التسوية أكثر الحلول واقعية: دوافع الصين وقدرتها على التدخل بين أميركا وإيران

عن الصحافة الغربية

كانت الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، إلى حدّ كبير، متوقعة. فقد خشيت الولايات المتحدة من تحوّل إيران إلى قوة نووية، وهو القلق نفسه الذي راود إسرائيل، إلى جانب مخاوفها من القوى الإسلامية – وفي مقدّمها حزب الله – التي تدعمها إيران في لبنان. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كان هذا العامل الأخير ثانوياً نسبياً، في حين اعتُبر التهديد النووي ذا طابع وجودي محتمل.

قبل نحو عام، شنّت الولايات المتحدة هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية، ألحق أضراراً بالبرنامج من دون أن يدمّره. وفي أعقاب مفاوضات لاحقة، رفضت إيران المطالب الأميركية والإسرائيلية بإنهاء برنامجها النووي، ما أدى إلى اندلاع الحرب في شباط الماضي.

ذهب بعضهم إلى القول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أقنع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالمشاركة في الهجوم، مستنداً إلى معلومات استخبارية تفيد بأن الشعب الإيراني سينتفض ضد نظامه في حال تعرّضت البلاد لهجوم. غير أن هذا الطرح يبدو مشكوكاً فيه لثلاثة أسباب. أولاً، إن مصلحة الولايات المتحدة في منع إيران من امتلاك سلاح نووي كانت حقيقية، لا سيما في ضوء دعم إيران لقوى مرتبطة بهجمات 11 أيلول، واستمرارها في توفير ملاذات آمنة لقادة تنظيم القاعدة. ثانياً، لا يبدو ترامب، بحسب التقديرات، شخصية يسهل التأثير عليها. وثالثاً، حتى لو قدمت إسرائيل معلومات عن احتمال انتفاضة داخلية، فإن الأكثر إقناعاً كان اندلاع احتجاجات واسعة داخل إيران قبل الحرب، والتي لم تتراجع إلا بعد أن قمعها الحرس الثوري بعنف شديد.

من المهم الإشارة إلى أن ترامب كان يعتقد أن القوة الجوية، مع حد أدنى من المخاطر على الأرواح الأميركية، كفيلة بإجبار إيران على الاستسلام. غير أن هذا الافتراض ثبت خطؤه، ما أدى إلى الوضع الراهن. كما يُحتمل – وإن كان ذلك في إطار الاستنتاج – أن قادة عسكريين أميركيين كباراً حذّروا من فشل هذه الاستراتيجية، وهو ما قد يفسّر إقالة بعضهم بعد بدء الحرب.

لقد أدى فشل الضربات الجوية المكثفة في تحقيق أهدافها – أي تدمير البرنامج النووي الإيراني وإحداث تغيير في النظام – إضافة إلى تعطيل إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، واستهدافها منشآت نفطية في دول أخرى، إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.

وقد خلق ذلك أزمة سياسية داخلية في الولايات المتحدة، نتيجة تداعياته الاقتصادية، وأيضاً بسبب استحضار ذاكرة حروب سابقة فشلت فيها واشنطن في تحقيق أهدافها، مثل فيتنام والعراق وأفغانستان. فهذه الحروب لم تنتهِ بانتصار أميركي، بل أضعفت صورة الرؤساء الذين خاضوها. ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية لأن ترامب انتُخب جزئياً على أساس تعهده بعدم الانخراط في مثل هذه النزاعات، ما يطرح تساؤلاً أساسياً حول كيفية إنهاء هذه الحرب.

ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة هنا:
الأول، تحقيق نصر أميركي عبر القوة الجوية وحدها؛ الثاني، نشر قوات برية لتدمير الحرس الثوري الإيراني واحتلال إيران؛ والثالث، التوصل إلى تسوية تفاوضية.

يبدو الخيار الأول غير مرجّح، إذ إن القوة الجوية وحدها نادراً ما تجبر الدول على الاستسلام. أما الحرب البرية، فستكون طويلة ومكلفة نظراً لحجم إيران وقوة الحرس الثوري، وستؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة، ما سيضعف موقع ترامب بشكل كبير. وبالتالي، يبقى الحل الأكثر واقعية هو التسوية التفاوضية، ما لم تحدث انتفاضة داخلية في إيران، وهو احتمال ضعيف.

تدخل الولايات المتحدة هذه المفاوضات من موقع ضعيف نسبياً. فبالنسبة لإيران، تحدد نتائج الحرب مستقبل الدولة وأيديولوجيتها، في حين أن ما هو على المحك بالنسبة لواشنطن أقلّ أهمية نسبياً. كما أن الاستراتيجية الإيرانية القائمة على رفع أسعار النفط وإرباك الاقتصاد العالمي تجعل من الصعب على الولايات المتحدة بناء تحالف دولي قوي ضد طهران، إذ إن معظم الدول تسعى أساساً إلى إنهاء الحرب سريعاً.

في المقابل، تدرك إيران طبيعة النظام السياسي الأميركي، حيث تتزايد المعارضة الداخلية للحرب، ما قد يدفع ترامب إلى القبول بتسوية تميل لصالح طهران. ومن هذا المنظور، يبدو عامل الوقت في صالح إيران، خصوصاً إذا استمر التباين بين التصريحات الأميركية عن قرب السلام والواقع الميداني.

هناك مساران محتملان لإنهاء الحرب تفاوضياً: الأول، تسوية تحصل فيها الولايات المتحدة على أقل مما كانت تطمح إليه، مقابل تجنّب حرب طويلة؛ والثاني، إشراك دولة أو أكثر للضغط على إيران.

الدولة الوحيدة القادرة على لعب هذا الدور هي الصين، نظراً لاعتمادها الكبير على النفط المار عبر مضيق هرمز، واعتماد اقتصادها على التصدير إلى الولايات المتحدة.

مع ذلك، ليس واضحاً ما إذا كان الضغط الصيني كافياً لدفع إيران إلى تقديم تنازلات كبيرة. غير أن بكين قد تتمكن من إقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي مقابل مكاسب اقتصادية. ويبقى السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة تحمّل كلفة هذا الدور الصيني؟

في المقابل، تحتاج الصين إلى اتفاق تجاري جديد مع الولايات المتحدة، ما قد يدفعها إلى لعب هذا الدور مقابل ثمن قابل للتفاوض. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن البدائل تتمثل إما بإنهاء الحرب من دون مكاسب واضحة، أو الاستمرار في مسار شبيه بحروب فيتنام والعراق وأفغانستان – وهو خيار يصعب على ترامب تحمّله.

فهل هذا السيناريو ممكن؟ رغم إدانة الصين للحرب، لم تتخذ إجراءات عملية ضد الولايات المتحدة، كما أن دعمها لإيران لم يكن كافياً لتغيير ميزان القوى. ومن وجهة النظر الأميركية، يبقى الهدف الأساسي هو وقف البرنامج النووي الإيراني، وهو هدف لا تعارضه الصين بالضرورة.

كذلك، تحتاج الصين إلى تعديل في السياسات التجارية الأميركية، وهو ما تريده واشنطن أيضاً. وقد يكون الضغط على إيران ثمناً بسيطاً تدفعه بكين لتحقيق ذلك. أما السؤال الأهم، فهو: ما الذي ستطلبه الصين في المقابل؟

قد يكون الثمن مرتفعاً، لكنه ليس جذرياً، بالنظر إلى حاجة الصين لهذا الاتفاق. وفي كل الأحوال، يبقى هذا الخيار أقل كلفة من استمرار الحرب أو إنهائها من دون نتائج واضحة. فالدبلوماسية، مهما بدت معقّدة، كثيراً ما أنتجت حلولاً أشد غرابة من ذلك.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.