصعيد الإقليمي: مع تحول الجنوب اللبناني إلى جبهة مشتعلة، وما تلا ذلك من هجمات إسرائيلية عنيفة طالت البنية التحتية والمدنيين، وجد لبنان نفسه أمام أزمة نزوح داخلي قاسية، وتهديد مباشر لكيان الدولة وسيادتها، مما زاد من هشاشة الوضع الداخلي وهدد بتمزيق النسيج المجتمعي.

الرؤية المصرية: الدبلوماسية الإنسانية والحفاظ على كيان الدولة

أمام هذا المشهد، لم تقف مصر موقف المتفرج، بل سارعت إلى احتضان الوجع اللبناني انطلاقاً من إرث تاريخي يجمع الشعبين الشقيقين. تميزت الاستراتيجية المصرية تجاه لبنان بمقاربة فريدة تدمج بين “الواقعية السياسية” و”التضامن الإنساني العميق”:

  1. دعم مؤسسات الدولة الشرعية (حجر الزاوية): تدرك مصر تماماً أن الخلاص الوحيد للبنان يكمن في استعادة هيبة الدولة. لذلك، تركزت الجهود المصرية على:
  • إنهاء الفراغ الرئاسي: الضغط الدبلوماسي المستمر لفصل المسار الرئاسي عن أزمات المنطقة، وحث القوى السياسية اللبنانية على التوافق لإنتخاب رئيس للجمهورية يعيد للمؤسسات انتظامها.
  • دعم الجيش اللبناني: التأكيد الدائم على أن الجيش الوطني هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ الأمن، والدعوة إلى تمكينه من بسط سيطرته على كامل التراب اللبناني، باعتباره صمام الأمان للوحدة الوطنية.
  1. الجسر الإنساني وتخفيف المعاناة: لم تتأخر مصر يوماً عن تلبية نداء الواجب الإنساني. فمع اشتداد الضربات الإسرائيلية وتزايد أعداد النازحين والمصابين، فتحت مصر جسوراً جوية وبحرية لنقل المساعدات الطبية والإغاثية العاجلة. هذه المساعدات لم تكن مجرد مواد عينية، بل كانت رسالة حب وتضامن من الشعب المصري لمداواة جراح اللبنانيين، والتأكيد على أنهم ليسوا وحدهم في هذه المحنة.
  2. الحائط الدبلوماسي لصد العدوان: وظفت مصر ثقلها الدبلوماسي الإقليمي والدولي لوقف نزيف الدم في لبنان. وقادت تحركات مكثفة في المحافل الدولية للتحذير من مغبة توسيع دائرة الصراع، رافضة بشكل قاطع أي مساس بسيادة لبنان أو محاولات تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومطالبة بالتطبيق الكامل للقرارات الدولية ذات الصلة.

إعادة إحياء التوازن الوطني: رسالة القاهرة لبيروت

إن التدخل المصري في الشأن اللبناني لطالما اتسم بالتجرد والابتعاد عن التوجهات الطائفية أو المذهبية. تنظر القاهرة إلى لبنان كـ “فكرة” و”نموذج” للتعايش الفريد في الشرق الأوسط، وتؤمن بأن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب إعادة إحياء التوازن الوطني اللبناني.

كما تدرك القيادة المصرية أن أي حلول مؤقتة لن تجدي نفعاً، وأن الدعم الحقيقي يتمثل في مساعدة اللبنانيين على التلاقي، وبناء إجماع وطني يُعلي مصلحة الوطن فوق أي انتماءات ضيقة. إن الدور المصري هو دور “الأخ الأكبر” الذي لا يتدخل ليفرض وصاية، بل ليقدم طوق النجاة، محاولاً انتشال الدولة اللبنانية من مستنقع التعطيل والتجاذبات.

 اقتصاد الصمود وشريان الطاقة: الرهان المصري على استعادة الحياة

ولم تقف مساندة القاهرة عند حدود الدعم السياسي والإنساني فحسب، بل امتدت لتشمل محاولات حثيثة لترميم التصدعات في جدار الاقتصاد اللبناني المنهك، مع تركيز خاص على قطاع الطاقة بوصفه شريان الحياة الذي يعيد النبض للمنازل والمستشفيات والمصانع. فقد بذلت مصر خلال الفترة الماضية جهوداً جبارة لتذليل العقبات التقنية والسياسية من أجل المضي قدماً في مشروع إمداد لبنان بالغاز الطبيعي المصري عبر “خط الغاز العربي”، فضلاً عن تعزيز مشروعات الربط الكهربائي. إن هذه المبادرات المصرية لا تُقرأ كمجرد صفقات تجارية، بل هي تعبير حي عن إرادة سياسية تهدف إلى كسر حصار العتمة عن اللبنانيين، وتخفيف حدة الأزمة المعيشية، إيماناً من الدولة المصرية بأن تعافي لبنان اقتصادياً هو الركيزة الأساسية لسيادته واستقرار مؤسساته، وبأن “مصر السند” لن تترك أشقاءها يواجهون قدر الانهيار وحيدين.

تصعيد الساعات الحرجة: استجابة القاهرة لنداء الواجب

في غضون الأسبوعين الماضيين، تجلت خطورة المشهد اللبناني بشكل أكثر قسوة مع تداعيات الهجوم الإسرائيلي الأخير الذي طال مناطق واسعة في الجنوب والشرق اللبناني. فقد هدد هذا التصعيد بانهيار مساعي التهدئة وفرض وقائع ميدانية جديدة، مما ضاعف من أعباء النزوح الداخلي وعمق جراح البنية التحتية المنهكة. وأمام هذه التطورات المتسارعة، سارعت القاهرة لترجمة تضامنها التاريخي إلى تحرك فوري وملموس؛ حيث وجهت الدولة المصرية جسراً إغاثياً ضخماً سلم أكثر من 1000 طن من المساعدات الطبية، والإغاثية، ومستلزمات الإيواء العاجلة، لتكون بمثابة شريان حياة حيوي للنازحين.

ولم يقتصر الدور المصري على الدعم الإنساني غير المسبوق، بل امتد ليشمل حراكاً دبلوماسياً مكوكياً قادته القاهرة في عواصم القرار، محذرةً من مغبة الانزلاق نحو مواجهة شاملة، ومؤكدةً بلهجة حاسمة رفضها التام لأي مساس بسيادة لبنان أو استغلال أراضيه لتصفية الحسابات الإقليمية، لتبقى مصر بذلك الحاضنة العربية الأبرز والمدافع الشرس عن حق لبنان في الأمن والبقاء.

 ختاماً، إن العلاقة بين مصر ولبنان تتجاوز حدود الجغرافيا لترتسم في عمق وجدان الشعبين. وفي ظل هذه العواصف العاتية التي تضرب الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، يظل الدور المصري هو البوصلة التي تشير نحو العقل، والملاذ الذي يسعى لحماية الدولة اللبنانية من الانهيار. إن وقوف مصر إلى جانب لبنان اليوم ليس مجرد موقف سياسي طارئ، بل هو استمرار لعهد أبدي بأن يبقى الأرز شامخاً، مدعوماً بصلابة النيل وعمقه الإنساني والتاريخي.

مقالات الكاتب

محسن الزيني

صحفي وباحث في العلاقات الدولية.